الكاردينال الراعى ترأس قداس الميلاد فى حضور الرئيس عون : لمصالحة وطنية ومعالجة أخطار مليونى لاجئ ونازح يشكلون عبئاً تنوء تحته الدولة والشعب

الرئيس عون وعقيلته يحضران القداس الميلادى فى بكركى

رئيس الجمهورية : لن تصدموا بوعودنا وسيتم ملء الفراغات بما يلزم

المطران عوده فى قداس الميلاد: لخطاب سياسى يبنى شعباً متماسكاً لا شعوباً طائفية متفرقة

المطران مطر ترأس قداس الميلاد فى بيروت : لتعميق التقارب بين الجميع واجراء مصالحة شاملة وايجاد حلول لتنظيم حياتنا الديموقراطية

رسالة الميلاد ليوحنا العاشر : صلاتنا من أجل سلام سوريا واستقرار لبنان وخير الشرق

بسترس فى قداس الميلاد : لتعنى الحكومة بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية لا ان يقتصر عملها على قانون الانتخاب

      
          
      

قداس الميلاد فى بكركى

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الميلاد على مذبح الباحة الخارجية للصرح - كابيلا القيامة، عاونه فيه المطارنة حنا علوان، بولس الصياح، عاد ابي كرم وسمير مظلوم ولفيف من المطارنة والكهنة، بمشاركة الكاردينال نصرالله بطرس صفير والسفيرالبابوي المونسنيور غابريال كاتشيا، في حضور رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وعقيلته، وزير الثقافة الدكتور غطاس خوري ممثلا رئيس الحكومة سعد الحريري، الرئيسين امين الجميل وميشال سليمان، وزير الخارجية جبران باسيل، وزير الطاقة والمياه سيزار ابي خليل، النواب: جيلبيرت زوين، ابراهيم كنعان، امل ابو زيد، اميل رحمة، غسان مخيبر، فريد الخازن، آلان عون، نعمة الله ابي نصر، حكمت ديب، سيمون ابي رميا، نبيل نقولا ووليد خوري، رئيس مجلس القضاء الاعلى القاض جان فهد، قائمقام كسروان -الفتوح جوزيف منصور، مدير المخابرات العميد الركن كميل ضاهر، قائد الدرك العميد جوزيف الحلو، المدير العام لجهاز أمن الدولة اللواء جورج قرعة، مدير الدفاع المدني العميد ريمون خطار، مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر، رئيس الرابطة المارونية النقيب انطوان اقليموس، رئيس المؤسسة المارونية للانتشار المهندس نعمت افرام، رئيس مؤسسة كهرباء لبنان كمال الحايك، وعدد من الوزراء والنواب السابقين وكبار الموظفين في رئاسة الجمهورية وعدد من رؤساء البلديات والمخاتير والفاعليات السياسية والدينية والعسكرية والديبلوماسية والنقابية والقضائية وعدد من المؤمنين. بعد الانجيل المقدس، ألقى الراعي عظة بعنوان "وأشرق نور مجد الرب حولهم في هجمات الليل"، استهلها بالتوجه الى رئيس الجمهورية بالقول: "فخامة الرئيس، عيد ميلاد الرب يسوع، مخلص العالم وفادي الإنسان، يكتسب هذه السنة رونقا خاصا بانتخابكم رئيسا للجمهورية، وبحضوركم مع السيدة اللبنانية الاولى عقيلتكم، بعد فراغ سنتين وخمسة أشهر، حرمتنا من وجود رئيس في ميلادين. وأتى توافق معظم الكتل السياسية والنيابية على انتخابكم شخصيا لا سواكم، ليقينها أنكم الأفضل والأنسب لتوطيد دولة القانون والمؤسسات، ولتحقيق الوفاق الشامل وشد أواصر الوحدة الوطنية التي تشمل جميع الأفرقاء. هذا ما ينتظره الشعب اللبناني المدرك أن لبنان لا يستطيع النهوض، على كل المستويات، إلا بتضافر قوى الجميع. وقد ازداد هذا الرونق بتشكيل الحكومة الجديدة الجامعة، التي تعكس كل مكونات البلاد، وهذا دليل على أن لبنان أرض التعددية والحوار. وإنا نأمل أن يتمكن عهدكم، في قلب النزاعات الدينية والمذهبية والخوف المتبادل في الشرق والغرب، من اعتماد منظمة الأمم المتحدة "لبنان مقرا دوليا للحوار بين الأديان والثقافات والحضارات والإتنيات". أضاف: "يسعدني وسيادة السفير البابوي وإخواني السادة المطارنة، أن أهنئكم بالأعياد الميلادية المجيدة، وصاحبي الفخامة رئيسي الجمهورية السابقين الشيخ أمين الجميل والعماد ميشال سليمان وأصحاب المعالي والسعادة الوزراء والنواب وسائر الشخصيات الرسمية الحاضرة معنا، والإخوة والأخوات جميعا. ومعكم نهنئ كل الشعب اللبناني، المقيم والمنتشر، ملتمسين من الطفل الإلهي أن يشع بأنواره على الجميع كي نتمكن من تبديد الظلمات التي تكتنف الوطن وحياة شعبنا من كل صوب، مثلما "أشرق نور مجد الرب حول رعاة بيت لحم وبدد ظلمات الليل" (لو2: 8-9).

