محاضرة لوزير الإعلام اللبناني رمزي جريح في جامعة القديس يوسف

عمل مجلس الوزراء منذ الطائف : ما في النفوس لا يبشر بتوفر الرغبة بإقامة دولة الحق والمؤسسات

تجربتي في الحكومة بينت لي أن مبدأ التضامن الوزاري غير متحقق في كثير من الأحوال

هناك مقترحات جديدة ومفيدة لتعديل بعض أحكام الدستور وأفضل النصوص لا تلغي ما في النفوس ولا شئ يبشر بالخير

      
          
      

رمزي جريج

حاضر وزير الاعلام رمزي جريج عن "آلية عمل مجلس الوزراء في النص والممارسة منذ اتفاق الطائف"، بدعوة من رئيس جامعة القديس يوسف البروفسور سليم دكاش اليسوعي وعميدة كلية الحقوق والعلوم السياسية البروفسورة لينا غناجة، في اطار سلسلة المحاضرات التي ينظمها كرسي رياض الصلح الجامعي، في قاعة المحاضرات غولبنكيان - حرم العلوم الاجتماعية في الجامعة - شارع هوفلان - الاشرفية. حضر المحاضرة وزير العمل سجعان قزي، الوزراء السابقون بهيج طبارة، ليلى الصلح حمادة، وليد الداعوق وشكيب قرطباوي، المديرة العامة لوزارة العدل القاضية ميسم نويري، رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي جان فهد، نقيب المحامين انطونيو الهاشم القاضية في مجلس شورى الدولة ريتا كرم قزي، القضاة: انطوان خير، عصام سليمان وشكري صادر، مدير كلية الحقوق الفرع الاول الدكتور حسين عبيد ممثلا رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور فؤاد ايوب، رئيس الرابطة المارونية انطوان قليموس وعدد من الدكاترة في الجامعة اليسوعية وطلاب من الجامعة. وقال الوزير جريج: "لا أراني قادرا على اعتلاء منبر هذا الكرسي الجامعي من غير أن تنقلني الذاكرة إلى رجالات لبنان الأوائل الذين بنوا الاستقلال، وصاغوا الميثاق الوطني وطبقوه لكي يكون لنا وطن سيد، حر، مستقل، وفي طليعة هؤلاء رياض الصلح الذي أطلق اسمه على هذا الكرسي الجامعي، اعترافا بفضله وتخليدا لذكراه". اضاف: "الحقيقة أنني عندما اتفقت مع العميدة البروفسورة لينا غناجه على موضوع محاضرتي هذه، كانت سدة رئاسة الجمهورية ما زالت خالية منذ انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في 25/5/2014 من دون أن يتوصل مجلس النواب إلى انتخاب خلف له؛ وكان هناك خلاف كبير داخل الحكومة حول كيفية ممارسة مجلس الوزراء للصلاحيات التي أناطتها به المادة 62 من الدستور خلال فترة الشغور الرئاسي؛ فارتأيت أن أخصص محاضرتي لبحث آلية عمل مجلس الوزراء خلال فترة الشغور، نظرا للاشكاليات التي كان يثيرها هذا الموضوع وتأثيرها على عمل الحكومة. ولكن ظروفا خاصة أرجأت موعد المحاضرة ورافق ذلك انتخاب رئيس للجمهورية وتكليف رئيس لتشكيل حكومة جديدة. وإزاء هذا الوضع المستجد، كان من الطبيعي توسيع إطار المحاضرة لكي يتناول آلية عمل مجلس الوزراء عموما دون حصره بفترة الشغور الرئاسي". وتابع وزير الاعلام: "كما تعلمون، ان أبرز الاصلاحات الدستورية التي أقرها القانون الدستوري الصادر في 21/9/1990 تطبيقا لاتفاق الطائف هو نقل السلطة الاجرائية من رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء وتخصيص هذا المجلس بالصلاحيات التي أشارت اليها المادة 65 من الدستور وعددتها على سبيل المثال لا الحصر. إن عرض هذه الصلاحيات وما تثيره من إشكالات قانونية في النص والتطبيق، يخرج عن إطار هذه المحاضرة، التي ينحصر موضوعها في آلية عمل مجلس الوزراء لأجل ممارسة هذه الصلاحيات". واوضح "ان الفقرة 5 من المادة 65 من الدستور اختصرت آلية عمل مجلس الوزراء بخمسة أسطر تنص على ما يلي: "يجتمع مجلس الوزراء دوريا في مقر خاص ويترأس رئيس الجمهورية جلساته عندما يحضر. ويكون النصاب القانوني لانعقاده أكثرية ثلثي أعضائه ويتخذ قراراته توافقيا، فإذا تعذر ذلك فبالتصويت. ويتخذ قراراته بأكثرية الحضور. أما المواضيع الأساسية فإنها تحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها." وقال: "يتضح من هذا النص، ان المشترع جعل مجلس الوزراء "هيئة دستورية" قائمة بذاتها لها كيانها المستقل ومقرها الخاص، وقصد بذلك أن يؤمن لها استقلالية واسعة بحيث لا تكون لرئيس الجمهورية أو لرئيس الحكومة سيطرة على اتخاذ القرارات فيها. وبالفعل، وفي مسعى لتحقيق هذه الاستقلالية، صدر بتاريخ الأول من آب سنة 1992 المرسوم رقم 2552 المتضمن تنظيم أعمال مجلس الوزراء، ثم عدلت بعض أحكامه بموجب المرسوم رقم 4717 الصادر بتاريخ 31/1/1994، وقد تضمن المرسوم الأول الفصول التالية: 1- إعداد جدول أعمال مجلس الوزراء 2- اجتماعات المجلس 3- مداولاته ومقرراته 4- صياغة المقررات وعليه، سأتنأول هذه الفصول تباعا، مقارنا بإيجاز ما بين النص والواقع في إطار ممارسة المجلس تلك الأعمال. أولا: إعداد جدول الأعمال نصت الفقرة السادسة من المادة 64 من الدستور على أن رئيس مجلس الوزراء هو الذي "يدعو المجلس إلى الانعقاد ويضع جدول أعماله. ويطلع رئيس الجمهوية مسبقا على المواضيع التي يتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث". يتضح من هذا النص أن إعداد جدول الأعمال هو في المبدأ صلاحية مناطة برئيس مجلس الوزراء حصرا، لا يشاركه فيها احد (أ)؛ غير انه يترتب على رئيس مجلس الوزراء موجب اطلاع رئيس الجمهورية على المواضيع المدرجة في الجدول (ب). أ- المبدأ: صلاحية رئيس مجلس الوزراء باعداد جدول الاعمال لإن رئيس مجلس الوزراء، يختار بصورة استنسابية من بين المواضيع التي يقدمها إليه الوزراء، تلك التي سيعرضها في الجلسة للمناقشة. وهذه الصلاحية الممنوحة لرئيس مجلس الوزراء منفردا، نتج عنها عمليا في كل عهود الوزارات بعض التعسف في إدراج مواضيع دون أخرى، وتعجيل عرض موضوع عائد لإحدى الوزارات على حساب موضوع عائد لغيرها، بناء على اعتبارات سياسية محضة. ولم ينص المرسوم 2552 المعدل بالمرسوم 4717 على آلية محددة تضبط إعداد جدول الأعمال وكيفية ترتيب المواضيع المعروضة، فبقي الأمر سلطة استنسابية مطلقة. من هنا أظن أنه من المناسب اعتماد معيار موحد يأخذ بعين الاعتبار في آن معا تاريخ ورود المواضيع إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء وحالة الضرورة والأهمية التي تتسم بها. ونصت المادة الرابعة من المرسوم 2552 على مهلة يقتضي ضمنها إرسال نسخ عن جدول الأعمال إلى رئاسة الجمهورية والوزراء وهي كالتالي: - قبل أسبوع على الأقل بالنسبة لمشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية. - قبل يومين على الأقل بالنسبة لسائر المواضيع. يبقى أن أشير إلى أنه، في الفترة الممتدة بين إعداد جدول الأعمال العادي وتاريخ انعقاد الجلسة، قد تستجد مواضيع متعلقة بأمور طارئة، فترفع إلى رئيس مجلس الوزراء الذي يعد عند ذلك ملحقا بجدول الأعمال العادي يضمنه هذه