مصر والسودان واثيوبيا وقعت اتفاقاً مهماً حول مياه النيل وسد النهضة

السيسى دعا الى جعل نهر النيل محوراً للتنمية والتعاون

السيسى اختتم زيارته الى اثيوبيا بالدعوة الى التصدى للقوى الطامعة ببلادنا

الرئيس السيسى : خطر الارهاب يفرض علينا التعاون لمواجهته

الرئيس السودانى : السودان لن يكون منطلقاً لأى عمل عدائى ضد مصر

           
    وقع الرئيس السوداني عمر البشير ونظيره المصري عبدالفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإثيوبي هايلي مريام ديسالين في القصر الرئاسي في العاصمة السودانية الخرطوم وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة في اتفاق تاريخي أنهى جزءا كبيرا من خلافات السد الإثيوبي التي ظلت مثار جدل طوال الفترة الماضية. 
وجرى توقيع الاتفاق وسط حضور أفريقي وعربي، وقال الرئيس السوداني الذي ضيفت بلاده الحدث إن بلاده ملتزمة بالاستمرار في التفاوض للوصول إلى اتفاقيات تفصيلية لاستكمال وثيقة إعلان مبادئ السد، تضمن عدم الضرر بمصالح بقية الشعوب. وأوضح البشير أن "التوقيع على هذه الاتفاقية تاريخي غير مسبوق، في إطار العلاقات الأزلية بين شعوبنا ودولنا الثلاثة". وتابع، "حكومة السودان وضعت في مقدمة أهداف سياستها دعم وتنمية وتطوير العلاقات الأزلية مع أشقائها في دول حوض النيل، فالعلاقات ترتبط بالتاريخ والحضارة". 
ومن جانبه، أشار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، إلى أن توقيع الوثيقة خطوة أولى، تحتاج إلى اتفاقيات تفصيلية أخرى، ونتطلع إلى أن يتحول إلى حقائق ملموسة في أسرع وقت. 
وأوضح السيسي أنه من الممكن أن "نوقع اتفاقيات كثيرة، ولكن يبقي الأساس في أي اتفاق هو الاستعداد لتنفيذ هذا الاتفاق". 
وأشار إلى أنه "إذا كان يمثل النيل وسد النهضة لإثيوبيا مصدرا للتنمية، فالنيل بالنسبة لمصر مصدرا للمياه بل للحياة". 
ودعا الرئيس المصري إلى جعل نهر النيل محور للتعاون والإخاء والتنمية والرخاء من أجل شعوب دوله، التي تتطلع وتعلق أمالا كبيرة على بزوغ فجر جديد ومستقبل واعد من خلال الخطوة الأولى التي نخطوها معا من خلال تحقيق التقارب والتفاهم والمصالح المشتركة، وذلك من خلال التوقيع على اتفاق المبادئ الخاص بالتعاون بين مصر وإثيوبيا والسودان حول مشروع سد النهضة. 
وأكد السيسي، أن هذا المشروع مصدر تطلعات وشواغل شعوبنا الثلاثة على مدى السنوات الماضية، مشددا على أن مصر ليس لديها تحفظات على مشروعات التنمية في اثيوبيا المرتبطة بسد النهضة بشرط مراعاة حقوق مصر المائية. 
وقال السيسي "أحدثكم اليوم من أرض السودان الذي كان ومصر وطنا واحدا وأضحي بلدا شقيقا عزيزا ظلت محبته في قلب كل مصري، قيمة كبيرة لكل المصريين وبلدا ثانيا.. أود في البداية أن أوجه الشكر والتقدير الخالص للرئيس السوداني عمر البشير على استضافة هذه المناسبة المهمة غير بعيدة عن نهر النيل الخالد هذا النهر الذي وهبه الخالق لشعوبنا لنبي عليه حضارة الشعوب".
هذا وأكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن اتفاق إعلان المبادئ حول سد النهضة الذي تم التوقيع عليه في الخرطوم بينه وبين الرئيس السوداني عمر البشير ورئيس الوزراء الاثيوبي هيلا ماريام ديسالين يمثل خطوة ايجابية على الطريق الصحيح للتعاون بينهما فيما يتعلق بنهر النيل. 
وقال السيسي في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإثيوبي عقب مباحثاتهما في أديس ابابا ونقله التليفزيون المصري "اتطلع إلى التعاون بين الشعبين المصري والاثيوبي من خلال حديثي أمام البرلمان الاثيوبي، داعيا إلى تطوير عمل اللجنتين الوزاريتين بين البلدين في شتى مجالات التعاون". 