رئيس الجمهورية فى مقدمة المشاركين فى القداس

وتابع: "ميلاد المخلص يفعل في العالم مثل النور الذي يلج الظلمة ويبددها مهما كانت كثيفة. ووجود الرب وسط شعبه يمحو ثقل الانكسار واليأس والقلق، وينشر الفرح والبهجة. عن نور الفادي الإلهي تنبأ آشعيا منذ سبعماية سنة قبل الميلاد: "الشعب السالك في الظلمة أبصر نورا عظيما. والسالكون في ظلال الموت أشرق عليهم نور" (أش60: 1). لا تستطيع الكنيسة، ولا أحد أيضا، الظن أنها تشع بنورها الذاتي. بل تشع بنور المسيح كالقمر الذي لا يضيء من ذاته، بل يعكس نور الشمس. كل مسيحي مدعو، في أية حالة كان أو موقع في الكنيسة أو المجتمع أو الدولة، أن يعكس نور المسيح، نور الحقيقة والعدالة والمحبة والحرية، ويقشع كل أنواع الظلمات.وهذا مطلوب بنوع خاص من كل مسؤول. المسيح هو النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى العالم على ما يكتب يوحنا في إنجيله (يو1: 9). فبمقدار ما نبقى متأصلين فيه، وبمقدار ما نستنير بنوره، بقدر ذلك نبلغ إلى إنارة حياة الأشخاص والشعوب من حولنا". وقال: "استنار الرعاة، الفقراء والبسطاء والمتواضعون والمهمشون، بنور الطفل الإلهي، فجاؤوا واستناروا وأناروا المجتمع بالخبر المفرح الذي انتشر حتى بلغ في أيامنا المسكونة كلها. واستنار المجوس الثلاثة، رجال الغنى والعلم والحضارة المغايرة، بالنجم المميز الذي عكس أمامهم نور الملك الجديد المولود في بلاد اليهودية، وساروا إليه من بلد بعيد. فرأوا الطفل-النور، وترجموا رؤياهم بثلاث هدايا نبوية عن شخصية من يجهلون أنه المسيح: الذهب للملك، والبخور للكاهن، والمر للفادي. وعادوا إلى بلادهم حاملين البشرى، وهم يعكسون نور هذه الحقيقة". أضاف: "فخامة الرئيس، ظلمات كثيفة تكتنف الشعب والوطن. إن عهدكم، مع معاونيكم فيالمجلس النيابي والحكومة والمؤسسات العامة، ينتظر أن يكون عهد الاستنارة من أجل تبديد الظلمات عن الوطن والاقتصاد والأمن الاجتماعي. فالوطن بحاجة إلى مصالحة وطنية شاملة تشدد عراه بروح الشركة والمحبة، فتزول معه ظلمة الخلافات والنزاعات على حساب الخير العام. والاقتصاد بحاجة إلى إصلاح ونهوض في كل قطاعاته الإنتاجية بحيث يسير نحو توطيد دولة الإنماء والنهوض الاقتصادي، من أجل إخراج الشعب من ظلمة الفقر، والمجتمع من ظلمة التقهقر. ولا بد من تبديد ظلمات: الفساد المستشري، وفساد البيئة الطبيعية والاجتماعية، والتهرب الضريبي، والهدر والتوظيف العشوائي المذهبي والسياسي، والنفقات غير المنضبطة، والمشاريع المكشوفة سقوفها وسواها من الظلمات. والأمن الاجتماعي بحاجة إلى معالجة أخطار المليوني لاجئ ونازح. فهم مع تضامننا الإنساني معهم ومع قضيتهم، يهددون الاستقرار الداخلي، وينتزعون لقمة العيش من فم اللبنانيين، ويعرضون نفوسهم للاستغلال السياسي والمذهبي والإرهابي، ويشكلون عبئا ثقيلا تنوء تحته الدولة والشعب. فلا بد من العمل الجدي السريع، مع الأسرة الدولية، على إعادتهم إلى أرض وطنهم، وتوجيه جميع المساعدات إليهم هناك، لكي يتمكنوا من إعادة بناء بيوتهم، واستعادة حقوقهم وكرامتهم كمواطنين". وختم الراعي: "فخامة الرئيس، أيها الإخوة والأخوات، الرعاة والمجوس خرجوا من مكانهم ومشوا ورأوا نور المسيح فاستناروا وأناروا. نحن أيضا بحاجة لأن نخرج من ذواتنا ودائرة تفكيرنا ومصالحنا الذاتية ونظرتنا الضيقة، ونمشي لكي نرى ظلمات البؤس والاحتياجات عند شعبنا، فنعمل على تبديدها، ونرى كل ما هو جميل وخير، فنشجعه ليصبح أكثر إشعاعا. وإذ نخشع معا أمام الطفل الإلهي، المشع بأنوار محبة الله وسمو التواضع وكمال التجرد، نسأله أن يدخلنا في رحاب هذه الأنوار، لكي نعكسها في العائلة والكنيسة، وفي المجتمع والدولة. وبهذا الدعاء نقدم لكم أخلص التهاني والتمنيات بالأعياد الميلادية المجيدة. ولد المسيح! هللويا!" هذا ووعد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، في اعقاب خلوة عقدها مع البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في بكركي قبيل القداس الميلادي، "بالعمل بكل جهد لتكون السنة الجديدة سنة خير وسلام"، مؤكدا انه "سيتم ملء الفراغات التي سجلت في الانجازات والسلطة بما يلزم ان تملأ به لتكون مفخرة لكل اللبنانيين". وكان عون وصل الى الصرح البطريركي عند التاسعة والدقيقة العشرين، واستقبله الراعي والكاردينال مار نصرالله بطرس صفير.

لمتروبوليت الياس عودة

وبعد التقاط الصور في صالون الاستقبال الكبير رحب البطريرك بزيارة الرئيس، لافتا الى "الارتياح الذي عم لبنان بعد تشكيل الحكومة الجديدة وما ينتظره اللبنانيون من انجازات". وقال عون انه "سيكون العمل الحكومي على خطى سريعة غير متسرعة ومدروسة لتكون على ما يتمناه اللبنانيون". بعد ذلك، توجه والراعي الى المكتب المحاذي للصالون حيث عقدا خلوة استمرت نحو عشرين دقيقة عرضا خلالها للمستجدات المحلية بعد اقرار مجلس الوزراء البيان الوزاري، بالاضافة الى التطورات الاقليمية. وبعد الخلوة، عايد رئيس الجمهورية الصحافيين المتواجدين في الصرح، متمنيا ان يعيد الله عليهم، وعلى لبنان، عيد الميلاد المجيد والسنة الجديدة بالخير والسلام. وقال: "اننا في هذه المناسبة نعدكم بأننا سنعمل بكل جهدنا لتكون سنة خير وسلام. ان الوعود كثيرة وكذلك هي الانتظارات، وان شاء الله لن تصدموا بأي من هذه الوعود، لاننا سنعمل بجد وجهد لكي نحقق هذه الامنيات والانتظارات التي يحتاجها لبنان"، لافتا الى ان "ثمة فراغات كثيرة سجلت بكل ما للكلمة من معنى في المدة الطويلة الاخيرة وحتى يومنا هذا". وقال: "ان شاء الله سيتم ملء هذه الفراغات في الانجازات وفي السلطة بما يلزم ان تملأ به، من اشخاص، وصفات الكفاءة والادمية، وان تكون التقنيات سليمة ويتم احترام الوقت لتكون مفخرة لكل اللبنانيين". وردا على سؤال عن العيد الذي سيصدر قانون الانتخاب فيه، أجاب: "في عيد الانتخابات".