المسائل الطارئة ويرسله إلى رئيس الجمهورية والوزراء. ب ـ موجب اطلاع رئيس الجمهورية على جدول الاعمال من واجب رئيس مجلس الوزراء اطلاع رئيس الجمهورية على مواضيع الجدول والمواضيع الطارئة التي ستجري مناقشتها في الجلسة". وقال: "ارتأى بعضهم أن اطلاع رئيس الجمهورية على جدول الأعمال، لا يجعل صلاحية رئيس مجلس الوزراء صلاحية مقيدة، باعتبار أن رئيس الجمهورية لا يملك سلطة تعديل جدول الأعمال وخاصة لجهة شطب أحد المواضيع المدرجة عليه. بل يبقى من حقه فقط عرض الأمور الطارئة مستندا إلى الصلاحيات المعطاة له في الفقرة 11 من المادة 53 من الدستور، حتى ولو لم تكن مدرجة أصلا على جدول الأعمال. كما يبقى من حقه رفض عرض أي موضوع طارئ ما لم يكن قد اطلع عليه مسبقا كما ورد صراحة في المادة 5 من المرسوم 2552". اضاف: "الحقيقة، ان الغاية الأساسية من ربط النص الدستوري بين صلاحية رئيس مجلس الوزراء منفردا بإعداد جدول الأعمال، وبين موجب اطلاع رئيس الجمهورية عليه، لا ينتقص من مدى سلطة رئيس المجلس في هذا الإطار، ولا يمنح رئيس الجمهورية صلاحية إضافية، بل يمكنه من اتخاذ القرار بحضور أو عدم حضور جلسة مجلس الوزراء تبعا لأهمية المواضيع المعروضة. على أن التعاون بين الرئيسين يؤدي في واقع الحال إلى تجاوز هذه الشكليات كلها، ويسهم في انتظام عمل مجلس الوزراء كمؤسسة دستورية؛ علما بأن التعاون بين السلطات، الذي هو بحد ذاته مبدأ مكرس في مقدمة الدستور، لم يكن على الدوام قائما بين السلطات الدستورية، ولا سيما خلال عهد الرئيس اميل لحود". وتابع: "وفي هذا الإطار بالتحديد، أعطى الدستور رئيس الجمهورية صلاحية واسعة ذات وجهين: " إيجابي يتمثل في حقه بأن يعرض في الجلسة مباشرة أي موضوع طارئ ولو من خارج جدول الأعمال. " وسلبي يتمثل في حقه برفض عرض أي موضوع طارئ ما لم يكن قد اطلع هو عليه مسبقا". كرر ما قاله سابقا من "أن التعاون بين الرئيسين يسهم في تلافي كل الإشكاليات التي قد تنتج عن آلية إعداد جدول الأعمال"، مشيرا الى "أن الفقرة 12 من المادة 53 من الدستور أعطت رئيس الجمهورية صلاحية دعوة مجلس الوزراء استثنائيا كلما رأى ذلك ضروريا بالتوافق مع رئيس الحكومة". وقال: "هذه المادة لم تحدد بصورة واضحة ما هي الحالات الاستثنائية التي تستدعي عقد جلسة لمجلس الوزراء بدعوة من رئيس الجمهورية، الأمر الذي يعني أن تقدير حالة الاستثناء أو الضرورة عائد لرئيس الجمهوية وحده. كما أن المادة المذكورة لم تعين على وجه الدقة المرجعية المولجة بإعداد جدول أعمال الجلسات الاستثنائية. وإنني أرى أن هذه الصلاحية تعود إلى رئيس الجمهورية لأنه صاحب الدعوة، ولأن المادة 64 من الدستور لم تنص على أي شيء متعلق بالجلسات الاستثنائية، مما يعني أنها خارج صلاحيات رئيس الحكومة". اضاف: "يقتضي في هذا الإطار لفت النظر إلى عبارة "بالتوافق مع رئيس الحكومة"، فإنها، وإن كانت لا تمنح هذا الأخير صراحة حق التدخل في إعداد جدول اعمال الجلسات الاستثنائية، إلا أنها تؤكد واجب التعاون والتوافق والتنسيق الذي يجب أن يكون قائما وسائدا بين الرئيسين". ثانيا: اجتماعات المجلس يجتمع مجلس الوزراء دوريا في مقر خاص، وفق ما نصت عليه الفقرة الخامسة من المادة 65 من الدستور. وبالفعل، كان قد اعتمد مبنى في منطقة المتحف مقرا لمجلس الوزراء، وانعقدت فيه بعض الجلسات. لكن