وأضاف السيسي "إننا نحاول من خلال الإجراءات إلى تعزيز الثقة وإزالة الشكوك من نفوس البعض". 
ووجه الرئيس السيسي، التحية والشكر للجانب الإثيوبي على حفاوة الاستقبال، وأضاف أنه تناول مع الرئيس الإثيوبي سبل تعزيز العلاقات بين البلدين، وتبادلنا وجهات النظر حول خطر الإرهاب الداهم الذي يمثل تحديا لنا وكيفية مواجهته والقضاء عليه حتى نحمي حاضرنا ومستقبلنا. 
وأوضح الرئيس أنه اتفق مع الرئيس الإثيوبي على تطوير اللجنة الوزارية المشكلة من مصر وإثيوبيا في التعاون في المجالات المختلفة، لمستوى أعلى على مستوى القيادة السياسية وتلتقي بشكل دوري تحت إشرافي وإشراف رئيس الوزراء الإثيوبي. 
من جهته، أكد إبراهيم محلب رئيس الوزراء المصري أن التوقيع على اتفاق المبادئ حول سد النهضة، سيسهم في تدعيم المحبة والتعاون بين دول حوض النيل وتعزيز التنمية فيها، مشيرا إلى أن الرئيس عبدالفتاح السيسي بعث من خلال توقيعه على الاتفاق برسالة حب إلى جميع دول حوض النيل. 
وقال السفير علاء يوسف، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة في بيان إن إعلان المبادئ، الذي تم التوقيع عليه في الخرطوم، يحافظ على كل حقوقنا المائية ويتسق مع القانون الدولي بما يتعلق بالأنهار.
من جانبه وصف رئيس الوزراء الاثيوبي زيارة الرئيس المصري الى بلاده بأنها شهادة على عمق العلاقات بين البلدين، معرباً عن اعتقاده بوصول البلدين الى قدر من الثقة والتفاهم اللذين سوف يستمران بهما سويا على هذا النهج. 
وأضاف إن الارهاب يعد اخطر القضايا والتهديدات التي تحدق بنا الآن ونحن سنعمل سويا لمكافحة الارهاب حتى نضمن الامن والاستقرار لدولنا ودول القارة وأن نجعل هذه المنطقة والقارة خالية من الإرهاب. 
والتقى الرئيس السيسي، بعدد من رجال الأعمال المصريين والإثيوبيين، وذلك بحضور رئيس الوزراء الإثيوبي، الذي حرص على حضور اللقاء، تعبيراً عن اهتمامه بتنمية وتشجيع الاستثمارات المصرية في إثيوبيا وزيادة أنشطة الأعمال المصرية فيها. 
وقد أعطى الكلمة في مستهل اللقاء لرئيس الوزراء الإثيوبي، الذي شكر الرئيس على هذه اللفتة الطيبة، منوهاً إلى أن تنظيم هذا اللقاء يعد بمثابة رسالة قوية لرجال الأعمال من البلدين تدلل على مدى الاهتمام الذي توليه القيادات السياسية لدفع التعاون الاقتصادي قدماً.
ونوَّه السيسي بالاتفاق الذي تم بين البلدين على ترفيع مستوى اللجنة المشتركة بينهما لتصبح على مستوى القمة بالإضافة إلى عقدها سنوياً بالتناوب بين البلدين، مؤكداً أن التعاون على مستوى القادة سيساهم بفاعلية في تجاوز سنوات الفتور في العلاقات والتدشين لحقبة جديدة من الصداقة والتعاون المثمر، ما سيكون له أكبر الأثر في تطوير الاستثمار والعلاقات التجارية بين البلدين. 
وأضاف أن كلا من مصر والسودان وإثيوبيا تمثل مجتمعة سوقا ضخمة تناهز 250 مليون نسمة، وتتمتع بفرص استثمارية ضخمة، مشيرا إلى إمكانية تصدير المنتجات الزراعية الإثيوبية من المراكز اللوجستية الجاري تنفيذها في مصر.
واختتم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي زيارته، إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وصفها دبلوماسيون ومراقبون سياسيون بـ«الناجحة»، التي تمهد الطريق الشائك للعلاقات بين البلدين، لكنهم في الوقت ذاته أكدوا أن الطريق للوصول إلى حلول نهائية فيما يتعلق بسد النهضة، ما زال طويلا وشاقا، وصولا إلى اتفاقية دولية ملزمة. 

وخلال كلمته التي وصفت بـ«التاريخية» أمام البرلمان الإثيوبي، دعا الرئيس السيسي الشعب الإثيوبي إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات مع مصر، وقال: «إننا بحاجة إلى مد بناء جسور الثقة بين البلدين.. ومسؤولية بناء أواصر الثقة تقع على عاتق المثقفين والسياسيين لأنهم قادة الرأي والفكر»، مشددا: «علينا الوقوف في وجه القوى الطامعة في بلادنا».
وأكد الرئيس المصري، في الكلمة التي استغرقت أكثر من 20 دقيقة: «مستعدون لتحمل مسؤوليتنا التاريخية تجاه قارتنا الأفريقية، وحان الوقت كي تتحقق نبوءة ومساعي الزعيم الأفريقي كوامي نكروما (رئيس غانا الأسبق، أحد أبرز دعاة الوحدة في أفريقيا خلال الخمسينات من القرن الماضي)»، مؤكدا أن «مصر الجديدة تحرص على تعزيز علاقتها الوطيدة مع إثيوبيا». وأضاف: «نحن بحاجة إلى بناء جسور الثقة، وأحمل لكم رسالة إخوة وأيادي ممدودة بالخير، ونريد أن نصنع مستقبلا واعدا ونساعد معا في إحياء نفوس بريئة».
وقوبلت كلمة السيسي بعاصفة من التصفيق من جانب النواب الإثيوبيين، خصوصا أنه استعان بمقولة لرئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ميليس زيناوي قائلا: «ولا يفوتني في هذا المقام إلا أن أشير إلى ما ذكره الراحل العظيم ميليس زيناوي خلال زيارته للقاهرة، عندما قال إن نهر النيل يعد بمثابة الحبل السري الذي يربط بين مصر وإثيوبيا، وهو ما يؤكد أن تدفق مياه النهر ما بين المنبع والمصب ما هي إلا حصص إلهية قدرها الله لنا جميعا».
ويرى مراقبون ودبلوماسيون أن السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي هيلاماريام ديسالين نجحا في «جسر فجوة» في العلاقات تسببت في جفاء على مدار أكثر من عام منذ تأزمت أزمة سد النهضة عقب واقعة شهيرة، حين جرى بث اجتماع للرئيس المصري الأسبق محمد مرسي مع عدد من السياسيين في مصر على الهواء مباشرة، تضمنت تهديدات مباشرة للجانب الإثيوبي.. وهو ما تسبب في تأجيج الموقف الثنائي، وتصلب في موقف أديس أبابا في المفاوضات حول سد النهضة، لاعتبارها التهديدات أمرا لا يجوز على سيادتها، بحسب المراقبين.
لكن المشهد، شهد تغيرا كبيرا عن ذلك، وظهر قدر أكبر من المرونة والنيات الحسنة من الطرفين. وقال وزير الخارجية المصري الأسبق محمد العرابي : «بدأنا عملية بناء الثقة.. بدأت العملية فعلا وبنيات صادقة من الطرفين؛ وبالذات من الناحية المصرية. وهذا يعتبر تمهيدا استراتيجيا من مصر لبداية مفاوضات شاقة وطويلة حول الجوانب الفنية لسد النهضة».
وأشار السفير العرابي إلى حفاوة الاستقبال من الجانب الإثيوبي للرئيس المصري، لكنه أكد في الوقت ذاته: «ما زالت هناك مفاوضات شاقة وطويلة حول السد. لكن المتغير الأبرز هو أن مصر للمرة الأولى، وعلى مستوى القيادة، تعترف بحق الجانب الإثيوبي في التنمية، وهذا في حد ذاته أمر مريح لهم.. لكن في النهاية أمامنا وقت طويل لتحقيق الطرف الثاني من المعادلة وهو حقنا في الحياة».
ويتفق الدكتور مصطفى علوي، أستاذ العلوم السياسية مع رؤية السفير العرابي، قائلا «بالتأكيد أن الزيارة وما ترتب عليها واتفاق المبادئ الذي سبقها في الخرطوم وجرى التوقيع عليه من قبل مصر وإثيوبيا والسودان؛ كلها أمور تضع العلاقات الثنائية المصرية - الإثيوبية في وضع أفضل مما كانت عليه وحققت إيجابيات.. لكن في الوقت نفسه، مسألة أن هذا اتفاق مبادئ، بمعنى أن النصوص غير محددة بشكل قاطع أو واضح، بالتالي يحتاج الأمر إلى تطوير اتفاق المبادئ إلى ما يصل إلى معاهدة أو اتفاقية دولية».
وتابع الدكتور علوي: «في تقديري أن المرحلة القريبة القادمة تحتاج مزيدا من التفاوض والمناقشات لتحويل الاتفاق الموقع وترجمتها إلى معاهدة واضحة المضامين والنصوص تحدد الالتزامات والتعهدات بشكل سليم وملزم وواجب النفاذ والاحترام بلغة القانون الدولي».