المطران بولس مطر - رئيس اساقفة بيروت

ثم انتقل الرئيس عون والسيدة الاولى ناديا الشامي عون التي كانت وصلت الى الصرح البطريركي عند التاسعة والدقيقة الخامسة والعشرين الى كنيسة السيدة في بكركي حيث حضرا قداس الميلاد الذي ترأسه الراعي وعاونه فيه لفيف من الكهنة، بحضور رئيسي الجمهورية السابقين امين الجميل وميشال سليمان ونائب رئيس مجلس النواب السابق ايلي الفرزلي، والوزراء جبران باسيل وغطاس خوري وسيزار ابي خليل وعدد من الوزراء والنواب الحاليين والسابقين والسفير البابوي في لبنان المونسنيور غبريال كاتشيا وعدد من القادة الامنيين والعسكريين وكبار الموظفين من مدنيين وعسكريين وكبار القضاة وفاعليات سياسية واقتصادية واجتماعية ورجال دين وعدد من المؤمنين. بعد القداس انتقل عون والراعي الى صالون الاستقبال الكبير حيث تقبلا التهاني بالعيد، قبل ان يغادر رئيس الجمهورية الصرح البطريركي. وترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة قداس الميلاد في كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت. بعد قراءة الإنجيل المقدس ألقى عودة عظة جاء فيها: "المسيح ولد فمجدوه، نحن نعيد اليوم لذكرى ميلاد ربنا وإلهنا يسوع المسيح الإله من الإله كما نقول في دستور الإيمان ابن الله المولود وغير المخلوق المساوي للآب في الجوهر الذي أخلى ذاته آخذا صورة عبد وولد من العذراء الطاهرة تعبيرا عن محبته العظمى ليخلص الإنسان".

المطران كيرلس بسترس

أضاف: "الله محبة، وولادته في الجسد هي تعبير خالص عن محبته للانسان، أما موته على الصليب فداء لنا وقيامته في اليوم الثالث فالتعبير الأقصى للمحبة. إذ كما قال الإنجيلي يوحنا "ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه" (15 13). فهم تدبير الله الخلاصي يفوق عقل الإنسان. المسيح ولد لكي يموت عنا. الإله تجسد لكي يفتدي البشر، الخليقة العاقة التي عصت أوامر الله فنزل من علياء مجده ليخلصها. هذه المحبة قد أوصانا بها ربنا يسوع المسيح عندما قال لمن سأله عن أعظم الوصايا "تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك ومن كل فكرك وقريبك مثل نفسك" (لوقا 10 27)". وسأل: "أين نحن من هذه المحبة وأين نحن من وصية الرسول بولس الذي كتب "المحبة فلتكن بلا رياء، كونوا كارهين الشر ملتصقين بالخير" (رو 12 9). مؤسف أن الشر يعم العالم في أيامنا وأن الخير نادر. الحروب تعم منطقتنا والتطرف يأتي على ما تبقى من حضارة فيها، الجوع ما زال منتشرا والعالم ما زال مقسما بين غني يتنعم وفقير يتألم، البيئة تنتهك يوميا والبلدان لا تقدر عواقب ذلك. أما إذلال الإنسان وانتهاك كرامته واستباحة حياته فسلوك لا تنجو منه بلاد غنية أو فقيرة كبيرة أو صغيرة وإن بنسب متفاوتة"، مضيفا "لم الإنسان عدو لأخيه الإنسان منذ قايين وهابيل؟ أليس لأنه لا يعرف المحبة بل يضع أناه ومصلحته في مقدمة اهتماماته ويستسلم لغرائزه مدفوعا بحب المال والسلطة عوض الإصغاء إلى صوت ضميره وفتح قلبه لخالقه والطاعة لوصاياه". وتابع عودة: "ليت الإنسان يدرك أن العمر قصير وأن الموت آت لا محالة وأن ما تبقى من العمر لا يكفي للتوبة وتنقية النفس من أجل أن نكون من الخراف الذين يدعوهم الرب قائلا "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم". يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل غلاطية "قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان" (3 24). القانون ضروري للتربية والتأديب وتهذيب النفس والسلوك وكبح جماح الفوضى. نفس الإنسان أمارة بالسوء لذلك ومن أجل وضع الأمور في نصابها والحد من التعدي والتطاول وسوء التصرف وضعت القوانين. الناموس أو القانون يصوب سلوك الإنسان. في البلدان الراقية الجميع تحت القانون حتى الحكام، والخضوع للقوانين ليس عيبا ولا ضعفا بل هو فضيلة، عندما يعتاد الإنسان على حفظ القوانين والأنظمة يأتي دور المحبة، الناموس لا يمنح حياة أما نعمة المسيح فهي عطية الحياة "لأن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم" (يو 6 33). وقال: "هذا يسوقنا إلى الحديث عما يجري عندنا، فقد استبيحت القوانين والأنظمة، حتى الدستور ما عاد الرادع أو الضابط للخروقات لذلك عمت الفوضى والفساد ولم يعد حد للانفلاش الذي شهدنا نتائجه على كافة الصعد خلال فترة الفراغ في سدة الرئاسة، وما يسمى نظام ديموقراطي يكاد لا يبقى منه شيء". واردف: "لذا أملنا كبير في سيد هذا العهد أن يكون حامي الدستور والساهر على تطبيقه من أجل انتظام عمل المؤسسات، إن نظامنا قائم على "مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها"، لا تدخل الواحدة بالأخرى وتداخلها فعسى تحترم السلطات بعضها بعضا وتقوم كل سلطة بعملها دون التدخل في عمل غيرها وذلك بحسب ما جاء في دستورنا. أما تطبيق القوانين من قبل المواطنين بدءا بقانون السير وصولا إلى احترام كرامة الآخرين وصون حريتهم واحترام التنوع في المجتمع وفي الجامعات فأملنا كبير أن يعمل المسؤولون على تربية المواطنين على ذلك".

