رئيس الجمهورية اللبنانية يتحدث أمام أعضاء السلك الديبلوماسى فى لبنان :

إذا اردتم السلام فعليكم إطفاء النار فى مصادر اشتعالها

الديبلوماسيون : ليكن التوافق فى لبنان بداية مسيرة تشمل المنطقة

عون استقبل السلك القنصلى ووفدى اللقاء الديموقراطى والرهبانية المارونية : نحن بحاجة إلى ذهنية جديدة وتغيير عميق كى نعيد بناء الوطن

"الانتخابات النيابية فى موعدها وفق قانون توافقى وعهدى لجميع اللبنانيين دون تمييز"

      
         

الرئيس عون يتحدث الى السفراء فى قصر بعبدا

إستقبل رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون في قصر بعبدا، ممثلي البعثات الديبلوماسية المعتمدة في لبنان، لمناسبة تقديم التهاني لرئيس الجمهورية بالسنة الجديدة. وألقى السفير البابوي وعميد السلك الديبلوماسي المعتمد لدى لبنان المطران غبريللي كاتشا كلمة قال فيها: "صاحب الفخامة، بشعور فرح مميز، يلتقي اعضاء السلك الديبلوماسي المعتمد لدى لبنان، في القصر الجمهوري، بعد غياب سنتين، ليعبروا لفخامتكم ومن خلالكم الى جميع اللبنانيين، عن أحر تمنياتهم لمناسبة بدء السنة الجديدة 2017. لقد تمكنتم، فخامة الرئيس، بعد انتخابكم في 31 تشرين الاول 2016، من تسلم اوراق اعتماد غالبية السفراء الحاضرين اليوم هنا، وقد سروا جميعا بلقائكم وتهنئتكم بانتخابكم، الذي وضع حدا للشغور المديد في سدة الرئاسة، وقد اعاق المسيرة الطبيعية للعلاقات بين لبنان وبين عدد كبير من الدول الصديقة في العالم. وانني اغتنم هذه المناسبة السعيدة، لأجدد لفخامتكم تهاني قداسة البابا فرنسيس الذي وجه رسالة، في غاية التعبير، الى جميع مسؤولي الدول والمجتمع المدني والديني، تحت عنوان: "اللاعنف": اسلوب سياسة من اجل السلام".

الرئيس عون واعضاء السلك القنصلى فى لبنان

والى قداسة البابا ينضم كذلك، جميع رؤساء الدول والمنظمات الدولية الممثلة ها هنا، المشاركين في تحمل المسؤولية عينها من اجل الخير العام لكل بلد وللعالم اجمع. ان الدعوة الى السلام الضروري في كل مكان وعلى المستويات كافة، ترتدي معنى خاصا في الشرق الأوسط، الذي عانى طويلا، ولما يزل، من آلام الحروب المدمرة والنزاعات الجارية في عدد من دول المنطقة، من دون ان نغفل وباء الارهاب المنتشر على المستوى العالمي. إذ ذاك، بمقدورنا ان ندرك كم نحن بحاجة ماسة الى ان نستدعي هبة السلام ونعمل، كل وفق مسؤولياته، من اجل احلال هذا السلام. واليوم، نشارك قداسة الحبر الأعظم دعاءه الوارد في رسالته: "انني اتمنى السلام لكل رجل وامرأة وكل طفل، واصلي لكيما، تتيح لنا صورة الله ومثاله الحاضران في كل أحد، ان نتعرف على بعضنا البعض كعطايا مقدسة تتمتع بكرامة فائقة، لا سيما في حالات النزاعات. فلنحترم هذه الكرامة البالغة الاهمية، ولنجعل من اللاعنف الفاعل اسلوب حياتنا". أضاف: "لقد تمكنا هنا في لبنان، وسط وضع اقليمي شديد الاضطراب، من الافادة باستقرار امني بارز، بفضل العمل الممتاز الذي يقوم به الجيش وسائر القوى الامنية، ما جنب الطوائف كافة من الدخول في دوامة العنف. ان الارادة الداخلية الصلبة في البلد، اضافة الى التفاهم الاقليمي والدولي، قد ساعدت في التغلب على بعض المراحل الدقيقة والصعبة، وجنبت وطن الارز، الجميل، من الوقوع مجددا في تجربة سبق له ان عاشها لفترة طويلة في تاريخه الحديث. لكنه، من البديهي، ان ذلك وحده لم يكن كافيا: لقد كان من الضروري ايضا ضمان الاستقرار المؤسساتي والديموقراطي، الذي يشكل الضمانة الاساسية والطبيعية لنمو البلاد على كافة المستويات، والذي يؤمن الحقوق العائدة الى كل مواطن والى جميع الطوائف وحمايتهم الضرورية. وفي هذا الاطار، إننا كسفراء، نشارك بكثير من الغبطة، ارتياح الشعب اللبناني الذي يعيش استعادة الحياة الطبيعية في مؤسسات الدولة من خلال وجود رئيس جمهورية جديد، وحكومة جديدة نالت ثقة المجلس النيابي، وهي تعمل لاجراء استحقاق الانتخابات التشريعية المتوقعة بعد اشهر عدة.

