أحمد بن عبد الله الفلاحي .. كاتباً وأديباً


    

احمدعبدالله الفلاحى وطه حسين

بقلم : عبد الله العليان : أهتم الأستاذ أحمد بن عبد الله الفلاحي بدور الثقافة والمثقف في عصرنا الراهن، باعتبار أن الثقافة تدل على الرقي الفكري والأدبي، وبما هي حصيلة الخبرات والتجارب والمعارف والسلوك في حياة المجتمعات، وقد طرح الأستاذ أحمد الفلاحي، في الباب الأول من كتابه [حول الثقافة] الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي بيروت، (في الثقافة العربية)، ناقش فيها مصطلح الثقافة، وفق التعريفات لبعض المفكرين والباحثين، ويرى أن «الثقافة بمعناها في زماننا تراها الأمم عنوان تحضرها والمظهر الأكمل لمدى رقيها وازدهارها وتطورها فبقدر ما تسود الثقافة وتعلو وتتعدد صورها وأشكالها يكون ذلك برهاناً لرسوخ المدنية والتقدم الإنساني في تلك الدولة كما نرى في فرنسا واليابان والسويد وكثير من الدول المتحضرة. كلما سمت الدولة في التطور سمت ثقافتها وازداد اهتمامها بمثقفيها ومبدعيها واتسعت رعايتها وتعمقت فيها جوانب الفكر والثقافة». وفي تقديري ـ كما يقول الأستاذ أحمد الفلاحي ـ «أن اشكاليتنا الكبرى في ثقافتنا العربية تتمثل في المقام الأول في نظرة الاسترابة والتوجس التي تنظر بها السياسية الى الثقافة وقلق السياسي من المثقف على الرغم من أن السياسي يمتلك كل شيء ولا يمتلك المثقف سوى قلمه. ثم بعد ذلك تأتي المحددات وما أكثرها في بلاد العرب من المواريث والعادات الاجتماعية التي تشكل عوائق أمام المثقف المبدع تحد من انطلاقته وجرأته في مقاربة الأشياء وملامسة عمقها». وفي عنوان (في شأن الثقافة وأحوالها، تحدث الأستاذ الفلاحي عن التحولات والإرهاصات في الثقافة في عصرنا الراهن، وما أحدثته من تغيرات وسلوكيات في هذه الأجيال، بعد الثورة المعلوماتية الحديثة وتأثيرها الكبير» ولو عدنا إلى شرقنا العربي (وهذا كان يحدث قبل عقدين أو أكثر) وأمتنا العربية لوجدنا صخباً عالياً وجدلاً واسعاً بين اليمين واليسار وتياّرات من سمُّوا بالأصوليين والتراثيين أو من سمُّوا بالحداثيين والعصريين كل يصرخ من جهته ويحذر بطريقته والتيار يزحف بقوة وعنف ويحدث تأثيراته العميقة في الوجدان العربي وفي سلوكياته وتقاليده وقيمه والشباب هم الضحية في المقام الأول يجدون أنفسهم في مهب الإعصار دونما سند أو معين». وفي عنوان (ثقافتنا في مواجهة الأعاصير)، تحدث الأستاذ أحمد الفلاحي عن أهمية الثقافة وأثرها وتأثيرها في حياة الأمم، فقال «إن الثقافة بصورة عامة هي سمة من سمات التحضر لأي أمة من الأمم فكلما ظهر اهتمام الأمة بالثقافة دل ذلك على التمدن والرقي والتحضر وكان ذلك عنوان التقدم وإن تراجعت الثقافة وقل الاهتمام بها كان ذلك انعكاساً لتأخر الأمة وعدم تطورها. موضحا، أن الثقافة وان كانت حالة خاصة تعكس أحوال مجتمع ما ولكنها في جانب آخر حالة ممتدة ومنفتحة على المجتمعات الأخرى». وفي عنوان (ثقافتنا بين الثقافات) والمتعلقة بمسألة الحديث عن الغزو الثقافي يقول الأستاذ/‏‏ الفلاحي: «لست من الذين يقولون بالغزو الثقافي ولا بأن نغلق على أنفسنا الأسوار ونختبئ وراءها ولكنني أدعو إلى تلاقي الثقافات وأن يكون أخذنا من الآخرين مثل عطائنا وأن نتخذ من التدابير ما يجنبنا الوقوع في المأزق وأن تكون لنا وسائلنا المناسبة لحماية ثقافتنا. فعندما تكون سماواتنا مفتوحة لكل قنوات البث في العالم -ويجب أن تكون مفتوحة- ينبغي في موازاتها أن تكون لنا خطتنا الثقافية ومناهجنا الفكرية التي تستطيع بها المنافسة منافسة المواد القادمة». وفي عنوان (المثقف العربي هو المسؤول؟!!!) تحدث أحمد الفلاحي، عن قضية تحميل المثقف مشكلات وأزمات العالم العربي وكوارثها ونكوصها قال «إذا عدنا إلى صيحات الاتهام الموجهة إلى مثقفينا، وتأملنا الحالة وبحثنا في الدواعي والأسباب فلن نجد سبباً واحداً يقنعنا بصحة مثل هذا الاتهام وواقعيته وإنما هي حالة الضعف والانحطاط والتراجع التي تقع الأمة اليوم تحت وطأتها». وفي الباب الثاني من الكتاب والذي عنونه بـ (الثقافة في عمان) يقول الأستاذ/‏‏أحمد الفلاحي في الباب الذي خصصه للثقافة العمانية بمسيرتها وانجازاتها وطموحاتها وما تواجهه الثقافة والمثقف الخ: «في الحديث عن الثقافة ومعطياتها في بلدنا فلا بد من الإشارة إلى بعض المؤسسات التي تقوم بجهود طيبة في الثقافة كل في مجاله وحسب طبيعته وظروفه ومن هذه المؤسسات المديرية العامة للنشاط الثقافي والاجتماعي في هيئة الشباب وهي تقوم بجهود ملحوظة في مجال المسرح والفنون التشكيلية والمسابقات الإبداعية بين شباب الأندية والمحاضرات والأمسيات ورعاية ذوي المواهب العلمية من الشباب وهي جهود طيبة وإن تقاصرت في الآونة الأخيرة وتقلصت عما كانت عليه من قبل ونحن نأمل أن تستطيع هذه الأنشطة استعادة زخمها وفاعليتها وأن تنطلق بخطوات أكبر وتحظى بالدعم والتشجيع الذي كان لها لتواصل خطاها. ومن المؤسسات التي يفترض أن تكون مجالاً حيوياً للثقافة الأندية الشبابية المنتشرة في كل ربوع الوطن ومع الأسف فإن نصيب الثقافة في هذه الأندية قليل للغاية وباهت وإن كانت هناك بعض المحاولات النادرة من هنا وهناك». وفي عنوان (الثقافة في عمان مسيرتها وانجازاتها)،يقول الأستاذ الفلاحي» قبل 1970 كانت هناك ملامح من الثقافة الحديثة تحاول اختراق الجدُر (الجدران) الصماء بإظهار عيدانها اللينة فالقة الأرض الصلبة ساعية لتحدي الأسوار المنيعة تطل ملتمعة بين الفينة البعيدة والأخرى في صحافة بيروت والقاهرة ودمشق وبغداد ومنابر هذه المدن الثقافية من خلال أسماء كمحمد أمين عبد الله وعبد الله الطائي ومحمود الخصيبي وقبلهم الشيخ أبو مسلم الذي نشر في القاهرة في صحيفة ((المؤيد)) في 1909 وفي ((الأهرام)) بعيد ذلك ثم في مجلة ((الكويت)) في وقت لاحق والشيخ سليمان بن ناصر اللمكي الذي نشر في ((الهلال)) القاهرية في 1907 والأقلام التي بزغت أنجمها في زنجبار منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وهي أقلام عدت بالعشرات وما زال الكثير من إبداعاتها ينام في المخازن لم تمتد إليه الأيدي لإبرازه وإظهاره أمامنا وأمام ناشئتنا في بلادنا وفي الوطن العربي كله. ومن أبرز هؤلاء الشيخ هاشل بن راشد المسكري الذي أثرى صحافة عمان المهاجرة في زنجبار بكتاباته وكان