لبطريرك يوحنا العاشر

وقال: "لقد كان فرح اللبنانيين كبيرا بولادة الحكومة بعد طول مخاض، ونحن نصلي من أجل أن يوفقها الله في تأدية مهامها على أحسن وجه من أجل خدمة هذا الشعب الذي يعاني، الوضع صعب والمطلوب إنقاذ هذا البلد الذي هو وطننا جميعا وانخراط الجميع في ورشة إعادة بناء الدولة والمؤسسات، أكانوا داخل مجلس الوزراء أو خارجه واستدراك ما ضاع من وقت وفرص وإعادة لبنان إلى خريطة الدول المتطورة، المطلوب تنافس سياسي شريف لا عدائية وانتقام واعتماد خطاب سياسي يبني شعبا لبنانيا واحدا، متماسكا ينتمي إلى الوطن لا شعوبا طائفية متفرقة، المطلوب إصلاح إقتصادي مع تطوير القطاعات الإنتاجية وحماية الإنتاج المحلي ووضع خطط استراتيجية للبنان الغد في كل المجالات: البيئة، الصحة، التعليم، الصناعة، الزراعة، الكهرباء، الماء، النفايات والنفط، المطلوب وضع حد للهدر والفساد واستغلال المؤسسات العامة وإيجاد فرص عمل للبنانيين لكي لا يصيبهم اليأس ويهجروا هذا البلد، لبنان بحاجة إلى أبنائه وخاصة الشباب والشابات في مقتبل العمر الذين يحصلون على الشهادات هنا ويستثمرونها في الخارج، المطلوب إصلاح الإدارة والقضاء على كافة أنواع الفساد فيها وفخامة الرئيس رافع شعار الإصلاح والتغيير خير من يستطيع القيام بذلك مع رئيس مجلس الوزراء والوزراء الذين على عاتقهم تقع مسؤولية ذلك، وما يبشر خيرا استحداث وزارات تحمل عناوين تبث الأمل في نفوس المواطنين وتعيد إليهم الثقة بدولتهم". وشدد على "ان الدولة الناجحة ترتكز على إدارة ناجحة وعناصر كفوءة، كما ترتكز على مبدأ المحاسبة والثواب والعقاب، لذا أملنا أن تفعل أجهزة الرقابة لكي لا يعود أحد يستهين بوظيفته أو يسخرها لمصالحه، كما نأمل أن ينظر إلى المرأة على أنها مواطنة كاملة الحقوق والواجبات، ما يعني أن عليها أن تتحمل المسؤولية إلى جانب الرجل لا وراءه في الوظائف العامة وفي النيابة والوزارة، حان الوقت لكي نرى في مجلسنا النيابي عشرات النائبات فنتساوى بذلك ليس فقط مع البلدان الأوروبية بل مع بعض البلدان العربية التي سبقتنا، كما نأمل أن تعطى النساء عدة حقائب ولم لا نصف الحقائب في مجلس الوزراء هل تعجز من تربي الأجيال وتمنطقها بالقيم والأخلاق والعلم عن القيام بمهام وزيرة أم أننا نفتقر إلى نساء كفوءات متعلمات وذوات خبرة، دعاؤنا في هذا اليوم المبارك أن يحفظ الرب الإله حكامنا ويلهمهم القيام بكل عمل صالح ويعضدهم في ورشة البناء والإصلاح ومكافحة الفساد، كما نصلي من أجل أن يعم السلام العالم وأن تنمو المحبة في قلوب الجميع فينتفي البغض والحقد والتعصب والقتل والتدمير والتهجير وتعم العدالة والإستقرار والفرح". وأضاف: "الميلاد عيد المحبة والفرح والسلام، بميلاد المسيح سقطت الحواجز بين الله والإنسان وصار ابن الله إنسانا ليصير الإنسان إلها، ولكن كيف نعيش فرحة الميلاد والعالم غارق في المآسي والحروب ومنطقتنا تغلي والأرواح تزهق فيما نشهد صمتا مطبقا من دول العالم التي تتغنى بالديموقراطية وحقوق الإنسان تجاه ما يجري حولنا من تعصب أعمى يدفع إلى القتل والتدمير والتهجير فقط لأن قيمها تتوقف عند حدود مصالحها". وختم عودة: "لنصل معا من أجل كل المقهورين والمظلومين والمهجرين والمخطوفين، سائلين الرب الإله المولود في مغارة أن يبلسم قلوب الجميع ويعيد المفقودين إلى ذويهم ويعيد إلينا أخوينا المطرانين بولس ويوحنا سالمين، كما نسأله أن يكون هذا العيد المبارك بداية مشرقة للبنانناالحبيب وللبنانيين جميعا. بارككم الله وأعاد عليكم هذه المواسم المقدسة بالصحة والعافية والسلام والأمان". واحتفل رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر، بقداس الميلاد في كاتدرائية مار جرجس في بيروت، عاونه فيه النائب العام لأبرشية بيروت المونسنيور جوزف مرهج، كاهن الكاتدرائيّة المونسنيور إغناطيوس الأسمر والأبوان عمانوئيل قزي وداود أبو الحسن، وشاركت فيه شخصيات سياسية واجتماعية تقدمهم النواب نديم الجميل، إيلي عون وآلان عون، الوزير السابق جو سركيس ممثلا رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، نقيب المحامين أنطونيو الهاشم، الأمين العام للحوار المسيحي الإسلامي الأمير حارث شهاب، الأمين العام للاتحاد من أجل لبنان مسعود الأشقر، أعضاء المجلس التنفيذي للمجلس العام الماروني، ممثلو الهيئات الأمنية والعسكرية والقضائية والأكاديمية والنقابية والاجتماعية ومصلون. وبعد