فى ذكرى المولد النبوى الشريف

مفتى الجمهورية اللبنانية يدعو اللبنانيين للخروج من المأزق لانقاذ وطنهم المهدد

الشيخ عبد الأمير قبلان يدعو إلى الابتعاد عن الفساد والمنكر

الكاردينال الراعى يشجع على الحوار والاتفاق على الوفاق وكسر الجمود

المطران عودة : رسالتنا إرساء السلام والعمل على تطوير المجتمع والدولة

     
      
       اعلن مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان ان وطننا في أزمة بسبب صراع الجوار وتأخر انتخاب رئيس الجمهورية، وتردي الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقال وطننا مهدد ونظامنا السياسي مهدد... ونحن وحدنا القادرون على تنظيم امور الخروج من المأزق. 
ووجّه المفتي دريان رسالة بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف جاء فيها: 
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي من علينا بالإسلام، واصطفى لنا نبينا محمدا خير الأنام، فأزال به الجهل، وأضاء به الظلام، ووصفه تعالى بقوله: وإنك لعلى خلق عظيم، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: يقول المولى تبارك وتعالى في محكم تنزيله: 
يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا. سورة الأحزاب، الآيات: 45 - 48. 
تتجدد البشرى كل عام بمولد النبي الخاتم، الذي وصفه الله سبحانه وتعالى بثلاث صفات في آيات سورة الأحزاب: أنه الشاهد، وأنه البشير، وأنه النذير. أما رسالته العامة، فقد جاءت في قوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. سورة الأنبياء، الآية: 107. 
وتحل البشرى هذا العام مقترنة بذكرى مولد المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه عليه، ليتشارك أهل الدعوة الإبراهيمية، وهم معظم بني الإنسانية، يتشاركون في هذا الخير، وهذه النعمة التي أنعم بها المولى عز وجل عليهم، ويطمحون لتقاسمها مع سائر بني آدم خيرا وبرا ورحمة وفلاحا وشهادة للحياة الحرة الكريمة. كل هذه المعاني أوجزها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في قوله: إنما أنا رحمة مهداة. 
إن هذه الرؤية الإلهية لطبيعة الدعوة والرسالة، تستنهض وعي المؤمنين، كل المؤمنين، لتمثل معاني البشرى والرحمة والشهادة. 
فالله سبحانه وتعالى يخاطب نبيه قائلا: وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون، سورة الزخرف، الآية: 44. نعم، إن البشرى والشهادة معا تقتضيان المسؤولية. فما دمنا قد قبلنا الدعوة وبشراها، فإنه يترتب عليهما مسؤوليات الالتزام، تجاه أنفسنا وتجاه الآخرين، كل الآخرين. ذلك أن أمة الاستجابة مسؤولة عن تحقيق المقتضيات الذاتية، والأخرى العامة تجاه بني البشر. وهذه الالتزامات تتصل أول ما تتصل - كما سبق القول - بالوعي الضروري بالتضامن والتواد والتآخي، كما تتصل بالواجبات القريبة تجاه مجتمعاتنا وأوطاننا، وتتصل آخرا بما نقدمه للعالم بأنفسنا، وعن أنفسنا وأمتنا وديننا. يقول حامل الدعوة والبشرى: مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. 
ولا بد هنا من القول: إن جسد الأمة اليوم يعاني من شكاوى وجراحات هائلة. وهي شكاوى وجراحات تشعر واقعا بأن هذا الذكر الذي أخبرنا الله سبحانه وأنذرنا بأننا نحن قوم النبي مسؤولون عنه، يتطلب الإسراع في النظر والمراجعة والمعالجة. فقد حلت محل التضامن والمودة العداوات والقتل والقتال. وحل محل الوحدة التسارع إلى الشرذمة والفرقة. وكل قوم بما يقومون به من مشاركة في هذه المقتلة الهائلة، فرحون ومعتزون ومصرون على الاستمرار، ومؤمنون بالانتصار، وعلى من؟ على أنفسهم وبني قومهم وأبناء جلدتهم. في الوعد الإلهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين ببشارته لهم فضل كبير: فهل يكون الفضل بالقتل، وهل يكون الفضل بإهلاك المجتمعات والأوطان والإنسان ؟ ماذا نقول لقرآننا ونبينا عن زهاء الخمسة عشر مليون مهجر في سوريا والعراق وليبيا والسودان واليمن والصومال، لا يجد أطفالهم ونساؤهم وشيوخهم ملاذا ولا كساء ولا غذاء في هذا الشتاء القارس؟ بل ماذا نقول عن نصف مليون قتيل عربي في أقل من خمس سنوات، وأكثر من مليون مصاب، وبلدان تهلك، ودول تتحطم، ومعظم ما يحصل إن لم يكن كله بأيدي عرب ومسلمين، يذكرهم القرآن بقوله تعالى إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، سورة الأنبياء، الآية: 92. 
لقد اعتدنا على الصراخ أن القدس يضيع، والشعوب تهلك، والعالم يتفرج. لكن أين مسؤوليتنا نحن الذين صرنا نخيف العالم، ونخافه، ثم نعجز عن وقف سيول الدم والخراب، في غياب العالم أو حضوره. 