الرئيس عون ووفد الرهبانية المارونية

ان تبني القرار 1701 في العام 2006، وقيام المجموعة الدولية لدعم لبنان في العام 2012، لخير دليل على اهتمام المجتمع الدولي المتواصل بالمحافظة على سيادة لبنان واستقراره واستقلاله، كما على حسن سير مؤسساته العامة". وتابع كاتشا: "نحن الحاضرين هنا، جميعا، كما الحكومات التي نمثل، نأمل ان يكون التوافق الواسع في لبنان، الذي اتاح تفاهما بين جميع المكونات والقوى السياسية، بداية مسيرة تشمل قريبا المنطقة بأسرها، من اجل التوصل، في اقرب وقت، الى السلام الذي ينشده الجميع، وعلى وجه الخصوص الشعوب الاكثر معاناة. وفي هذا الاطار، نهنئكم، فخامة الرئيس، على اولى زياراتكم الى الخارج، وقد جرت بروح التفاهم هذا ووفق ارادة الحوار عينها، كوسيلة لتسوية التباينات وطمأنة الهواجس، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح اللاعبين الاقليميين واهتماماتهم. ولا يسعنا هنا الا ان نشكر بلدكم على تحمله العبء الثقيل في استقباله العدد الكبير من اللاجئين، وإننا إذ نلتزم مواصلة تعاون بلداننا من اجل تخفيف معاناة ملايين الافراد، فإننا نشارككم ايضا الأمل بأن تتيح لهم الاوضاع الاقليمية العودة، في جو من الأمان والسلام، ليعيدوا بناء بلدانهم الكبيرة والتي هي بأمس الحاجة اليهم. هذا وفي لبنان ايضا، اوضاع جمة بحاجة الى معالجة على مختلف المستويات، وينتظر المواطنون، بفارغ الصبر، حلولا لها منذ سنوات، خصوصا على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. وفي هذا الاطار، نتمنى لكم، فخامة الرئيس، وللحكومة الجديدة، عملا مثمرا، مؤكدين لكم صداقتنا المخلصة وتعاوننا، مع علمنا بأنه بامكان لبنان ان يعتمد بالاضافة الى ذلك على شبكة موارد لا تقدر، تتمثل باللبنانيين المنتشرين، بنجاح كبير، في غالبية دول العالم". وختم: "فخامة الرئيس، في اطار الثقة المستعادة التي يختبرها لبنان اليوم على مستويات عدة، اسمحوا لي ان اختم كلمتي هذه، مذكرا بأن العام 2017 يشكل الذكرى العشرين للزيارة التاريخية التي قام بها البابا القديس يوحنا-بولس الثاني الى لبنان، وبتوقيعه الارشاد الرسولي: "رجاء جديد للبنان"، حيث ان كلمته الختامية لا تزال آنية، وقد جاء فيها: "هكذا فإن لبنان، هذا الجبل السعيد، بإمكانه ان يزهر مجددا بقوة، ويستجيب لدعوته أن يكون نورا للمنطقة وعلامة سلام آتية من الله". فخامة الرئيس، إننا نتمنى لكم شخصيا، ولعائلتكم، كما لمؤسسات الجمهورية اللبنانية، واعضاء الحكومة، ومن خلالكم للشعب اللبناني بأسره، عاما سعيدا". ثم تحدث رئيس الجمهورية فقال: "يسعدني أن ارحب بكم، للمرة الأولى في هذا العهد الرئاسي، في القصر الجمهوري، وإني اشكركم على تهنئتكم لمناسبة حلول العام الجديد، وعلى الكلمات الطيبة التي وجهها باسمكم، عميد السلك الدبلوماسي في لبنان المونسنيور غابريالي كاتشا. وللمناسبة، أتقدم منكم، ومن عائلاتكم ومعاونيكم، بأطيب التمنيات الشخصية، آملا أن تنقلوا إلى رؤساء الدول والمنظمات الذين تمثلون، كما إلى شعوبكم الشقيقة والصديقة، تمنياتي الصادقة لهم بمزيد من الإصرار في السير على دروب الاستقرار والازدهار، على الرغم من كل الصعوبات. ولا يسعني، سعادة العميد، إلا أن أخص بالذكر هنا قداسة البابا فرنسيس، راجيا أن ترفعوا إلى قداسته كامل احترامنا ودعائنا، ومشاركتنا رجاءه بعالم يعم أرجاءه سلام ترعاه الرحمة ومبادئ العدالة وقيم الحق، وقد دعا اليه قداسته، لمناسبة "اليوم العالمي الخمسين للسلام" في الأول من كانون الثاني من العام 2017، والى بنائه على أسس "اللاعنف". نحن نؤمن باللاعنف، وقد اعتمدناه نهجا لنا طيلة ربع قرن حتى أثمر في النهاية وطنا محررا، ونسعى على الدوام إلى أن يبقى السلام مخيما في ربوعه". أضاف: "إرادتي، كرئيس لبنان، أن أكرس هذا الموقع حاضنا للصيغة اللبنانية الفريدة، القائمة على التعددية التي أثبتت عبر التاريخ صلابة في مواجهة المحن الداخلية والخارجية، وقدرة في التغلب عليها. فالمجتمع اللبناني يجب أن يكون مثالا تعايشيا حيا، لأن مستقبل العالم، على الرغم مما نشهد من عصبيات، هو في المجتمعات التعددية، بعدما سقطت الأحادية، سواء كانت سياسية أو عرقية أو دينية. إرادتي هي تأمين الاستقرار، الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والمالي، فيطمئن اللبنانيون، أينما كانوا، الى وطنهم، ويعود لبنان ليلعب الدور الإيجابي الذي اعتدتم عليه في الساحة الدولية. وقد بدأنا بوضع الخطط لذلك، وبعضها صار على طريق التنفيذ. إرادتي هي حماية سيادة الدولة وصيانة الوحدة الوطنية ومنع استجرار الفتن الى ساحتنا الداخلية. إرادتي هي مؤسسات قادرة وفاعلة وشفافة تعيد ثقة المواطن بدولته، فيتعاون معها، وتكون له المرجع والسند. لقد شهدت الأشهر الأخيرة في لبنان عودة المؤسسات الدستورية إلى مسارها الطبيعي. فصار لدينا مجلس وزراء حائز على ثقة البرلمان على أساس بيان وزاري جامع، كما أن مجلس النواب باشر بدورته الاستثنائية في معالجة اقتراحات ومشاريع القوانين المتأخرة