الإنجيل المقدس ألقى مطر عظة من وحي المناسبة، قال فيها: "إني أبشركم بفرح عظيم يكون للعالم كله، لأنه ولد اليوم لكم المخلص الذي هو المسيح الرب، في مدينة داود (لوقا 2/7). هذا ما أعلنه ملاك ظهر من السماء على بعض الرعاة الذين كانوا ساهرين في تلك الليلة على مواشيهم في ضواحي بيت لحم. كم هي جميلة هذه البشارة التي صار عمرها أكثر من ألفي سنة. وقد دعت أولا إلى عدم الخوف، ومن ثم إلى فرح عظيم يملأ القلوب بخلاص طالما انتظره الشعب القديم ومعه كل شعوب الأرض، وأشارت إلى أن هذا الخلاص سيتحقق على يد طفل وضعته أمه في مذود لأنها لم تجد له في الأرض موضعا آخر". وأضاف: "وها نحن في هذا العيد المبارك، وبعد أن سمعنا الإنجيل المقدس يحدثنا عن ولادة هذا الطفل الإلهي، نرفع آيات الشكر لله الآب الذي افتقدنا برحمته، وأرسل إلينا ابنه الحبيب مسيحا وربا ومخلصا. لكن سؤالا يراود الكثير من الناس حول تحقيق الخلاص بيسوع المسيح وحول مسيرة هذا الخلاص في الزمن، إن كانت تتقدم فعلا أو أنها تتعثر وتتراجع. حتى أن القلق على المصير راح يحاكي بعض القلوب التي يصل أصحابها إلى التصور بأن مصالحة الناس مع ربهم وبعضهم مع بعض، تراوح مكانها إن لم يكن قد صارت أصعب منالا من ذي قبل؟ فالحروب والنزاعات تشب هنا وهناك وتأكل بطريقها الأخضر واليابس، والبشر لا يقيمون الأخوة في الأرض ولا التضامن الخلاق بين المعوزين منهم وغير المعوزين. فأين العدالة في الدنيا فيما المهجرون قسرا من بيوتهم يعدون بعشرات الملايين؟ أين الصلح والسلام فيما أبناء الديانات الواحدة منقسمون على أنفسهم ولا يعرفون إلى التفاهم فيما بينهم سبيلا؟ ولقد وصل الأمر مع بعض المشككين إلى السؤال عما إذا كان المسيح قد فشل حقا في مشروعه الخلاصي الكبير؟". وأردف: "لكننا باسم إيماننا بالرب نعلن أمام العالم كله أن المسيح لن يفشل أبدا، بل هو الغالب بمحبته، وأن خلاصه فاعل وملكوته يكتمل باكتمال التاريخ. لقد مات المسيح عن العالم كله وافتدى الكون وحرره من وزر خطيئته. "وحيث كثرت الخطيئة هناك فاضت النعمة"، كما يكتب بولس الرسول. فلتكن فيكم ثقة أيها الأحباء بأن محبة الله هي أقوى من كل حقد وأكبر من كل عداوة، وأن الرهان على المحبة يبقى وحده في النهاية رهانا رابحا. أما السر العظيم لهذا الخلاص فيكمن في مشيئة الله القدوسة بأن يتم بالشراكة بينه وبين الإنسان. فالله الذي خلقك بدونك لن يخلصك بدونك، أنت إذن أيها السامع لك دور في قبول الخلاص وفي رفضه لا سمح الله. إنه منطق الحرية ولقد أعطى الله بموجب هذا المنطق قدرة لكل إنسان على أن يتجاوب مع نعمة ربه أو أن يرفضها، فيغدق الرب على المتجاوبين كرامة من عنده ويشركهم في بناء العالم على أسس من الخير والصلاح". وتابع: "لذلك نحن لا نيأس من رحمة الله ونجدد إيماننا كل يوم بالذي قال: "سيكون لكم في العالم ضيق لكن تقووا أنا غلبت العالم". ستنتصر محبة المسيح في النهاية على كل ما عداها. وسيكتمل ملكوت الله على الرغم من الشرور التي تملأ الأرض وتحرق فيها جما من الأبرياء والمظلومين. ولقد أطلق الرب في العالم كنيسته المبنية على الرسل والعاملة بقوة الروح القدس، لتبقى خميرة الدنيا بقديسيها وبالقلوب الطيبة فيها وفي الناس من حولها. إن هذه القلوب تشارك المسيح في عملية الفداء الكبرى. فانظروا إلى الذين في الأرض يخدمون الفقراء ويدافعون عن الحق وينصرون الضعيف والمظلوم. انظروا إلى فعلة الخير فهؤلاء يشكلون زنارا واقيا للأرض من البلايا، ولو أن الكثير الكثير ينتظر فعلة جددا، وأنتم منهم. فلندخل معا إلى كرم المسيح ونعمل بروحه لننال منه أجر المساء عن كل فعل محبة نطلقه تجاه أي محتاج. وإن كنتم ترون في العالم نقصا من هذا القبيل، فذلك لأن الله ينتظر منا مزيدا من التجاوب مع رحمته لنصبح نحن بدورنا من الراحمين. لذلك فالجواب الكبير عن السؤال حول نجاح الخلاص بيسوع المسيح إنما يأتي عبر سؤال نطرحه بدورنا قائلين: "ماذا علينا أن نفعل ونزيد في خدمة هذا الخلاص؟". إن كل جيل من أجيال البشر مسؤول بالتعاقب تجاه العمل في سبيله. فليقم من بيننا القديسون، ولنتمسك بالمحبة قوة تغير القلوب من داخل ولنحمل الرجاء في حياتنا مقرونا بنعمة التضحية والعطاء، عند ذاك نذوق طعم الميلاد الحقيقي، لأن يسوع يكون قد ولد لا في قلوبنا وحسب بل أيضا على أيدينا الممدودة للمحبة وخدمة الآخر، دون تفرقة ولا تمييز، ودون التوقف عند أية حدود". وقال: " الروح