أيها الإخوة، أيها المواطنون، أيها العرب: في ذكرى مولد محمد نبي الرحمة، وعيسى رسول المحبة، يكون علينا الاعتراف أن هذا الداء العياء، داء القتل باسم الدين والمذهب، نازلةٌ كبرى، كادت البشرية تنساها، حتى ذكرها بها بعض المعاصرين في شرقنا. نعرف أن الطغيان السياسي قتل ويقتل، ونعرف أن العصبيات القومية قتلت وتقتل. لكن الجديد علينا، وربما على العالم، هذا القتل الذريع باسم السنة والشيعة، وباسم إحقاق هذا المذهب أو ذاك، أو إقامة هذه الدولة القاتلة أو تلك. ويعتذر كل طرف بأن الآخر هو البادئ أو هو المعتدي. ما كانت دعوة نبينا، إلا دعوة للحياة بالرحمة والتراحم، وبالعيش المشترك بل الواحد، فكيف صارت دعوة الكرامة الإنسانية هذه، داعية - ومن جانب بعض شباننا وأحزابنا - للقتل والموت، وباسم ماذا؟ باسم التكفير المتبادل، والإهلاك المتبادل. 
لقد أخبرنا القرآن الكريم أن هناك أمرين اثنين، لا يصبر عليهما أي إنسان مهما بلغ به الضعف والهوان: القتال والقتل باسم الدين أو على الدين، والتهجير من الديار. 
قال عز وجل: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، سورة الممتحنة، الآية: 8. 
وهذان الأمران يحدثان عندنا بالضبط في السنوات الأخيرة: يقتل أحدنا الآخر باسم الدين، أو يهجره من بيته ومزرعته ووطنه من أجل الغلبة والسيطرة والطغيان، كما يفعل الصهاينة في فلسطين، وفي الحالتين: الدين والاستيطان. 
إن الحديث العام هذا ليس المقصود به تجهيل الفاعل حتى لا يزعل أو يغضب أحد. فالمتقاتلون معروفون. والقتلة باسم الدين والمذهب، ومن أجل السطوة والغلبة معروفون. وهذه حروب داخلية وأهلية لا غلبة فيها لأحد. بل هي بمثابة هلاك جماعي. والآية القرآنية في النهي عن القتل من اجل الدين أو للاستيلاء على الديار، كان سبب نزولها الضرب على أيدي الذين يفعلون ذلك من المسلمين تجاه ذوي الدين المختلف، أو ديار النزاعات. إن القرآن الكريم يطلب منا اتباع نهج البر والقسط في الحالتين. والبر هو المودة والتعامل الحسن. والقسط هو العدل والإنصاف. فيا أيها الإخوة الأعداء، وبمناسبة المولد النبوي، هذا نداء قرآني بل أمر قرآني بأن تتبعوا تجاه الآخرين، وتجاه أنفسكم نهج البر والقسط، نهج المودة والعدل: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم، صدق الله العظيم، سورة فصلت، الآيتان: 34 و35. 
أيها الإخوة، أيها اللبنانيون: يحل علينا المولدان، مولد عيسى ومولد محمد صلوات الله وسلامه عليهما، ووطننا في أزمة تتفاقم، بسبب الصراع في الجوار الملتهب، وتأخر انتخاب رئيس للجمهورية، وتردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وطننا مهدد، ونظامنا السياسي مهدد. ويدعي القريب والبعيد الحرص على إخراجنا من المأزق. ونحن وحدنا بعيشنا المشترك، وبتجربتنا الطويلة في العيش معا، وفي القدرة على التحاور والتوافق، مهما تفاقمت الخلافات، نحن وحدنا القادرون بالإرادة الحرة والقوية، على تنظيم أمور الخروج من المأزق، وأي تأخر أو تردد أو رهان سيزيد من صعوبات الوصول إلى حلول تنقذ لبنان واللبنانيين. 
أسأل الله سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم، وفي ذكرى المولد النبوي الشريف، ودعوة الهدى والنور والرحمة أن يضيء قلوبنا جميعا بنور المحبة والتسامح والسكينة، وأن يوفقنا جميعا للعمل الخالص والمخلص من أجل سلام وسلامة إنساننا ووطننا ودولتنا، وأن يطمئننا وأهالي العسكريين المحتجزين إلى سلامهم وسلامتهم وخلاصهم. 
اللهم في ذكرى مولد محمد اليتيم الذي آويته، والعائل الذي أغنيته، والضال الذي هديته، ارحم ضعفنا وضعفاءنا، ارحم ملايين الأطفال المشردين والجوعى وفاقدي الأهل، وأدخلهم وأدخلنا في عهد سكن وسكينة وسلام، وأمن ومرحمة واطمئنان. 
اللهم إني أدعوك بدعاء محمد الذي أخرجته مكة وما آوته الطائف: يا رب، أنت رب المستضعفين، إلى من تكلنا، إلى بعداء يتجهموننا أم إلى أعداء ملكتهم أمورنا. إنا نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بنا غضبك، أو يحل علينا سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك. 
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين، سورة البقرة، الآية: 286. وكل عام وأنتم بخير بالميلاد والمولد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والقى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان خطبة الجمعة التي استهلها بالقول: علينا ان نتذكر الماضي ونحاسب انفسنا عن كل هفوة اجتاحتنا، وبلاء اصبنا به، فنفتح صفحة جديدة للمستقبل وننسى الماضي بعلاته وويلاته ومصائبه، نستقبل السنة الجديدة والايام القادمة بصدق واخلاص ومحبة ونعمل لنضع على صفحاتها تاريخا مضيئا وجديدا بحياتنا. 