والملحة، وفي مقدمها الموازنة وقانون الانتخاب. وأولى أولوياتنا تنظيم انتخابات نيابية وفق قانون جديد يؤمن التمثيل الصحيح لكافة شرائح المجتمع اللبناني، ما يوفر الاستقرار السياسي. أما تخوف بعض القوى من قانون نسبي فهو في غير محله، لأن وحده النظام الذي يقوم على النسبية يؤمن صحة التمثيل وعدالته للجميع. وعليه، قد يخسر البعض بعض مقاعدهم ولكننا نربح جميعا استقرار الوطن". وتابع رئيس الجمهورية: "أصحاب السعادة، تفاقمت في الآونة الأخيرة المشاكل الاقتصادية في لبنان، في ظل أزمات دولية واضطرابات إقليمية أدت إلى زيادة الحرمان وتوسع الفقر لدى شرائح كبيرة من المجتمع اللبناني. وقد اتخذنا القرار بالتصدي للتدهور الذي يطال معظم قطاعاتنا الإنتاجية، لكن العقبات التي تعترض مسيرة نهضتنا الاقتصادية كثيرة ومنها تداعيات الأزمة السورية وأبرزها النزوح السوري الكثيف إلى لبنان. لقد قدم لبنان ما يفوق طاقته في مجال مد يد العون إلى أشقائه، من سوريين وفلسطينيين. لكننا ننوء تحت وطأة استضافة نصف عدد سكاننا، فما من بلد في العالم يمكنه تحمل زيادة 50% من سكانه. إن الكثافة السكانية في لبنان أساسا مرتفعة، وكانت بمعدل 400 شخص في الكيلومتر المربع، وقد صارت اليوم 600، وهذا ما يجعلنا غير قادرين على استنهاض اقتصادنا كما نرجو، لا سيما أن ربع شباب لبنان بات عاطلا عن العمل. لا يمكن أن يحمل لبنان، وحده، هذا العبء. نناشد دولكم أن تتحمل مسؤولياتها كاملة، وأن تتحرك من دون إبطاء، حفاظا على مصالحكم ومصالح شعوبكم، لأن تداعيات موجات النزوح الكثيف غير المسبوقة في تاريخنا المعاصر تهدد وجود جميع الأوطان واستقرارها. وانطلاقا من هنا، نطالب المجتمع الدولي بأن يعترف بخصوصية لبنان ويرفض أي فكرة لاندماجهم فيه، كما نطالب دولكم مؤازرة جهودنا للتوصل إلى الحل الوحيد المستدام لأزمة النازحين السوريين إلى بلدنا، وهو في عودتهم الآمنة إلى بلدهم. في هذا الإطار، يرحب لبنان بكل مبادرة من شأنها أن تؤدي إلى حل سلمي سياسي للأزمة في سوريا، ونتمنى أن تأتي جميع المبادرات في سياق واحد، فتنسجم في ما بينها، وتصبح بالتالي كفيلة بإرساء قواعد حل طويل الأمد للصراع في سوريا. إن السياسات الدولية هي التي أوصلت الوضع في منطقة الشرق الأوسط إلى ما هو عليه، واطفاء الحرائق صار حاجة عملية ومصلحة في آن، لأن النيران بدأت تحرق أصابع من صنعها". وقال: "أصحاب السعادة، لقد ذكر قداسة البابا في رسالته، بكلام لأسلافه في اليوم العالمي للسلام: "إن السلام كي يقوم يجب أن يرتكز على القانون والعدالة والمساواة والحرية"، فأين العالم اليوم من هذه القيم؟ وأين المؤسسات الدولية التي يفترض أن تكون هي من يحميها ويعمل على تطبيقها وترسيخها؟ بعد الحرب العالمية الثانية أنشئت منظمة الأمم المتحدة وكان من مقاصدها، وفق المادة الأولى من الفصل الأول من ميثاقها، "حفظ السلم والأمن الدوليين"، "حل النزاعات الدولية وفقا لمبادئ العدل والقانون الدولي"، "المساواة في الحقوق بين الشعوب"، "حق تقرير المصير"، "تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات"... لقد علق العالم المستضعف آمالا كبارا على هذه المؤسسة ومثيلاتها، لمساعدته على التحرر وحمايته من طغيان القوى التي تحاول السيطرة عليه، فماذا كانت النتيجة؟ وهل استطاعت تلك المؤسسات أن تحترم ما التزمت به؟ بالإضافة الى أرضنا المحتلة، لنأخذ المشهد القريب جدا منا، الملاصق لحدودنا، وأعني المشهد الفلسطيني، ولبنان جد معني به، لما يترك من تداعيات عليه منذ ما يقارب سبعة عقود ماضية. لقد قسمت فلسطين بقرار دولي من الأمم المتحدة يحمل الرقم 181، الى قسمين، قسم لليهود وآخر للعرب، ولكن الإسرائيليين لم يكتفوا بذلك، بل طمعوا بالجزء العربي أيضا، فطردوا الفلسطينيين منه بعد حرب تطهير عرقي، وثقها الكاتب الإسرائيلي أيلان بابيه Ilan Pappé في كتابه "حرب التطهير العرقي". لقد اعتمد الفلسطينيون في حينه مبدأ اللاعنف، ولكن اللاعنف، إذا ووجه بالعنف المفرط من الجهة المقابلة، وبغض نظر يصل الى حد التشجيع من الجهات المراقبة، سينفجر في النهاية عنفا دمويا لا ينتهي، كما حصل في فلسطين. القرار الأول للأمم المتحدة بشأن فلسطين أشعل حربا، فيما القرارات الأخرى لم تنفذ، فماذا فعلت المؤسسات الدولية حيال ذلك؟ لماذا لا تأخذ قرارا يلزم إسرائيل بإعادة الأرض المتفق عليها للفلسطينيين والاعتراف بهويتهم؟ ولماذا لا يزال الإسرائيليون يسلبون أرض الفلسطينيين حتى اليوم؟ ولماذا يهدمون منازلهم ويحرقون بساتينهم، ويستملكون أرضهم ليبنوا المستوطنات؟ إن إسرائيل اليوم تستغل انشغال العالم بأزمات المنطقة وفشل جهود السلام، من أجل التمادي في سلب حقوق الفلسطينيين والاستمرار في التعدي على سيادة جيرانها، وفرض أمر واقع لن يمكن العودة عنه في المستقبل". أضاف عون: "أصحاب السعادة، في السنوات الأخيرة، بدأ مشروع ما سمي "الفوضى الخلاقة" في منطقتنا، فاشتعلت الحروب الداخلية في الدول العربية، وسمي ذلك بـ"الربيع العربي"، فماذا شهدنا من ذلك الربيع؟ هل الربيع يكون بإلغاء معالم الحضارات القديمة التي أسست لحضاراتنا اليوم؟ هل يكون بتهديم الكنائس والمساجد ودور العبادة، وبتحطيم الآثار؟! هل يكون بذبح الأبرياء وتدمير المدن؟! هذا يا سادة جحيم العرب وليس ربيعهم. ما الذي أنتجته تلك "الفوضى الخلاقة" غير الحقد والكراهية والآلام والضحايا؟ ومتى كانت الفوضى خلاقة؟؟ أين شرعة حقوق الإنسان مما يحصل؟؟ لنا كل الحق في هذه التساؤلات، ونوجهها للدول التي تتجاهل حقوق الإنسان ولا تتذكرها إلا وفق مصالحها، فكلنا معنيون، وكلنا موقعون على معاهدة حقوق الإنسان. تلك الدول التي تسمي إرهابا كل ما يمس بأمنها، وتسمي "ثورة" كل الإرهاب الذي يخدم مصالحها! الإرهاب إرهاب أينما ضرب؛ فالسيارات المفخخة، والقتلة المتجولون، والانتحاريون المتفجرون بين الأبرياء، جميعهم من صنع الإرهاب، سواء ضربوا غربا أو شرقا، جنوبا أو شمالا". وختم رئيس الجمهورية: "أصحاب السعادة، لبنان ليس في عزلة عن محيطه، وانشغالنا في ترتيب بيتنا الداخلي لم ينسنا خطر النار المشتعلة حولنا. يخطئ كل من يظن أنه ما زال باستطاعة دولة ما، مهما كبر حجمها أو صغر، أن تبقى خارج دائرة الأزمات العالمية وأن تحجز لنفسها مكان المتفرج. إما أن ننجو جميعا بفضل التعاون والحوار أو أن نذهب جميعا ضحية ما يحصل. إن الإرهاب الذي يعاني منه العالم ليس جديدا علينا، فلبنان من أوائل الدول التي ضربها وأوقع لنا العديد من الشهداء، مدنيين وعسكريين، ومن أوائل الدول التي تصدت له، ولا يزال حتى اليوم في خطوط المواجهة الأمامية ويتلقى النتائج والتبعات. إن التعاون الأمني والمخابراتي ضرورة حيوية لمكافحة الإرهاب، لكن يبقى أن هذا الإرهاب يتغذى من الأزمات المندلعة شرقا وغربا، وينتشر ويتمدد بالفكر الظلامي التكفيري الرافض للآخر، وينتعش بالدعم المالي واللوجستي والعسكري الذي يقدم له. لذلك نرسل صرخة إلى العالم، إلى الدول الكبرى، إلى الأمم المتحدة، إلى كل المؤسسات الدولية: إن المسار الصحيح يرسم عبر إرادة دولية راغبة حقا بإنقاذ العالم من الإرهاب وإرساء السلام؛ فإذا أردتم السلام عليكم أن تجدوا حلولا لمشاكل المنطقة، لا تقوم على القوة بل على العدالة التي ترفع الظلم وتعطي الحقوق لأصحابها. إذا أردتم السلام، فعليكم أن تطفئوا النار في مصادر اشتعالها، فالنار لا تنطفئ بنفسها طالما هناك حطب يوقد لها". هذا وأكد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون اننا بحاجة اليوم الى ذهنية جديدة وتغيير عميق كي نعيد بناء الوطن، وأي وطن لا يستقيم من دون قيم، ومن دون الشعور مع الآخر والانتباه الى مختلف طبقات الشعب. ودعا كل فرد في المجتمع الى ان "يشعر مع الغير ويساهم في بناء الوطن"، معتبرا أن "لبنان جزء من منطقة، ولا يمكننا بعد اليوم الا نتطلع من حولنا، فنحن مشرقيون وحياتنا هنا، وهي لم تعد غربا ولم تعد شرقا، لا جنوبا ولا شمالا. الا ان ذلك لا يعني القطيعة مع الآخر". مواقف الرئيس عون اتت خلال استقباله اعضاء السلك القنصلي في لبنان الذين قدموا له التهنئة بحلول الاعياد والسنة الجديدة، وحضر اللقاء الامين العام لوزارة الخارجية السفير وفيق رحيمي. والقى عميد السلك القنصلي جوزف حبيس كلمة باسم القناصل الحاضرين قال فيها: "كم نحن سعداء اليوم بالوقوف أمامكم كأعضاء في السلك القنصلي، لنهنئكم بانطلاق السنة الجديدة والأعياد المجيدة، ومعها انطلاق عهد جديد بقيادتكم أنعش آمال اللبنانيين بعودة الحياة إلى مؤسسات الدولة، بعد سنتين ونصف من الجمود والفراغ، وبتعزيز التلاحم الوطني بعد تباعد وتجاف، وبإبعاد شبح المخاطر الأمنية المنعكسة على لبنان جراء الغليان والحروب في محيطه من جهة، والتهديدات الإرهابية التي تهدف إلى النيل من أمنه واستقراره من جهة ثانية". اضاف: "لقد بات للدولة رأس نفتخر به، وعادت للكيان اللبناني ميثاقيته في الحكم. لقد عرف عنكم، ولا اقول هنا جديدا، حبكم للجيش الذي برهن أنه صمام الأمان وسط العواصف، ودعوتكم إلى انخراط اللبنانيين المهاجرين والمنتشرين حول العالم في نهضة وطنهم الأم وحصولهم على كافة حقوقهم كلبنانيين وعلى رأسها حقهم بالانتخاب. وعرف عنكم إصراركم على التجديد في الحياة السياسية اللبنانية عبر إقرار قانون انتخاب عصري وعادل، ونضالكم من أجل محاربة الفساد والفاسدين والاهتراء في عمل الإدارات الرسمية. هذا غيض من فيض مسيرتكم، ولعل خطاب القسم هو خير دليل على بعد رؤيتكم الوطنية، وقد لاقى منذ تلاوته في المجلس النيابي ترحيبا شاملا وإجماعا من كافة مكونات الوطن. ونحن، يا فخامة الرئيس، كجسم قنصلي، نضع كل إمكاناتنا في تصرف عهدكم الميمون، ونعدكم بأن نحمل في عملنا، هذا الزخم الذي شكله انتخابكم في شرايين الوطن، فنسهم في تفعيل روابط لبنان بالعالم، وتعزيز كافة وجوه التبادل الحيوي القائم بينه وبين الدول التي شرفتنا بتمثيلها في لبنان". وختم: "لا يسعني باسم كافة الزملاء، إلا أن أتمنى لكم الصحة والتوفيق في مهامكم الجسيمة، والنجاح بالتعاون مع المؤسستين التشريعية والتنفيذية، في النهوض