نستطيع أيضا أن ننظر إلى مصائب هذا الشرق الحزين الذي يغوص في بحر من الحقد والدماء. فندرك الأسباب التي أدت إلى هذا المصير المأساوي، وهي تنبع كلها من موقف رافض للآخر ومن نظرة عدائية تجاهه باسم تصورات عقائدية لا استقامة لها أمام الله ولا عند الناس. كما أن هذا الفعل يتسبب برد فعل مقابل يجر إلى التقاتل، وكأن إفناء الناس يصير هو المطلوب للوصول إلى السلام الذاتي ونعمة الأمن والأمان. إنها الحلقة المفرغة التي يجب أن تكسر لننعم بعدها بثمار المصالحة والمحبة. فالمطلوب اليوم من الدول العظمى لا بل من جمعية الأمم أن تسعى إلى عقد مؤتمر دولي عام للشرق الأوسط تتوقف بنتيجته الحروب كلها إذ يفسح في المجال للتخاطب بين المتحاربين طريقا إلى المصالحة وإلى إرساء نعمة العيش معا مهما غلت التضحيات. فالقوة المادية خداعة بذاتها لأنها تعطي اليوم الغلبة لفريق، لكنها تقلب الطاولة غدا ليصبح الغالب مغلوبا والمغلوب غالبا وهكذا دواليك. لهذا فإن ليس من غلبة ثابتة وبناءة إلا لقيم الخير والمحبة، لعلنا نؤمن بها فنحيا". وتابع: "بهذه الروح عينها، ننظر إلى وطننا العزيز لبنان الذي عانى بدوره ما عاناه من اهتزاز للثقة بين أبنائه ومن خروج عابر على المحبة والتضامن والوحدة في حياته. إلا أننا والحمد لله قد تقاربنا من جديد وترجمنا هذا التقارب مؤخرا بطلوع عهد جديد وبولادة فرصة أكيدة لخلاصنا الوطني تمثلت بانتخاب رئيس للجمهورية هو فخامة العماد ميشال عون الذي يشكل بشخصه وخبرته ومحبته ضمانة للوطن وللمواطنين. فيبقى أمامنا تعميق هذا التقارب وإجراء مصالحة شاملة تضم الجميع، وإيجاد حلول ما زالت عالقة لتنظيم حياتنا الديمقراطية عبر قانون انتخابي صحيح ولوضع أطر ضامنة للمشاركة في السلطة تؤمن في النهاية العيش باطمئنان وطني شامل، وإطلاق عجلة الاقتصاد التي تؤدي إلى عودة الكثيرين من أبنائنا ممن هجروا قسرا من بلادهم ليفتشوا في بلدان أخرى عن فرص كرامة وحياة. وإذ نهنئ الحكومة الجديدة، رئيسا وأعضاء، الواعدة بانطلاقتها في خدمة لبنان وشعبه، نطلب لها التوفيق في المهمات الموكولة إليها، ونسألها أن تنظر إلى مصلحة لبنان وشعبه في أولى أولوياتها، لعلها تسهم في نقل هذا الوطن من مرحلة الدوران الفارغ حول المشاكل المتراكمة فيه إلى مرحلة الحلول الناجعة لها، فنسترد للبنان رسالته الكبرى في المنطقة، ويصبح قادرا على الإسهام في إرساء السلام في الربوع، وفي الدول المنكوبة من حولنا. عند ذاك نكون قد قطعنا شوطا كبيرا في تحقيق الخلاص المنتظر". وختم مطر: "فيا أيها الطفل الإلهي، إننا بحاجة إلى حبك اللامتناهي للانسان والإنسانية، لنعيد روح الأخوة إلى المنطقة التي فيها ولدت وفيها علمت وفيهاافتديت الإنسان من على صليبك المحيي. فأعطنا في هذا العيد المجيد أن نولد من جديد لهذا الحب، وأن يتجلى مجد الميلاد في الإنسانية التي لأجلها ولدت واعتمدت وعلمت وعبرت من الموت إلى القيامة. وكل عيد وأنتم أيها الأحباء جميعا بألف خير، وفرح العيد يملأ قلوبكم ويستقر فيها إلى الأبد". وكان يحيط بالمطران مطر رئيس الإكليريكية المارونية في غزير المونسنيور عصام أبي خليل ولفيف من الكهنة بقداس نصف الليل في كاتدرائية مار جرجس شارك فيها رئيس الرابطة المارونية النقيب أنطوان قليموس. وترأس متروبوليت بيروت وجبيل وتوابعهما للروم الملكيين الكاثوليك المطران كيرلس بسترس، قداس عيد الميلاد في كنيسة يوحنا فم الذهب - طريق الشام، وعاونه النائب الاسقفي سليمان سمور، الارشمندريت النائب القضائي اندره فرح، في حضور ابناء الرعية. بعد الانجيل المقدس، القى المطران بسترس عظة قال فيها: "منذ ألفي سنة ولد يسوع في بيت لحم، وأنشد الملائكة ترنيمة السلام: "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة". ومنذ ألفي سنة لا نزال ننتظر هذا السلام الدائم الذي به يعتلن مجد الله، ويظهر حضوره على الأرض، ويمتلئ الناس من مسرة الله". أضاف "إن تاريخ البشرية هو في الواقع منذ نشأتها، تاريخ الحروب بين الدول والمجتمعات التي تكونها. إن نشيد الملائكة لن يتحقق إلا بقبول الناس رسالة السلام، التي جاء بها يسوع المسيح المخلص. وهذا يتطلب ولادة جديدة، كما قال السيد المسيح لنيقوديمس: "ما من أحد يستطيع دخول ملكوت الله ما لم يولد من الماء والروح. ذلك بأن المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح روح هو". وتابع "المولود من الجسد جسد هو. هذا يعني أن الإنسان يسلك