وعن واقعة الاجتماع الرئاسي إبان حكم الرئيس الأسبق مرسي، التي تسببت في جانب من الأزمة، ومقارنتها بالوضع الحالي على الأرض، يشير الدكتور علوي إلى أن «ما حدث وقت الاجتماع وقيل فيه كلام غريب ولا يتوقع من دولة مثل مصر، وكان يعكس حالة من عدم الخبرة السياسية وعدم القدرة على إدراك الأمور على نحوها السليم في عالم السياسة. وبالتالي، حين نقارن بين الموقفين، آنذاك والآن، فهناك نقلة نوعية وكبيرة، خصوصا أن الرئيس السيسي قام بزيارة إلى أديس أبابا صبيحة توقيع اتفاقية الخرطوم، وتبادل كلمات إيجابية للغاية من الطرفين المصري والإثيوبي فيما يتعلق بأهداف الدولتين. وأهمها الرغبة المتبادلة في إحداث نقلة نوعية في العلاقات الثنائية، وهو ما ظهر جليا في كلمات قائدي البلدين؛ الرئيس المصري، ورئيس الوزراء الإثيوبي، رئيس السلطة التنفيذية في إثيوبيا».
من جانبه أكد الرئيس السوداني عمر البشير أن بلاده لا تسمح بأن تنطلق أي مجموعات من السودان للإضرار بمصر. 
وقال في مقابلة نشرتها صحيفة "اليوم السابع" المصرية بالتزامن مع زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للخرطوم "نؤكد أننا لن نسمح بأي عمل عدائي ينطلق من السودان تجاه مصر أو أي دولة أخرى، ونحرم الأراضي السودانية على أي مجموعات تحاول أن تتخذ من السودان موطئ قدم". 
وشدد على ضرورة التعاون بين الأجهزة وتبادل المعلومات والخبرات والحفاظ على الأمن. 
وحول التعاون على الحدود قال "من المهم وجود تعاون لتأمين حدودنا المشتركة الممتدة لمساحات واسعة وأن يكون لدينا كل المعلومات عن التحركات على الحدود المصرية، وهم يمدوننا بأي معلومات للتحركات على الحدود السودانية، وبالتالي فإننا نؤمن بعضنا البعض، لأنه من الممكن أن يدخل عنصر إلى السودان من خلال مصر، أو إلى مصر من خلال السودان". 
وفي شأن ما تردد عن رفض السودان لطلب مصري بتسليم عدد من المطلوبين أمنيا قال "الأمن المصري لم يطلب ذلك لأنه أصلا لا وجود لهؤلاء على الأراضي السودانية، فكل هذه الأمور مصدرها الإعلام فقط، وليس لها أي وجود لدى السلطة المصرية". 
وأضاف "الحقيقة أقول بكل أسف.. الإعلام المصري هو إعلام مدمر للعلاقة، ويحاول أن يخلق صورا للمواطن المصري ويبنى عليها تحليلات".
فى مجال آخر أكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أن الدين الإسلامي الحنيف لن يعز بسفك الدماء ولا بالمفسدين بالأرض، مشددا على ضرورة الثورة على الأفكار الخاطئة المنسوبة للدين، وطالب الرئيس السيسي خلال مقابله مع إذاعة القرآن الكريم بثتها يوم الأربعاء المسلمين كافة بالنظر إلى الأمور التي تحدث حولهم بسبب الأفكار الخاطئة التي يحاول البعض ربطها بالدين الإسلامي وهو بريء منها، وشدد السيسي على أهمية التصدي لدعوات الغلو والتطرف وكافة الدعاوى المغلوطة والأفكار الهدامة التي يحاول "الإرهابيون والمتطرفون فكريا إلصاقها بالدين الإسلامي خلافا لكافة مبادئ الدين الإسلامي"، وأكد السيسي في حواره أن مصر بحاجة إلى ثورة دينية؛ وقال إن العالم الإسلامي يحتاج إلى وقفة مع النفس وثورة من أجل الدين وليس على الدين لتصحيح المفاهيم المغلوطة عنه، وتابع أن هناك مسؤولية تقع على عاتق المسلمين إزاء الدين يتعين أن يتحملوها بصدق وأن يؤدوا الأمانة إزاء هذا الدين العظيم، عبر التصدي بكافة الوسائل الممكنة للمحاولات الآثمة التي تستهدف تشويهه واستغلاله لخدمة أهداف مغايرة لصحيح الدين.