بلبنان لملاقاة توقعات أبنائه والآمال التي عقدوها على هذه المرحلة التاريخية الجديدة في حياة وطنهم". ورد الرئيس عون مرحبا بالوفد القنصلي مؤكدا على "العمل من اجل استنهاض كافة المؤسسات والقطاعات". وقال: "اننا بحاجة اليوم الى ذهنية جديدة وتغيير عميق كي نعيد بناء الوطن. واي وطن لا يستقيم من دون قيم، ومن دون الشعور مع الآخر والانتباه الى مختلف طبقات الشعب. من هنا، على كل فرد في المجتمع ان يشعر مع الغير ويساهم في بناء الوطن، مباشرة او من خلال بناء الدولة بطريقة سليمة والانتظام حسب القوانين والقواعد المرعية". وعبر عون عن سعادته بالتزام الجميع "العمل لبناء الوطن واسترداد ما خسرناه في سنتي الفراغ المنصرمتين وما قبلهما. من هذا المنطلق، فإن الجدية التي نتعاطى بها هي اساس الاستنهاض الاقتصادي وترسيخ استقلالية لبنان وعدم الاتكال على الخارج، لأنه لم يعد بمقدور احد ان يساعد احدا اليوم، وعلى كل طرف ان يساعد ذاته". واضاف: "نحن جزء من منطقة، وعلينا ان نرى محيطنا وبيئتنا. نحن مشرقيون وحياتنا هنا، وهي لم تعد غربا ولم تعد شرقا، لا جنوبا ولا شمالا. الا ان ذلك لا يعني القطيعة مع الآخر، فالتبادل ضروري ولكن مركزيتنا هنا، وكافة جهودنا يجب ان تنصب هنا. نحن لا نريد ان نكون سكانا في لبنان - وهذا ما ارغب ان تتذكروه دوما -، نحن مواطنون، لدينا واجبات تجاه وطننا ومجتمعنا، ولسنا مجرد سكان نوضب حقائبنا ونرحل في اي وقت. ان الوطن يتطلب منا احيانا تضحيات مادية، وهناك مؤسسات دفعت دما من حياة ابنائها كالجيش والمؤسسات الامنية، لصون لبنان. والمجتمع المدني ايضا مثلما له الحق في ان يطالب بحقوقه، فإن عليه واجبات تجاه هذه المؤسسات. واتمنى ان تساهموا فيها وان تنقلوا الى الدول التي تتعاطون معها، الرسائل التي نبعث بها الى العالم اجمع". وكان الرئيس عون استقبل وفدا من "اللقاء الديموقراطي" ضم النواب السادة: وائل بو فاعور وغازي العريضي وأكرم شهيب وعلاء الدين ترو وهنري حلو، الذين نقلوا اليه بتكليف من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، وجهة نظر اللقاء والحزب في ما خص الاتصالات الجارية للاتفاق على قانون انتخابي جديد". بعد اللقاء، تحدث النائب العريضي باسم الوفد وقال:" كان لقاء ممتازا مع فخامة الرئيس كوفد للقاء الديموقراطي موفدا من قبل رئيس اللقاء وليد بك وتداولنا بموضوع قانون الانتخابات، حيث أبدينا رأينا بصراحة ووضوح وأستطيع قوله بشجاعة أمام كل القوى السياسية والرأي العام اللبناني. وكان لا بد من أن نقف عند رأي وخاطر فخامة الرئيس الذي أكدنا أمامه أن ثمة تلازما بين موقفه المعلن منذ وقت طويل وموقعه الآن وما يريد من خلاله لناحية حفظ أمانة استقرار البلد ومتابعة ومعالجة مشاكل وهواجس كل اللبنانيين". اضاف: "إن ما كان يعلنه فخامة الرئيس من خلال مواقفه لناحية الحرص على الجميع وعلى صحة التمثيل والاستقرار في البلد وتطويره والذهاب نحو صيغة من قلب الطائف الى ممارسة سياسية تؤكد الانتماء الوطني الحقيقي في البلد، هو موضع متابعة وسهر من قبله الآن في موقعه كرئيس للجمهورية. وهذا هو موقفنا وحلمنا التاريخي الذي كان يقوده الشهيد كمال جنبلاط وقدمنا من أجله الكثير من التضحيات، وهذا ما نريده من أجل حماية البلد وتطوير نظامه السياسي. وكنا واضحين في موضوع قانون الانتخابات أننا نريد مناقشة هذا الامر على قاعدة المعايير الواحدة. فإذا كان المعيار وطنيا ينسجم مع الشعارات التي تطرح من قبل قوى سياسية كثيرة في البلد لعمل وطني وممارسة وطنية وتطوير الصيغة السياسية في البلد، فنحن أهل هذا المشروع ونريده. ولكن ما يعلن لا يتوافق مع الذي يمارس، بمعنى أننا لا يمكن أن نتحدث عن مشروع وطني ونذهب الى ممارسات فئوية، ولا يمكن أن نتحدث عن مشروع وطني ونذهب الى ممارسات مذهبية او طائفية او شخصية أو مصلحية او تحالفات طائفية او مذهبية، ولا يمكن أن نتحدث عن مشروع وطني ونرى التسيب والترهل والفئوية والفساد في الادارة اللبنانية، والقوى التي تتحدث عن هذا الامر هي معنية بها". وأكد أن "المشروع الوطني له خطاب وطني وممارسة وطنية، فلا يمكن أن يقال الى طوائف في البلد، ممنوع على ممثليكم أن يكونوا في هذه الادارة او تلك او في هذا الموقع او ذاك، وفي الوقت نفسه نتحدث عن مشروع وطني ومساواة بين اللبنانيين. فهذا أمر متناقض تماما، وأعتقد أن كثيرين في البلد يشاركوننا الرأي، وقد حصل هذا الامر بشكل واضح في تجربة تشكيل الحكومة الاخيرة وشكا منه كثيرون غير الحزب التقدمي الاشتراكي". وقال: "إذا كان المعيار معيار طوائف وصحة تمثيل، فنحن نتمنى أن يؤخذ بعين الاعتبار رأي الطائفة الدرزية الكريمة في البلد، التي تؤكد وتصر على الشراكة والتنوع في الجبل وفي لبنان إنطلاقا من المصالحة التاريخية الكبرى التي عقدناها مع شركائنا في الجبل برعاية غبطة البطريرك صفير، ثم تم تكريسها برعاية غبطة البطريرك الراعي وبشراكة مع القوى السياسية وعلى رأسها العماد عون، واليوم هو رئيس للجمهورية. فنحن نريد من هذه الشراكة أن تستمر، ونريد لهذا التنوع الحماية الكاملة في البلد. فلنتعاون جميعا مع بعضنا البعض ليبقى لبنان البلد الفريد المتنوع والمميز بهذه النكهة من التنوع الذي نتحدث عنه، ولكن في النهاية، ووفقا لحسابات الطوائف، فإن هذه الطائفة هي كباقي الطوائف، موجودة ونحن لا نطلب شيئا من أحد لا يريده لنفسه. ونقول لجميع إخواننا وشركائنا، إسمحوا لنا أن نطبق كل ما يطرح من شعارات على أنفسنا، وساعدونا في تطبيقها من قبلكم وأنتم ترفعونها على أنفسنا وعلى أنفسكم". ورأى أنه "اذا كانت المسألة، مسألة تمثيل طوائف، فعلى الجميع أن ينتبه، أن للطائفة الدرزية الكريمة في البلد ثمانية نواب. ومع كل التقدير والاحترام للناخبين من مختلف الطوائف ولرموز الطوائف وللشراكة وللتحالفات والصداقات، إسمحوا لهذه الطائفة أن تقول رأيها. فبداية نقاش هذه الطائفة ونهايته محكوم بأمر ليس موجودا في أي طائفة من الطوائف الاخرى. فمن اصل ثمانية نواب، هناك أربعة، لا ينتخبهم أبناء الطائفة الدرزية الكريمة. ففي أي مشروع قانون من القوانين الانتخابية، الاكثري او النسبي، هناك خمسون بالمئة خارج إطار قدرة الطائفة الدرزية على أن تختار ممثليها. وفي منطقة الشوف وعاليه، حيث الحضور التاريخي لهذه الطائفة، بالجغرافيا والديموغرافيا والسياسة مع شركائها، و في مسألة الشراكة أيضا. فإذا قلنا خذوا بعين الاعتبار هذه المنطقة، "وخذونا بحلمكم بهذا التفكير وفقا لحسابات الطوائف"، فنحن لا نحتكر شيئا لأنفسنا، بل نطبق على أنفسنا ما يطبقه الآخرون، طبعا من دون أن نلغي أنفسنا. ونحن نمارس الشراكة قبل مناقشة قانون الانتخابات. فعندما فزنا في الانتخابات في بعبدا، طبقنا الشراكة، وكنا ضمن لوائح مع قوى سياسية خضنا في السابق حربا ضدها". وأكد أن "التمثيل السياسي في عاليه هو موجود، والاكثرية هي للحزب الاشتراكي او لأبناء الطائفة الدرزية الكريمة. وفي الشوف هناك شراكة كاملة مع قوى سياسية، من حزب الوطنيين الاحرار والكتائب والقوات اللبنانية. فنحن منفتحون على النقاش وعلى الممارسة. وشرحنا كل هذا الامر بوضوح أمام فخامة الرئيس ووضعنا هذه الامانة بين أيدي فخامته، وقد سمعنا منه كلاما حريصا على الوقوف عند هذه المسألة وإيجاد المعالجات الجدية لها". واستقبل الرئيس عون، الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الآباتي نعمة الله الهاشم على رأس وفد ضمن أعضاء مجلس المدبرين ورؤساء الاديرة ووكلاء المدارس التابعة للرهبانية. وتحدث خلال اللقاء الآباتي الهاشم الذي نقل تحية الرهبانية الى"من يحمل كل لبنان في وجدانه تاريخا وجغرافيا وثقافة عيش. فقد كان لافتا يا فخامة الرئيس ذكركم لضرورة العناية بالاطراف في خطابكم. فعبرتم بذلك عن أن قلبكم يحضن لبنان بكامله، انتم الذين يشهد لكم تاريخكم على قلب محب للبنان وعنيد في الدفاع عنه وفي تحقيق كل من يساهم في نموه". وقال: "لقد خلق الله لبنان وطنا جميلا في طبيعته وجعله وطن الخير والجمال. أبدعه وطن الحق وجعله قبل أي أمر آخر وطن الحرية والاحرار. هي رسالة لبنان الإلهية ان يكون وطن الحق ووطن الحرية. هي هذه الرسالة التي تحملونها في وجدانكم ايضا، يا فخامة الرئيس، وهذا بالذات ما تعكسه الآية الانجيلية التي تزين منبر الكلام في منزلكم في الرابية "الحق يحرركم". كلنا إيمان ورجاء بأن عملكم على رأس الجمهورية سوف يساهم في تحقيق هذه الرسالة الإلهية المنوطة بلبنان، رسالة الحق والحرية". اضاف: "أتيناكم اليوم، يا فخامة الرئيس تحديدا في الذكرى السنوية الاولى للقاء التاريخي في معراب، وقد شرفتم الرهبانية يومها بزيارة جامعة الروح القدس في الكسليك، مباشرة بعد زيارة معراب. لقد تممتم يومها مصالحة عكست ما يزخر به شخصكم من قيم إنسانية ومسيحية، ولا شك في أن انتخابكم رئيسا للجمهورية هو المدخل الى المصالحة اللبنانية الشاملة". وختم: "تهديكم الرهبانية اليوم اغلى ما عندها، صلاة ابنائها وذخائر قديسيها: شربل ورفقا ونعمة الله وإسطفان، الذين تقدسوا في هذه الارض الطيبة، طالبة شفاعتهم وحمايتهم لفخامتكم، ولكي يكون لبنان في ايامكم قطعة سما، تصل منها رسالة السماء الى الارض، فتجيب الارض إيجابا تحقيقا للحق وللحرية". ورد الرئيس عون مرحبا بالوفد مؤكدا "الحاجة الى بذل جهود كبيرة للمحافظة على الارض والهوية وللتشبث بهما"، وقال: "على كل رجل وامرأة وطفل ان يعلم ان الهجرة هي "تصحير" للأرض التي تصبح بسببها مشاعا من دون سكان، ويصبح الانسان عندئذ لاجئا خارج وطنه وارضه ويفقد هويته ويتحول الى غصن يابس مقطوع من شجرة لأنه اضحى من دون جذور. هذا هو الهاجس الذي يراودنا يوميا ونعمل بكل جهدنا كي نحافظ على هذه الخميرة على كافة الاراضي اللبنانية". واضاف:" نحن نناضل اليوم كي لا يترك احد ارضه، وهذه هي الفسحة التي نستطيع التحرك فيها بحرية مطلقة ضميريا ودينيا". وتابع عون: "علينا، بعد التجارب التي نعيشها في الشرق الاوسط منذ خمس سنوات، ان نتجدد كي نتمكن من متابعة المرحلة التي ستأتي في ما بعد لنجري عملية إعادة نظر إيجابية لكل شيء". وأكد" أن