في حياته انطلاقا من أمياله وغرائزه، التي تسيطر عليه وتستعبده وتطبع كل تصرفاته. فيظن أنه يتصرف بحرية، لكنه في الواقع أسير هذه الأميال والغرائز. فعندما يتكلم، ليس هو الذي هو يتكلم، بل أمياله هي التي تتكلم فيه، وعندما يعمل ليس هو الذي يعمل، بل غرائزه هي التي تعمل فيه. ولا يستطيع أن يتحرر من كل هذه الأميال والغرائز إلا إذا جاءه إنسان حر يدخل فيه روحا جديدة تعيده إلى نفسه وإلى المثال الأصلي الذي خلق عليه. هذا ما عناه يسوع بقوله: "الحق الحق أقول لكم إن من ارتكب الخطيئة كان عبدا للخطيئة. فإذا حرركم الابن صرتم بالحقيقة أحرارا". وأردف "يسوع هو ابن الله الممتلئ نعمة وحقا. فبميلاده ولد إنسان جديد حر غير مستعبد لقيود هذا العالم وشهواته، بل مرتبط بالله في صميم كيانه. قال بولس الرسول: "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة" (2 كورنثس 17:5). بميلاد المسيح ظهرت الخليقة الجديدة، واعتلن مجد الله على الأرض، ووضعت في العالم بذور السلام. لكن معنى ميلاد المسيح لا يكتمل إلا عندما يولد المسيح في قلب كل إنسان. فيصير حينئذ خليقة جديدة على صورة المسيح. وكما ظهر من خلال المسيح حضور الله على الأرض، كذلك يظهر حضور الله من خلال كل إنسان متحد بالمسيح". واستطرد "يطلب الملحدون من المؤمنين أن يقدموا لهم براهين عن وجود الله. ما من براهين عقلية مقنعة عن وجود الله. البرهان الوحيد هو برهان وجودي: إنه ظهور حضور الله في وجه المسيح وفي حياته. هذا البرهان يقدمه المؤمنون بدورهم من خلال اتحادهم بالمسيح والحياة بموجب تعاليمه ووصاياه. كلمة الله، الذي لا جسد له، تجسد في شخص يسوع المسيح ابن الله. وتقوم رسالة المسيحيين في العمل على استمرار هذا التجسد من خلال شخصهم وحياتهم. هكذا يولد المسيح في قلوبهم، وهكذا يظهر حضور الله في العالم". ورأى أن "ما نشهده اليوم في لبنان وفي مختلف البلدان العربية، بعيد كل البعد عن هذا الميلاد الإلهي: بدل السلام حروب ونزاعات، بدل الوحدة الوطنية انقسامات بين الطوائف، وبدل التفاهم المنفتح على الآخرين خلافات بين الأحزاب، وبدل العمل المتجرد على مصلحة الوطن أنانيات وسعي متكرر إلى المصالح الشخصية والغايات الفردية. المظالم والظلمات تملأ الأرض. ولكن هناك أيضا، والحمد لله، أنوارا وضاءة تتلألأ في مختلف أنحاء العالم، تستقي نورها من "المسيح شمس العدل". ثمة قافلة من القديسين والشهداء والناس الصالحين ولدوا من جديد مع المسيح وعاشوا على مثاله في المحبة وبذل الذات. هؤلاء هم رجاء مستقبل البشرية". وإذ هنأ "جميع اللبنانيين بالأجواء الإيجابية، التي تسود في هذه الأيام في الوطن والمجتمع، لا سيما بعد انتخاب رئيس الجمهورية فخامة العماد ميشال عون، الذي نتمنى له التوفيق في جمع شمل كل اللبنانيبن من مختلف الطوائف والأحزاب، وبعد تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة دولة الرئيس سعد الدين الحريري"، تمنى أن "تنجح هذه الحكومة في الوصول إلى قانون انتخاب جديد عصري وعادل يمثل التمثيل الصحيح جميع الطوائف، وألا يقتصر عملها على هذا القانون، وإن كان عمرها قصيرا، بل تعنى أيضا بمختلف الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، التي يعاني منها المواطنون". وسأل خاتما "متى يولد المسيح في قلوبنا، ومتى يولد في أوطاننا، كما ولد منذ ألفي سنة على أرضنا؟ متى يصير كل إنسان خليقة جديدة على مثال المسيح ابن الله؟ متى تزول الظلمة عن بلداننا ليشرق عليها نور المسيح، كما أشرق في مغارة بيت لحم، فحولها إلى سماء؟ هذه رسالة وضعها الرب بين أيدينا. فهل نعيها ونحققها؟". ووجه بطريرك الروم الأرثوذكس يوحنا العاشر، رسالة الميلاد، وجاء فيها: "لما حان أوان حضورك على الأرض أيها المسيح حدث اكتتاب المسكونة الأول. فحينئذ أزمعت أن تكتب أسماء البشر المؤمنين بمولدك" في شتاء كل عام يطل علينا طفل المغارة ليمسح ببساطته ضيقا عن قلوب الناس ويمس بتواضعه نفوس البشر ويضيء على دنياهم بشيء من سلامه الإلهي. لقد استعار الرب المغارة ليدخل إلى مغاور نفوسنا ويجلوها بحبه الإلهي. ونحن مدعوون في كل ميلاد أن نتذكر دوما أن سيد المغارة وافى ليكون بيننا وينصب بيته في نفوسنا ويشتل زرعه في القلب والكيان. وافى ليكتسح نفوسنا بوهج محبته ودفق حنانه ولنكون نحن كنيسته، مدموغين باسمه قلبا وذهنا وكيانا وأفعال محبة ورحمة تجاه الكل، والتصاقا به عبر الإيمان الذي ورثناه