الأغلب في الممارسة العملية درج على أن تنعقد الجلسات في قصر بعبدا عندما يحضر رئيس الجمهورية وفي السراي الحكومي عندما لا يحضر. ولقد أثارت هذه المسألة احتجاج بعض البرلمانيين وعلى رأسهم الرئيس حسين الحسيني، خصوصا وأن عقد الجلسات خارج المقر الخاص إنما كان ولا زال يتم بناء على توافق ما بين رئيسي الجمهورية والحكومة، ومن دون أي نص دستوري أو قانون أو مرسوم. وتكون رئاسة الجلسة عادة لرئيس مجلس الوزراء، إلا إذا حضر رئيس الجمهورية، فيرئسها من غير أن يكون له حق التصويت. بمعنى أن القاعدة في النص الدستوري تقضي بترؤس الجلسات من قبل رئيس مجلس الوزراء، والاستثناء أن يترأسها رئيس الجمهورية. أما في الواقع فالاستثناء أصبح هو القاعدة، والقاعدة هي الاستثناء، إذ إن رئيس الجمهورية يحضر غالبية الجلسات الحكومية". وقال: "وإذا كان رئيس الجلسة هو الذي يضبط إدارتها ويمنح فيها الحق بالكلام للوزراء، فإنه من المفيد أن أذكر بأن مجلس الوزراء حتى ولو اكتمل نصابه لا يمكن أن ينعقد إلا بحضور رئيسه بعكس ما يحصل إذا تغيب رئيس الجمهورية إذ يبقى انعقاد المجلس في هذه الحالة قانونيا. ومن المفيد أيضا الإشارة إلى أن رئيس الجلسة يملك عادة هامشا واسعا من الاستنساب في طرح المواضيع للمناقشة من غير أن يكون مقيدا بتسلسل ورودها على جدول الأعمال". واشار الى "ان مركز نائب رئيس مجلس الوزراء غير ملحوظ في الدستور، وانما هو وليد العرف ولا يخول صاحبه ترؤس جلسات مجلس الوزراء في حال غياب رئيس المجلس، بحيث أضحى لقبا شرفيا يعطى لوزير أرثوذكسي من أعضاء الحكومة من دون ان يوليه ذلك أي صلاحية من صلاحيات رئيس مجلس الوزراء. أما بشأن النصاب فقد نصت أحكام الدستور والمرسوم 2552 أيضا، على أن نصاب الجلسات لا يكتمل إلا بحضور ثلثي أعضاء المجلس". ثالثا: المداولات والقرارات وقال: "سنتطرق تباعا للمداولات، ثم القرارات. - المداولات من القواعد الأساسية المقررة لعمل مجلس الوزراء، قاعدة سرية المداولات. التي نصت عليها المادة 2 من المرسوم 4717 المعدل للمرسوم 2552 والتي جاء فيها: "تكون مناقشات مجلس الوزراء سرية ولا يجوز نشرها أو الإعلان عنها". والغاية من ذلك رفع الحرج عن أي وزير في ما يبديه من آراء، والحؤول دون خضوع الوزراء إلى التأثر المباشر بالرأي العام. والملاحظ أن النص منع نشر المداولات كما منع الإعلان عنها، فهذا المنع يسري إذا على النشر في وسائل الإعلام والتواصل على اختلافها، كما يسري على الإعلان عنها من قبل الوزراء أنفسهم في المجالس العامة أو الخاصة، خصوصا أولئك الذين يدلون داخل الجلسة بآراء قد تخالف ما قررته الأكثرية، فيلجأون إلى الإعلان عن آرائهم هذه لتبييض الوجه أمام الرأي العام. وفي واقع الممارسة العملية، يمكنني القول إن قاعدة سرية المناقشات هي من أكثر القواعد انتهاكا، فلقد ثبت لي من تجربتي الشخصية أنني في أكثر الأحيان، عندما كنت أخرج من الجلسات لتلأوة المقررات، كان الصحافيون يخبرونني بكل ما جرى داخل القاعة وبمواقف الوزراء أجمعين، كأنما الجلسة كانت تنقل إليهم نقلا حيا مباشرا. إن هذا الأمر لمؤسف جدا كي لا أقول أكثر". - القرارات وتابع: "بعد مناقشة كل موضوع على حدة يتخذ بشأنه القرار اللازم، وذلك إما بالتوافق أو بالتصويت. ويفرض الدستور نوعين من الأكثرية المطلوبة لاتخاذ القرارات بحسب المواضيع التي يجري التصويت بشأنها. فإذا كانت عادية يتخذ القرار بأكثرية الحضور. أما المواضيع الأساسية المحددة حصرا في الفقرة 5 من المادة 65 من الدستور، فإنها تحتاج لإقرارها إلى أكثرية ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها. وهذه المواضيع الأساسية هي: تعديل الدستور، اعلان حالة الطوارئ وإلغاؤها، الحرب والسلم، التعبئة العامة، الاتفاقات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة، الخطط الانمائية الشاملة والطويلة المدى، تعيين موظفي الفئة الأولى أو ما يعادلها، إعادة النظر في التقسيم الإداري، حل مجلس النواب، قانون الانتخابات، قانون الجنسية، قوانين الأحوال الشخصية، اقالة الوزراء". وقال: "من المعلوم أنه عملا بمبدأ التضامن الوزاري المنصوص عليه في المادة 28 من المرسوم 2552 بمجرد صدور القرار، يصبح ملزما لجميع الوزراء حتى لأولئك الذين صوتوا ضده. وعلى الوزير المختص تبعا لهذا الإلزام، توقيع مشاريع المراسيم تنفيذا لهذه القرارات (المادة 28 المعدلة من المرسوم 2552). والوزير الذي يرفض التوقيع على قرار اتخذه المجلس، عليه عملا بقواعد النظام البرلماني أن يستقيل من الحكومة أو أن يصار إلى اقالته. هذا ما ينبغي أن يحصل لو أن النظام البرلماني يطبق عندنا بصورة صحيحة". وأعلن :"ان تجربتي الشخصية خلال السنوات التي مرت من عمر هذه الحكومة بينت لي أن مبدأ التضامن الوزاري غير متحقق في الكثير من الأحوال، إذ ان الوزراء أو بعضهم، عندما يلمسون أن توجه مجلس الوزراء هو بعكس ما يشتهون، كانوا يلجأون إما إلى الانسحاب من الجلسة أو إلى مقاطعة الجلسات. كما كانوا في أحيان كثيرة ينتقدون في وسائل الاعلام عمل الحكومة والقرارات التي تتخذها وكأنهم غرباء عنها لا أعضاء فيها. ويحضرني في هذا الخصوص قول الوزير الفرنسي السابق جان بيار شوفمان، "على الوزير ان يصمت أو يستقيل". رابعا: صياغة القرارات وتلأوتها واعلن انه "بالإضافة إلى المحضر الذي يتولى تنظيمه الأمين العام لمجلس الوزراء ويدون فيه وقائع الجلسة ومجرياتها، تضع الأمانة العامة محاضر إفرادية بالقرارات التي اتخذها المجلس وذلك في مهلة خمسة أيام من تاريخ اتخاذ القرار". واشار الى ان المادة 21 من المرسوم 2552 نصت على الشكليات الواجب اتباعها في تنظيم القرار، فأوجبت أن يذكر في متنه رقم المحضر الخاص به ورقم القرار والسنة التي صدر فيها ومكان انعقاد الجلسة وتاريخها والجهات التي سيبلغ إليها القرار. أما محاضر الجلسات فتحفظ في المكان المخصص لحفظها ولا يجوز إعطاء أية نسخة عنها لأحد. بل يبقى لكل وزير حق الاطلاع شخصيا عليها". وقال: "في الواقع العملي، درجت الممارسة على أنه بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء يخرج وزير الاعلام ليتلو على الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى بيانا ملخصا بالقرارات المتخذة خلال الجلسة. ثم توزع الأمانة العامة لمجلس الوزراء لاحقا بيانا مفصلا بتلك المقررات. وتجدر الاشارة إلى أن المادة 23 من المرسوم 2552 توجب أيضا إبلاغ رئاسة الجمهوية والوزارات والجهات المعنية نسخا عن كافة المحاضر الإفرادية لقرارات مجلس الوزراء وذلك خلال مهلة عشرة أيام من تاريخ اتخاذ القرار". وتابع: "تلك هي الآلية المعتمدة نصا وممارسة في عمل مجلس الوزراء خلال الظروف العادية. ولا ينبغي لهذه الآلية أن