لبنان هو نموذج الحياة للمجتمعات المستقبلية. فالآحادية سقطت امام الديموقراطية في السياسة، واصبح هناك اختلاط قوي بين مختلف الآراء وتعايش بين مختلف الاديان، وهذا ما يجب ان نحافظ عليه". وختم: "ان تاريخنا مشرف وثقافتنا كونية. ونحن مضيافون وانسانيون ونمثل عقل الشرق وقلب الغرب ونجمع الاثنين معا بحكم وجودنا واختلاطنا بالثقافات والحضارات التي مرت على ارضنا"، داعيا الى "ضرورة المحافظة على ثقافتنا وارضنا وقيمنا، فقوتنا تأتي من ذاتنا ومن الداخل". الى هذا أكد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ان الانتخابات النيابية ستحصل في موعدها وفق قانون يتوافق عليه اللبنانيون، داعياً اللبنانيين الى اختيار نواب على انسجام مع بعضهم البعض ليتمكنوا من تحقيق الانجازات التشريعية والرقابية التي تهم جميع اللبنانيين معتبراً أنه في الاتحاد قوة. وكشف الرئيس عون ان العمل بدأ لإقرار تعيينات وتشكيلات وتغييرات في الادارات والمؤسسات العامة بهدف تجديد الدم ومكافحة الفساد، وهذا الامر لا يهدف الى النيل من احد بل انقاذ الدولة من الهريان الذي اصاب بعض مفاصلها وشرايينها. كلام الرئيس عون جاء خلال استقباله في قصر بعبدا وفداً ضم رؤساء البلديات والمخاتير في قضاء كسروان الفتوح، بحضور العميد المتقاعد شامل روكز. وتحدث باسم الوفد رئيس الاتحاد رئيس بلدية جونيه الشيخ جوان حبيش الذي حيّا الرئيس عون، معاهدا ايّاه باسم ابناء المنطقة البقاء الى جانبه، ومعربا عن ثقته بأن تنال كسروان- الفتوح في عهده حقها في المواطنة، وهذا يعني الحق في الانماء المتوازن المنقطع عنها منذ عقود. وعدّد حبيش ابرز مطالب بلديات المنطقة، طالبا دعم رئيس الجمهورية من اجل تحقيقها، وابرزها في البنى التحتية من طرقات وكهرباء ومياه، وشبكات صرف صحي، ونقل عام، وفي التعليم من مدارس رسمية لائقة وفروع للجامعة اللبنانية، وفي الاستشفاء، وفي تسهيل نشوء المشاريع الانمائية وتطويرها، وفي الاتصالات، اضافة الى تأمين حقوق المخاتير وملء الشواغر من ذوي الكفاءات من ابناء المنطقة، الى جانب تحديث الادارات والمباني التابعة لها، ودعم انشاء محافظة كسروان-جبيل. وختم بالتأكيد انّ ثقة ابناء المنطقة بكم من دون حدود، لبناء لبنان وطن العدالة والكرامة لجميع ابنائه. وردّ الرئيس عون بكلمة عرض فيها لأهمية المشاريع المنوي تنفيذها في منطقة كسروان الفتوح وفي كافة المناطق اللبنانية، وقال: سنتابع مسيرة الاصلاح، ومكافحة الفساد وضبط الانفاق ووقف صرف بعض الموازنات في غير محلها من دون ان يتحمل احد مسؤولية ذلك. وبعدما اشار الى أهمية إجراء الانتخابات النيابية في موعدها قال: لقد اسسنا الاحزاب التي تنشئ كتلاً قوية وتقوم بإنجازات. فالنائب لوحده ليس لديه القدرة على التخطيط او فرض تخطيط معين، لذلك نشجع الاقتراع للأحزاب وليس للأفراد، لأنهم قوة ضائعة وغير فاعلة ضمن مجلس النواب. ولفت الى أن منطقة كسروان الفتوح ستصبح اول قضاء نموذجيا للامركزية معالجة النفايات، مشيراً الى أن الاموال التي هدرت في عمل بعض البلديات كانت بإمكانها ان تحقق الكثير من الانجازات. الى ذلك، استقبل الرئيس عون وزير الدولة لشؤون مكافحة الفساد نقولا تويني والوزير السابق فادي عبود والسيد روبير سرسق حيث تطرق البحث الى الطرق الواجب اتباعها لمكافحة الفساد وذلك بهدف تحقيق الغاية من استحداث وزارة دولة لشؤون مكافحة الفساد. واستقبل الرئيس عون رئيس الكنيسة المتحدة في اوستراليا القس ستيورت ماكميلان في حضور السفير الاوسترالي في بيروت غلين مايلز، ورئيس الكنائس الشرقية في اوستراليا القس غابي قبرصي، ووفدا من الطائفة الانجيلية في لبنان ورئيس جامعة هايكازيان القس الدكتور بول هايروستيان. وأعرب القس ماكميلان عن سعادته لزيارة الرئيس عون مشيراً الى أن زيارته والوفد المرافق للبنان هدفها التعبير عن تضامن ابناء الكنيسة المتحدة في اوستراليا مع الشعب اللبناني والتأكيد على أهمية العيش بتناغم بين المسيحيين والمسلمين في لبنان والعمل سوياً في خدمة الوطن. وشكر الرئيس عون القس ماكميلان على زيارته، وعلى التضامن الذي ابداه مع الشعب اللبناني المتنوع مذهبياً وطائفياً وهو اشبه بالفسيفساء التي تتجسد فيها كل الوان الاطياف الدينية. وعرض رئيس الجمهورية لواقع المسيحيين في الشرق في ضوء الهجرة المتزايدة الى عدد من الدول، لافتاً الى أن لبنان ينعم بالاستقرار بين جميع طوائفه لأننا نشرنا روح الاعتدال بين الجميع واستطعنا ان نبقى موحدين، كما شكره على الدعم الذي تقدمه الكنيسة المتحدة في اوستراليا وحمّله والوفد المرافق تحياته الى الجالية اللبنانية هناك والى الشعب الاوسترالي الصديق. واستقبل الرئيس عون رئيس جامعة القديس يوسف الاب البرفسور سليم دكاش اليسوعي الذي القى كلمة هنأ فيها رئيس الجمهورية على كل هذه الانجازات التي تحققت لخير هذا الوطن وأبنائه، ما زاد عزيمتنا على إكمال رسالتنا وكذلك الامل بأن يستعيد لبنان قوته ودوره المميز على أرض الشرق وابعد. وأكد أن جامعة القديس يوسف تضع إمكاناتها التثقيفية المتطورة وكذلك خبرتها في النظام الانتخابي بين أيديكم وفي خدمة لبنان هذا الذي هو أكبر من وطن إذ هو وطن الرسالة رسالة الحرية ونموذج التعددية الصحيح للشرق كما للغرب كما قال وأكد عليه أحد البابوات الكبار الذي عشق لبنان وشعبه. ومن قراءتنا لتاريخكم، صاحب الفخامة، وكذلك من خلال متابعتنا لخطواتكم الاولى، نشد على أيديكم بما تهدون اليه من تعزيز الانتماء الوطني والوعي السياسي والاجتماعي -ونعلم أن لنا دوراً في ذلك- وفي تدعيم ركائز عيشنا المشترك وكذلك في محاربة الفساد الذي من اولى آثاره أنه يخرّب الدولة والاخلاق، وكذلك في تعزيز النهوض الاقتصادي والاجتماعي خصوصاً عبر خلق فرص العمل للخريجين من جامعاتنا اللبنانية بحيث يبنون هذا الوطن قبل بناء الاوطان الاخرى وعبر توجيه الاقتصاد نحو خدمة اللبنانيين الاشد عوزاً. وردّ رئيس الجمهورية مرّحبا بالوفد، وشدد على اهمية دور جامعة القديس يوسف في بناء لبنان ومستواه التعليمي والثقافي الذي ميّزه، ملاحظا وجود نوع من الاعتكاف لدى الشباب اللبناني للمشاركة في الحياة العامة حيث ان الحلم بات يقتصر على الهجرة، التي هي من مراحل الانحطاط، لأنها تجعلنا نفقد دور لبنان الذي هو قلب الغرب وعقل الشرق. ودعا الرئيس عون الى وجوب اعادة ايقاظ الحس الوطني اضافة الى مضاعفة الثقافة السياسية لدى الشباب الجامعي، لأن المال افسد الحياة السياسية وساهم بالتالي في مضاعفة درجة الاعتكاف، حيث لم يعد باستطاعة الشاب المثقف المساهمة في الحياة السياسية والمشاركة فيها، كون هذه الحياة باتت تُشرى وتُباع، وتُكتسب بالمال. واكد الاتكال على الجامعات في كافة حقول اختصاصاتها من اجل العودة الى القيم، داعيا ايضا العالم الجامعي الى تقوية الاخلاقيات، وهي ارقى واسمى من القوانين، الى جانب البرامج الاكاديمية وذلك من اجل تقوية الرادع الضميري لدى المواطنين. واستقبل الرئيس عون مجلس الفكر برئاسة الدكتورة كلوديا ابي نادر التي القت كلمة أكدت فيها ان أعضاء المجلس يقفون الى جانب العهد جنوداً في مسيرة الاصلاح والتغيير والبناء وهي مسيرة صعبة وشاقة، وقالت: أتينا من عدة مناطق، علماً أن مجلس الفكر انطلق من البترون، ومؤسسه حنينا ابي نادر، كما نحن جميعاً، يؤمن أن الثقافة قادرة على إجتراح المعجزات وطنياً واجتماعياً وحتى سياسياً. ونوّهت بإنجازات وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل. وردّ الرئيس عون مرحباً ومهنئاً الوفد على عمله في الميدان الفكري والثقافي مشيراً الى ان مشكلاتنا في مجتمعنا اليوم متعددة لأننا لم ننطلق في بناء الوطن وتربية المواطن كما يجب. إذ علينا تعريف المواطن على معنى الوطن عبر اسلوب الحياة بأبعاده الثلاثة، التربية والتعليم والثقافة التي تعتبر اساسا، لأن نشرها يساهم في ترقية المجتمع والاعلاء من شأنه. واشار الى أن العالم شهد إنتقالاً لكل القيم والمفاهيم باتجاه المال والمادة، داعياً الى إجراء عملية إصلاح من اجل العودة الى الفكر الصحيح. فالمال هو وسيلة للتعاطي مع الحاجة، ولا يجب أن يتحول الى المعبود، وقد خسر مجتمعنا الكثير من قيمه جرّاء هذا التحول وأصبحت الحياة السهلة والسطحية هي الاساس. واستقبل رئيس الجمهورية وفد مكتب راعوية الشبيبة في الدوائر البطريركية المارونية، ضم المعاون البطريركي المشرف على الدوائر البطريركية المطران جوزف نفّاع، ومنسق مكتب راعوية الشبيبة الخوري توفيق بو هدير مع منسقي واعضاء لجان العمل فيه من مكرّسين وعلمانيين، فضلاً عن مرشدي ومسؤولي لجان الشبيبة في الابرشيات المارونية. وقدّم الوفد للرئيس عون التهنئة والمعايدة، واطلعه على مشروع الايام العالمية للشبيبة المارونية الصيف المقبل الذي يتولى مكتب الشبيبة التحضير له، كما حمل تحيات البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي. وتمنى المطران نفّاع خلال اللقاء، ان يكون حدث الايام العالمية للشبيبة فرصة لاستعادة الشباب المغترب ثقته وفخره بالانتماء الى بلده الامّ لبنان. والقى الخوري بو هدير كلمة شكر الله فيها على الرجاء الذي اعطاه لشبيبة لبنان مقيمين ومغتربين، بانتخاب الرئيس عون لمستقبل افضل في وطن الرسالة كما قال عنه قداسة البابا القديس يوحنا بولس الثاني، رسالة نموذجية في عالم اليوم المشتعل بالعنف والحروب. وعرض رسالة مكتب راعوية الشبيبة وانجازاته وتطلعاته، وقدّم شرحاً مفصلاً لمشروع الايام العالمية للشبيبة المارونية. ورد الرئيس عون مرحباً بالوفد، معتبراً ان الشباب هم الامل لمستقبل لبنان وانه يعمل من اجل ان يكون للجيل الشاب ثقة بالوطن. وقال رئيس الجمهورية: عهدي لكم ولجميع اللبنانيين ان اعمل كي يعود لبنان افضل مما كان، ولن ندّخر اي جهد في سبيل ذلك. نحن نحضّر الارض، وعلكيم انتم الشباب مسؤولية متابعة التنفيذ والمحافظة على رسالة لبنان في محيطه والعالم. نحن لدينا الخبرة والعقل وانتم لديكم السواعد ومعاً سوف نعمّر لبنان. وقدّم الوفد درعاً تذكارية للرئيس عون، ثم جال اعضاء الوفد في ارجاء القصر وقاعاته ومكاتبه.