له ولزملائه الدور المهم في انبثاق الثقافة الجديدة بتلك الفترة. ولقد كشف صديقنا الباحث الأكاديمي الجاد محسن الكندي عن جانب من ذلك في كتابه القيم الموثق الذي صدر مؤخراً في بيروت عن الصحافة العمانية المهاجرة. تلك كانت الالتماعات الأولى ثم توالت محاولات كسر العزلة حيث نشر عبد لله الطائي في ((الرسالة)) القاهرية تعقيباته على الدكتور زكي مبارك في أربعينات القرن الماضي وتواصلت المحاولات حتى نهاية العقد السادس من ذلك القرن. كان ذلك قبل عام 1970 أما بعد ذلك فقد افتتحت الأسوار وبدأت عناصر الثقافة تبرز وتحاول التشكل وتدافعت أقلام كثيرة تخط سطورها إبداعاً محضاً أو مقترحات وتصورات وتمنيات، ولئن كان ماضينا الفكري والثقافي بهذا الإشراق والتألق ـ كما يؤكد الأستاذ أحمد الفلاحي ـ فإن دورنا اليوم وقد ازدهر الفكر ونمت المعرفة وتطورت المعارف تطوراً مذهلاً يغدو أكبر وأعمق وتصبح مسؤوليتنا في هذا الإطار أعظم وأوسع.. وعلينا أن نزيد من تحاورنا ومناقشاتنا حول أمورنا الثقافية وأن يطرح كل منا وجهة نظره وأفكاره ليثور الجدل ويتواصل الحوار مما يثري التجربة ويعمقها ويزيد من تدفقها. وليس كالحوار وسيلة لتأصيل الفكر وإشعال فتيل الثقافة وتنميتها». وإن ثقافتنا الوطنية -كما يقول- بحاجة ماسة اليوم قبل الغد لمثل هذا الحوار المكثف المتجدد الذي يطرح من خلاله الرؤى وتبلور الأفكار وتقدم الاقتراحات.. ومن هنا فإننا لا نغلو ولا نشتط كثيراً عندما نطالب أن يكون للمثقفين دور في التخطيط والمشاركة لصنع العمل الثقافي ومتابعة تنفيذه وتقويم تأديته من خلال مساهمتهم في اختيار ناديهم لأن دعوة كهذه هدفها الأساسي تطوير الحركة الثقافية وتنشيطها وتحسين نوعها وأدائها عبر تفاعل المثقف والإدارة المسؤولة بالإسهام معها في التخطيط والمعاونة لها في التنفيذ سعياً إلى الجودة والدقة». وفي مقاله المعنون (هل نحن في أزمة ثقافية؟) يقول الفلاحي: هل نحن في أزمة ثقافية؟ -يجيب- «أعتقد أن الجواب نعم.. ولسنا وحدنا فتلك شكوى تعج بها السماوات العربية كلها. الأسباب كثيرة ومتعددة ولا يتسع المجال هنا للحديث عنها وقد أغناها بحثاً وتفصيلاً كثير من الأساتذة الكبار كالدكتور زكي نجيب محمود والدكتور إحسان عباس والدكتور محمد عابد الجابري وعشرات غيرهم من قمم الفكر العربي في المشرق والمغرب وفي المهاجر يستوي في ذلك الأدباء والنقاد والباحثون والفلاسفة والمفكرون وأهل الصحافة وسواهم من ذوي الفكر والثقافة والرأي في كتب كثيرة وفي مقالات وبحوث وحوارات متعددة في ندوات وفي لقاءات إذاعية وتلفزيونية وصحفية. وما أحسب أحداً من المهتمين بالثقافة والمتابعين لشؤونها وشجونها ولم يقرأ عن هذا المشكل أو يلم بما كتب أو قيل فيه. وهو مشكل يعتبر انعكاساً لحال الأمة العربية وواقعها المتردي». ومع اهتمام الأستاذ أحمد الفلاحي الكبير بقضية الأدب والثقافة ودورهما في حياة الأمم والحضارات، لكنه لم ينس جوانب أخرى تتصل بالنفس الإنسانية وحاجياتها الفطرية والطبيعية، كالحب، والحق، والقيم، والمبادئ والفساد والطفولة، والمرأة والأعياد، وغيرها من القضايا في الحياة.. وللحديث صلة.