تتغير إذا حصل شغور في موقع رئاسة الجمهورية، لأن المادة 62 من الدستور أناطت صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء في حال خلو سدة الرئاسة لأي علة كانت. وهذه الصلاحيات لا يمكن أي وزير أن يمارسها منفردا بمعزل عن مجلس الوزراء مجتمعا، فليس كل وزير جزءا من الرئاسة إذا خلت، بل مجلس الوزراء كله هو الذي يتولى صلاحيات رئاسة الجمهورية بالوكالة، ويتحتم عليه أن يمارس هذه الصلاحيات وفقا لآليات عمله العادية المنصوص عليها دستوريا، خصوصا في غياب أي نص خاص يلحظ أحكاما مخالفة لممارسة هذه الصلاحيات الإضافية. من هنا يمكن التأكيد أن الآلية التي ذكرناها تنطبق على جميع الصلاحيات التي يمارسها مجلس الوزراء سواء أكانت صلاحيات أصلية عائدة له أو صلاحيات إضافية انتقلت إليه بسبب خلو سدة الرئاسة". اضاف: "أما لجهة ماهية الصلاحيات التي تنتقل إلى مجلس الوزراء في حال الشغور الرئاسي، فالمادة 62 من الدستور لم تنص على أي استثناءات، مما يفيد في المبدأ، أن جميع صلاحيات رئيس الجمهورية تنتقل إلى مجلس الوزراء. غير أنه لدى التدقيق في صلاحيات رئيس الجمهورية، يتبين أن قسما منها لا يمكن أن ينتقل إلى مجلس الوزراء لأنه ممنوح له بصفته الشخصية. من هذه الصلاحيات، اللصيقة بشخص الرئيس: - توجيه رسائل إلى مجلس النواب. - منح أوسمة الدولة. - منح العفو الخاص. - اعتماد السفراء اللبنانيين في الخارج وقبول اعتماد السفراء الأجانب في لبنان. - إجراء استشارات نيابية لتكليف شخص بتشكيل الحكومة. - الطلب إلى مجلس الوزراء حل مجلس النواب. وقال: "فيما خلا الصلاحيات اللصيقة بالرئيس، تنتقل جميع الصلاحيات الأخرى إلى مجلس الوزراء؛ وتضاف إلى الصلاحيات التي تعود له أصلا بموجب الدستور. وقد أثار موضوع انتقال صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء خلافا كبيرا داخل مجلس الوزراء أدى إلى تعطيل عمل المجلس لفترة من الزمن، إذ ظهرت غداة شغور سدة الرئاسة وجهتا نظر: أولى: تقول بأن مجلس الوزراء في هذه الحالة يمارس صلاحيات رئيس الجمهورية وفقا للآلية الملحوظة في المادة 65 من الدستور والتي تحدد كيفية اتخاذ القرارات في الجلسات التي يعقدها مجلس الوزراء، حيث تتخذ القرارات بالتوافق وإلا فبأكثرية أصوات الحضور، ما عدا في بعض المواضيع المحددة حصرا والتي تحتاج إلى أكثرية الثلثين. ووجهة النظر هذه تبناها أكثرية الوزراء في المجلس. اما وجهة النظر الثانية: فتقول بأن مجلس الوزراء يصبح أثناء فترة الشغور الرئاسي ملزما باتخاذ قراراته بالاجماع، باعتبار أن الوضع الناشئ عن خلو سدة الرئاسة يترك انعكاسات سلبية على التوازن القائم بين رؤساء السلطات السياسية في لبنان، وأنه ينبغي تحصين قرارات مجلس الوزراء عند ممارسته لصلاحيات رئيس الجمهورية بفرض اتخاذها بالتوافق دون اللجوء إلى التصويت. وقد تبنى وجهة النظر هذه الوزراء الممثلون ل"التيار الوطني الحر" داخل الحكومة وبعض حلفائهم". واوضح جريج "أن وجهة النظر الثانية، تعبر عن موقف سياسي ولا ترتكز على أي سند قانوني للأسباب الآتية: 1- ليس في الدستور أي نص يفرض الاجماع؛ بل إن نص المادة 62 من الدستور ينيط بمجلس الوزراء كهيئة صلاحيات رئيس الجمهورية. وعندما تمارس أي هيئة صلاحياتها فإنها تخضع في هذه الممارسة للقواعد التي ترعى عملها؛ أي، في ما يتعلق بهيئة مجلس الوزراء، للقواعد الملحوظة في المادة 65 من الدستور التي تحدد كيفية اتخاذ القرارات في الجلسات التي يعقدها مجلس الوزراء، حيث تتخذ القرارات، كما أسلفنا، بالتوافق والا فبالتصويت بأكثرية الحضور في ما يتعلق بالمواضيع العادية وبأكثرية الثلثين في بعض المواضيع المحددة حصرا. 2- إن مجلس الوزراء الذي تنتقل اليه صلاحيات رئيس الجمهورية بموجب المادة 62 من الدستور يمثل حكومة قائمة وحائزة على ثقة مجلس النواب، ولا يوجد في الدستور أي نص يجعل من الحكومة حكومة مستقيلة لدى خلو سدة الرئاسة. وبالتالي، فإن هذه الحكومة لا تصبح لدى حصول الشغور حكومة تصريف أعمال، بل تبقى حكومة كاملة الشرعية والصلاحية تتابع ممارسة السلطة الإجرائية المناطة بها وفقا لأحكام الدستور ودون أي قيد ناتج عن شغور رئاسة الجمهورية، وتضاف إلى صلاحياتها الدستورية ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية بالوكالة أثناء فترة الشغور. 3- إن تطبيق هذه الآلية يؤدي إلى تعطيل مجلس الوزراء واضافة فراغ جديد الى الفراغ الناتج عن خلو سدة الرئاسة، إذ يجعل بإمكان وزير او أقلية شل عمل مجلس الوزراء خلال فترة الشغور، في حين أن نية المشترع الدستوري عند وضعه المادة 62 كانت منصبة نحو تلافي الفراغ تأمينا للمصلحة الوطنية العليا ولاستمرارية عمل المؤسسات. 4- إن المشترع، عندما نص على إنتقال صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء وكالة، إنما كان يفترض أن مدة الشغور مؤقتة وقصيرة جدا ولا تستدعي حصول هذه الاشكاليات. ولكن الذي حدث عندنا فاق تصور المشترع الدستوري، إذ إن فترة الشغور بلغت سنتين ونصفا لأسباب تعرفونها. وأنتجت كل هذه المعضلات. وهنا أستشهد بما كان قد كتبه الفقيه الدستوري ادمون رباط في تعليقه على امكانية حصول الشغور وتخلف مجلس النواب عن واجب الانتخاب، اذ قال: "من العبث التحري في طيات التاريخ السياسي عن مثال لمجلس ممثل الشعب فيتقاعس عن القيام بواجب دستوري حيوي كإنتخاب رئيس الدولة..." وقال: "فاذا ما حصل في لبنان ما يتخوف منه البعض واستحال على البرلمان أن يجتمع بسبب ظروف قاهرة، أو امتنعت أكثرية أعضائه عن تلبية واجبهم الدستوي، فيكون هذا البلد الصغير قد أعطى للعالم صورة أخرى عن الكوارث الشاذة، الفريدة في التاريخ، مما يصيب شعبا أصبح مفككا، متناثر الطوائف والأحزاب، في دولة اسمية بدون حياة وفعل ومسمى. وفي الواقع، إزاء الخلاف الشديد داخل الحكومة حول كيفية ممارسة مجلس الوزراء للصلاحيات المنتقلة إليه أثناء فترة الشغور الرئاسي وتمسك كل فريق بوجهة نظره، وتلافيا لتعطيل عمل مجلس الوزراء كليا، تم اعتماد منهجية قضت: في مرحلة أولى: باتخاذ القرارات بالتوافق، أي في الواقع بالإجماع دون اللجوء إلى التصويت. وفي مرحلة ثانية: اللجوء إلى التصويت واشتراط عدم اعتراض كتلتين وزاريتين من الكتل الوزارية التي تتألف منها الحكومة، للموافقة على القرار المعروض للتصويت. اضاف: "وغني عن البيان، أن هذه المنهجية لا تستند إلى أي مبرر قانوني أو منطقي، وقد اعترض بعض أعضاء الحكومة عليها. غير أن رئيس الحكومة وافق على اعتمادها تجنبا لتعطيل عمل مجلس الوزراء كليا، في حال قاطع الوزراء الذين كانوا يشترطون الإجماع جلسات مجلس الوزراء وفقدان النصاب بنتيجة هذه المقاطعة. ويرتبط بآلية عمل مجلس الوزراء خلال فترة الشغور الرئاسي، ولو بصورة غير مباشرة، موضوع عدم جواز استقالة الحكومة او بعض وزرائها". وتابع: "وبالرغم من ان هذا الموضوع قد تجاوزه الزمن، الا انني ارى انه لا يجوز لمجلس الوزراء، بعد ان اناطت به المادة 62 من الدستور ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية بالوكالة عند شغور مركز الرئيس، ان يضع حدا لوكالته هذه، وان يتسبب في احداث فراغ كامل في السلطة يؤدي الى انهيار النظام"، مشيرا الى "ان الشغور الرئاسي وما رافقه من شل لعمل مجلس النواب جعل من الحكومة آخر حصن للشرعية وفرض بقاءها لغاية انتخاب رئيس جمهورية. اما استقالة بعض الوزراء ومتابعتهم تصريف الأعمال، خلال فترة الشغور الرئاسي، فإنها، في نظري، غير مجدية لعدم امكانية قبولها بموجب مرسوم وفق ما نصت عليه الفقرة 4 من المادة 53 من الدستور". وقال وزير الاعلام: "أتيح لي أن اشارك منذ اقل من شهر في مؤتمر علمي دعا إليه رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال سليمان تحت عنوان "تحصين وثيقة الوفاق الوطني ومناقشة الثغرات الدستورية". وقد تناول المشاركون في هذا المؤتمر معظم أحكام الدستور وخلصوا إلى توصيات بإدخال بعض التعديلات على أحكام الدستور منها في ما يتعلق بآلية عمل مجلس الوزراء المحددة في المادة 65 من الدستور التعديلات الآتية: - إمكانية ان يجتمع مجلس الوزراء استثنائيا بطلب من الأكثرية المطلقة من أعضاء الحكومة لبحث جدول أعمال تحدد مواضيعه في الطلب. - إلزام رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصين بالتوقيع على مشاريع المراسيم الصادرة عن مجلس الوزراء خلال مهلة ثمانية وأربعين ساعة اعتبارا من تاريخ ورودها إلى كل منهم. واذا انقضت هذه المهلة دون توقيع الوزير أو الوزراء المختصين تعتبر مشاريع المراسيم محالة حكما إلى رئيس الحكومة واذا انقضت المهلة دون توقيع رئيس الحكومة تعتبر نافذة ومحالة حكما إلى رئيس الجمهورية". واكد ان "هذه المقترحات الجديدة مفيدة، لكنها لا ترتبط بالاشكاليات التي ذكرتها، ولا يؤدي اقرار هذه التعديلات الى معالجة الاشكاليات الناتجة عن آلية عمل مجلس الوزارء. من هنا، يمكن القول أن الخلل في عمل مجلس الوزارء لا يعود إلى نص المادة 65 كما هو عليه الان. فإذا صح أن التعديل الذي اقترح في المؤتمر إدخاله على هذا النص من شأنه سد ثغرة فيه وتمكين أكثرية أعضاء الحكومة من طلب عقد جلسة لمجلس الوزراء إذا تلكأ رئيسه عن الدعوة، كما وإلزام رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصين بالتوقيع على مشاريع المراسيم الصادرة عن مجلس الوزراء، فيبقى ان الاشكاليات التي ذكرتها يتجاوز نطاقها التعديلات المقترحة وتعود بالحقيقة إلى تفسيرات خاطئة لأحكام الدستور وممارسات من قبل القوى السياسية الممثلة داخل مجلس الوزراء، لا تأخذ بعين الاعتبار إلا مصالحها السياسية. فالحل ليس فقط في تعديلات دستوية تنتظم بإقرارها آلية عمل مجلس الوزراء، بل الحل يأتي من حسن تطبيق أحكام الدستور والتزام القوى السياسية بتوخي المصلحة الوطنية بعيدا عن المناكفات والنزاعات التي تتخذ الدستور ذريعة وتخفي في حقيقتها سعيا إلى مصالح فئوية". وختم مؤكدا "ان النصوص، افضل النصوص، لا تلغي ما في النفوس. وما في النفوس لا يبشر بتوفر رغبة صادقة لدى معظم القوى السياسية بإقامة دولة الحق والمؤسسات. وشكرا لإصغائكم".