وأخذناه من أجدادنا، لا من أي أحد آخر. وافانا ليضع ختمه في قلبنا التصاقا ودفاعا وانغراسا في أرضنا، في مدننا وقرانا وجبالنا، في الأرض الأولى، أرض كنيسة أنطاكية التي أنبضت في العالم اسم "مسيحيين". في ميلاد المسيح، نحن مدعوون كما كان أجدادنا دوما أن نكتتب للمسيح. وهذا ما يقوله كاتب التسابيح وما ترنمه الكنيسة في يوم الميلاد المجيد. يوم ولد المسيح صار، بأمر قيصر، اكتتاب أو إحصاء مدني للرعايا وهذا حدث. ومن هذا الاكتتاب أو الإحصاء ينطلق كاتب التسبيح ليطلق في النفس الدعوة لتكتتب وتدمغ وتختم وتسجل في سفر الحياة مع المسيح. نحن مدعوون كما يقول في موضع آخر لأن نكتب ونتذكر أيضا أننا "كتبنا على اسم ألوهته". نحن كمسيحيين أنطاكيين لا نحسب انتماءنا إلى المسيح مفخرة بالية ولا نحسبه في آن معا انتماء فوقيا أو امتيازا حرفيا ورد فقط على صفحات الإنجيل. إن انتماءنا إلى المسيح هو أبعد ما يكون عن مجرد الانتماء الطائفي الفئوي الانعزالي في الوقت ذاته. نحن مدعوون دوما أن نتذكر أننا أخذنا الإنجيل من أفواه الرسل ولم نسمعه من أي أحد. نحن مدعوون أن نعرف دوما أن أقسى الظروف لم ولن تنتزع من قلوبنا وقلوب أجدادنا اعترافا بغير الإيمان الذي تسلمناه وحافظنا عليه. نحن مكتتبون للمسيح ومعمدون على اسمه منذ ألفي عام ولسنا بحاجة هداية من أحد، ومنذ ألفي عام وإلى أيامنا قرعنا وسنظل نقرع أجراس محبتنا للآخر وانفتاحنا عليه، كائنا من كان هذا الآخر وإلى أي طيف أو دين أو عرق انتمى، ولكننا مدعوون أن نعرف دوما أننا من صلب هذه الأرض وأننا فيها مغروسون وعن صلب إيماننا لن نحيد. نحن في أيام أحوج ما نكون فيها إلى تأمل حدث الميلاد بحد ذاته. وافى هذا الطفل الصغير ليتشارك ضيق خليقته. وافى فقيرا واكتسح العالم ببشارة محبته. تشرد وهجر ككثيرين منا ومن أحبتنا. وفي يوم مجيئه توسمت الملائكة خيرا وسلاما ورنمت "المجد لله في العلا وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة". كثير من يقرأ هذا الكلام ليتوهم أن سلام الخليقة هو مجرد تمتع بالأمن والرخاء وسهولة العيش. وكثير منا يسأل في وقت التجربة أين سلامك يا يسوع مما يجري في عالمنا! والجواب يأتيه من الإنجيل نفسه. سلام الخليقة سلام الروح المدعو أن ينمو ويتبرعم في النفوس البشرية المقتبلة كلام الله. إن لم يكن هذا سلام المسيح، كيف يمكننا أن نفهم ونعي أن ميلاد المسيح أنبت في النفس والأرض سلاما بينما بكت راحيل آلاف أطفال من بيت لحم، قتلوا زمن المسيح، فكانوا برعم الشهادة المسيحية في كل العالم! سلام المسيح هو بالدرجة الأولى بلسم تعزية ليداوي ضيقاتنا وليس بالضرورة مسحوقا سحريا يرفع عن الأعناق نير الشدة. صلاتنا في هذا اليوم المبارك من أجل سلام سوريا واستقرار لبنان وخير هذا الشرق. صلاتنا من أجل فلسطين والعراق وكل بقعة ترزح تحت الضيق والألم. منذ أكثر من خمس سنوات وكنيسة أنطاكية المسيحية تصلب بما تتعرض لها أوطانها ويتعرض لها إنسانها من همجية وإرهاب وعنف وحصار اقتصادي خانق. ومنذ ثلاث سنين ونصف سنة والعالم يتفرج على حربة جلجلتنا في هذا الشرق، على مطارنة تخطف وكهنة تقتل وشعب يهجر. لكن هذه الحربة سيكسرها فجر القيامة وحجر القبر الفارغ وذلك مهما طال ضيق الجلجلة. تشدق كثيرون بحقوق الإنسان وغيرها. غير أن هذه الحقوق الإنسانية تطبق على ناس وتحجب عن آخرين طبقا لمصالح ومعايير. ومطرانا حلب يوحنا إبراهيم وبولس يازجي وغيرهما من أبناء هذا الشرق الجريح شاهدون أولا على كيفية استخدام المصالح وكيفية جعل الإنسان سلعة تباع وتشترى الإنسان في سوق النخاسة الدولية البائسة. وقضيتهم كانت وتبقى وصمة عار في جبين من استخدم حقوق الإنسان وركب موجتها لتدمير بلدان ومجتمعات. في هذا الميلاد المجيد، تتجه قلوبنا إلى مذود المحبة. تتجه قلوبنا إلى طفل بيت لحم وتسأله أن يرنو بناظريه من أعلى السموات إلى الأرض التي ولد فيها. صلاتنا إلى من كتبنا باسمه ودمغنا كياننا بختم مسحته أن ينبض رجاءه في قلوبنا. صلاتنا إلى طفل المذود أن يحمي بلادنا ويملأ قلوب الجميع بفيض أنواره الإلهية. صلاتنا إليه أن يضع يده في قلبكم يا إخوتنا وأبناءنا في الوطن وبلاد الانتشار وأن يبلسم جراحكم ويطيب حياتكم بكل عطية صالحة وموهبة كاملة وأن يهب عالمه السلام ويسبغ على الجميع رأفاته ومراحمه فنرتل له مع الملائكة: "المجد لله في العلا وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة".