دروس وعبـر من انتخابـات مجلـس الشوري في سلطنة عمان

السلطان قابوس

السلطان قابوس بن سعيد

      
           بقلم : أمين السباعى 
           رئيس التحرير 

فى واحدة من أقدم المدارس التعليمية القائمة فى مسقط عاصمة سلطنة عمان اتيحت لى ولعدد من زملائى الإعلاميين العرب والأجانب فرصة الاطلاع على مسار العملية الانتخابية لاختيار أعضاء مجلس الشورى للفترة الثامنة. 
وفى مدرسة "الزهراء" التى تخرج من صفوفها الآلاف من حملة المؤهلات العلمية الذين أسهموا ويسهمون فى بناء البلاد بتوجيه ورعاية السلطان قابوس بن سعيد بانى " عمان الحضارية الحديثة " اتيحت لنا أن نشهد وبصورة مغايرة تماماً للسلوك الانتخابى الفوضوى الذى يحكم مسار الانتخابات فى دول عده آخرى كيف يمكن للقيادة الحضارية والحكيمة والعادلة أن تزرع فى نفوس أبناء وطن كالوطن العمانى مبادئ المشاركة الجماعية الواعية المدركة لحقوق الوطن عليها وواجبات العطاء دون تلكؤ وأهمية السير على هدى الاخلاق والمواطنة الحقة. بعيداًعن دهاليز التسييس والتحزب ومعادلات " ماذا تعطيني لأعطيك صوتى " ولو على حساب المصلحة العليا التى لا يعادلها مال مهما غلت قيمته أو تحزب سياسى لا يعطى إلا أقل مما يأخذ. ولا يبنى أكثر مما يهدم كما اعتدنا أن نشهد فى انتخابات آخرين فى المنطقة وفى العالم. 
وفى صورة كانت نموذجاً لصور العملية الانتخابية التى جرت فى جميع ولايات سلطنة عمان كانت الانتخابات فى مبنى " مدرسة الزهراء" فى مسقط تجرى على الشكل التالى : 
1. صناديق الاقتراع توزعت بين غرف المدرسة وقاعاتها بواقع سبع قاعات للناخبين وخمس قاعات للناخبات. 
2. فى كل قاعة من قاعات الاقتراع وضعت صندوقه أوراق الناخب وتولى موظف مسؤول مهمة استقبال الناخب والتأكيد من صحة بطاقته الانتخابية الكترونياً. ثم تسجيل بصمة ابهامه الكترونياً ثم تزويده بلائحة أسماء وصور المرشحين وارساله الى الستار العازل. ليختار من يريد ليغادر القاعة بعد ذلك بهدوء وصمت كما دخل. 
3. لم يكن هناك أى وجود لمراقبين للمرشحين داخل قاعة الاقتراع ولا كان وجود هناك خارج القاعة للمرشحين ولا للعراضات والمهرجات وعمليات تجاوز الناخبين ولا رشوة ولا اغراءات مادية لشراء الاصوات والضمائر ولا لحملة الاسلحة التابعين بالولاء لهذا المرشح أو ذاك ولا لأى مظهر فولكلورى انتخابى من المظاهر الشاذة المعروفة. 
4. العنصر الابرز فى هذه الصورة أن الناخب العمانى لم يصب بداء التسييس ولا بمرض الانقسام الحزبي الأعمى ولا بكارثة الاعتقاد بالاحادية التى تدمر خلايا وحدة المجتمع وتقوم على قاعدة " أنا ومن بعدى الطوفان ". 
وهكذا مر نهار الانتخابات بهدوء كامل ومن دون مهرجانات ولا صور ويافطات في الشوارع وبنسبة مشاركة وصلت الى حدود الذروة وبنسبة تغيير فى الفترة الثامنة بلغت 70 بالمائة بينها 65 بالمائة من فئة الشباب وكان بين من ترشحوا 200 مرشح من حملة البكالوريوس و 70 من حملة الماجستير و 12 من حملة الدكتوراه. 
وهنا لابد من العودة الى قراءة فقرات من خطاب سابق للسلطان قابوس بن سعيد فى جلسة افتتاح انعقاد مجلس عمان حول تجربة الشورى فى سلطنة عمان ومنها يقول: 
«إن تجربة الشورى في عمان كما أكدنا دائمًا تجربة ناجحة والحمد لله جاءت متسقة مع مراحل النهضة متفقة مع قيم المجتمع ومبادئه متطلعة إلى بناء الإنسان الواعي لحقوقه وواجباته المعبر عن آرائه وأفكاره بالكلمة الطيبة والمنطق السليم والحكمة المستندة إلى النظرة الصائبة للأمور. ولقد أثبت العمانيون خلال الحقبة المنصرمة أنهم يتمتعون بمستوى جيد من الوعي والثقافة والإدراك والفهم في تعاملهم مع مختلف الآراء والحوارات والنقاشات التي تنشد مصلحة هذا البلد ومصلحة أبنائه الأوفياء. وإننا لعلى يقين من أن هذا الوعي سيزداد، وأن هذه الثقافة سوف تنمو وتترسخ من خلال الدور الذي تقومون به أنتم أعضاء مجلس عمان في مجال تبادل الرأي وتداول الأفكار وبفضل النهج الحكيم الذي تجلى والذي سوف يستمر بإذن الله في تناولكم لمختلف القضايا بالدرس والتدقيق ولكل الآراء بالتمحيص والتحقيق».
 نحن نأمل أن تشهد قاعات هذا الصرح الكبير الذي افتتحناه باسم الله وعلى بركته طرحا بناء للأمور ومعالجة حكيمة لها تظهر من خلالهما لكل من يراقب هذه التجربة في الداخل أو الخارج قدرة العمانيين الواضحة على المشاركة بالفكر المستنير والرأي الناضج في صنع القرارات التي تخدم وطنهم وترقى به وتحقق له مكانة بارزة ومنزلة سامية بين الدول وليس هذا بعزيز على أبناء أمة يشهد لها ماضيها العريق ويدفعها حاضرها الزاهر الى التطلع نحو آفاق واسعة من التقدم والتطور.
أعضاء مجلس عمان الكرام ..
أيها المواطنون الاعزاء .. 
إنكم تعلمون ما كانت عمان بحاجة إليه قبل بزوغ فجر النهضة المباركة خاصة فيما يتعلق بالتنمية في شتى المجالات . وتتفهمون أنه كان لابد في سبيل تحقيق التنمية البشرية والاجتماعية في كل مناطق السلطنة المترامية الاطراف من إنشاء بنية أساسية قوية ترتكز عليها خطط التنمية وبرامجها خاصة في مجالات التعليم والصحة والتدريب والتأهيل وإيجاد فرص العمل المتنوعة . فبدون هذه البنية الاساسية لم يكن بالإمكان ان تصل التنمية البشرية والاجتماعية الى التجمعات السكانية في المدن والقرى والسهول والجبال وفي بطون الاودية وفيافي الصحاري الواسعة .
وقد تمكنت خطط التنمية السابقة بحمد الله مع اتساع أرجاء عمان وصعوبة تضاريسها الجغرافية من إنجاز الكثير في هذا المضمار الأمر الذي غير وجه الحياة في هذا الوطن وسهل تنفيذ برامج التنمية الاجتماعية والبشرية وتوصيل الخدمات بشتى صنوفها وانواعها الى المواطنين حيثما كانوا واينما حلوا وكما تعلمون فان الحاجة الى البنية الاساسية لن تتوقف ابدا لأنها عملية مستمرة يحتمها التوسع العمراني ويقتضيها التطور الاجتماعي والاقتصادي وتؤكدها حاجة الانسان الى التواصل والسعي من اجل حياة افضل وعيش اسعد .
لذلك فهي تحظى بالعناية دائما في كل مراحل التطوير والبناء دون استثناء وإن كانت تكتسب أهمية قصوى وتحظى بأولوية أكبر في بعض هذه المراحل لظروف خاصة واعتبارات معينة تقتضي إيلاءها هذه الأولوية ومن هنا فإن ما يثار أحيانا من حديث يراه البعض مبررا حول الاتجاه الذي اتخذته خطط التنمية السابقة في عمان من تركيز على البنية التحتية والاساسية أكثر من التنمية الإنسانية أو الاجتماعية يغفل في الواقع حقائق الاشياء ويتجاهل الاوضاع التي كانت قائمة والأولويات التي استدعتها هذه الأوضاع . 
كما يتناسى هذا الحديث ما صاحب هذا الاهتمام بالبنية الأساسية ومنذ البداية من اهتمام مماثل بالتعليم والصحة والتجارة والصناعة والزراعة والمال والاقتصاد وكلها مجالات ترمي الدولة من وراء رعايتها وتطويرها الى توفير سبل الحياة الكريمة للإنسان الذي هو ـ كما أكدنا دائما ـ هدف التنمية الشاملة وأداتها العاملة الفاعلة .
وكما أشرنا في خطابنا العام المنصرم وحيث أن البنية الأساسية الضرورية تكاد تكتمل فقد وجهنا الحكومة إلى التركيز في خططها المستقبلية على التنمية الاجتماعية خاصة في جوانبها المتعلقة بمعيشة المواطن وذلك بإتاحة المزيد من فرص العمل وبرامج التدريب والتأهيل ورفع الكفاءة الإنتاجية والتطوير العلمي والثقافي والمعرفي .ونحن نتابع بدقة ما يتم اتخاذه من خطوات وسوف يكون هذا الامر محل اهتمام المجلس الأعلى للتخطيط الذي يهدف إلى وضع خطط تنموية مدروسة ترعى أولويات كل مرحلة وتوازن بين مختلف أنواع التنمية بما يؤدي إلى بلوغ الغاية المنشودة باذن الله .وإنه مما يدعو الى الرضا أن عمان تسير ولله الحمد بخطى متزنة في الاتجاه الذي نعتبره هو الصحيح وندعو الله العلي القدير أن يوفقنا الى مزيد من النجاح من أجل عمان وأبنائها البررة المخلصين .
ومن جهته أعلن حمود بن فيصل البوسعيدى وزير الداخلية، فى بيان له النتائج النهائية لانتخابات أعضاء مجلس الشورى للفترة الثامنة المعتمدة من قبل اللجنة العليا للانتخابات، وقال إن الانتخابات شهدت تطورًا كبيرًا فى مختلف الجوانب القانونية والإجرائية والتقنية، ومن أهمها تشكيل لجنة عليا لانتخابات أعضاء مجلس الشورى تتمتع بالاستقلال والحيدة برئاسة أحد نواب رئيس المحكمة العليا للإشراف على الانتخابات والفصل فى الطعون الانتخابية. وأشار البوسعيدى إلى أن وزارة الداخلية بالتعاون والتنسيق مع الجهات المعنية اتخذت كافة الاستعدادات اللازمة لسير العملية الانتخابية، وتسهيل عمل اللجان المشرفة على الانتخابات لتمكين المواطنين من ممارسة حقهم فى الترشح أو الانتخاب بسهولة ويٌسر وفقاً لأحكام القانون مما كان له بالغ الأثر فى مشاركتهم الفاعلة فى هذه الانتخابات انطلاقاً من دافعهم الوطنى.

وأعرب عن فائق الشكر والتقدير لجميع القطاعات التى ساهمت فى هذا العمل الوطنى من الجهات الحكومية والخاصة والأهلية وكل من ساهم فى نجاح هذه الانتخابات. وقد أكدت اللجنة العليا لانتخابات أعضاء مجلس الشورى للفترة الثامنة أن نسبة المشاركة فى الانتخابات بلغت 56.66 % من جملة السجل الانتخابى للذين يحق لهم الانتخاب البالغ 525.785 ألف ناخب وناخبة، منهم 237.981 ناخبة من الإناث و278.804 ناخبين من الذكور، أى بمجموع 297.905 لجملة المشاركين بالتصويت.