ورأى قبلان: ان الشعوب يجب ان تعود الى تعاليم الانبياء والى خاتم الرسل محمد لتتعلم منه اسلوب الحياة والاعتراف بالاخرين ليكون الحوار قائدنا في هذا المضمار لينجح الانسان بحياته الدنيوية والاخروية من بر ومحبة، اسلامنا غريب فعلينا ان نعود اليه ونبتعد عن الغربة ونتمسك بالفضيلة وبالخلق المستقيم ونبتعد عن ما يضر ونتعاون ونتشاور ونتحاور. 

وشدد على ضرورة ان نتقبل بعضنا في لبنان وان نجمع الكلمة ونلم الشمل ونبتعد عن الضلالة والبغي وان نتمسك بوحدة الوطن والتعاون مع الاخرين والاعتراف بهم ونبني جمهورية تبتدئ بانتخاب رئيس جديد للجمهورية ونتعاون معه لنحمي الوطن من كل فساد، ان لبنان بحاجة الى ان نتواضع لبعضنا البعض ونكون اخوة متماسكين متحابين متعاونين، لبنان بحاجة الى ملء الفراغ في مؤسسات الوطن ابتداء من انتخاب رئيس للجمهورية، ونحن بحاجة لنكون في رحاب الله متواصلين، فابتعدوا عن الفساد والبغي والمنكر واجتمعوا على المعروف والبر والاحسان انصفوا الناس من انفسكم والله ينصركم ان نصرتم انفسكم واتقوا الله ان الله شديد العقاب. 

واشار قبلان الى ضرورة عودة العالم العربي الى الدين الاسلامي الصحيح لنعيده من غربته بعد انتشار جماعات شوهت الدين وفتكت بالحجر والبشر. 
من جهة ثانية قال الشيخ قبلان نفتقد رجلا من رجال الدولة مباركا وقامة وطنية مستقيمة باعتداله وانصافه ومحبتة واحترامه هو الرئيس عمر كرامي، هذا الرجل الوطني الذي حمل هم الوطن وهم شعبه نعزي اهله ونعزي لبنان بفقده، لان هذا الرجل كان مثالا لكل خير وبر واعتدال واستقامة. رحم الله الرئيس عمر كرامي واسكنه فسيح جنانه وجعله مع المخلصين الصادقين.
وترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس رأس السنة في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، عاونه فيه المطارنة بولس الصياح، عاد ابي كرم وحنا علوان، والإكسرخوس سيمون فضول ولفيف من الكهنة. 

بعد الانجيل المقدس، ألقى الراعي عظة قال فيها: اليوم بعيد اسم يسوع، الذي أعطي له عند ختانته بعد ثمانية أيام من ميلاده. وهو الاسم الذي أعلنه الملاك لمريم، ثم ليوسف مع تفسيره اللفظي أي الله الذي يخلص شعبه من خطاياهم متى 1: 21. 

إختار الطوباوي البابا بولس السادس اليوم الأول من السنة ليكون اليوم العالمي للسلام. وهي السنة الثامنة والأربعون لهذا التأسيس. وجه قداسة البابا فرنسيس للمناسبة، كعادة البابوات، رسالة بموضوع: لستم بعد الآن عبيدا، بل أخوة. يتخذ هذا الموضوع عمقه من اسم يسوع لأنه يحرر الإنسان من عبودية الخطيئة والشر، ومن العبودية للذات وللناس، وبالتالي يحرر من الظلم والقهر والاستبداد، ومن كل ما ينتهك قدسية الحياة وكرامة الشخص البشري، أو يعتدي على حقوقه ومصيره، أو على جسده وممتلكاته. 

أضاف: يسعدنا أن نحتفل معكم بهذه الليتورجيا الإلهية، وأن نقدم لكم أخلص التهاني والتمنيات للسنة الجديدة 2015، راجين من المسيح الرب أن يجعلها سنة أخوة وسلام، وسنة تحرير من الخطيئة والشر، ومن كل العبوديات، بنعمة سر التوبة والمصالحة. وفيما نشكر الله على سنة 2014 وعلى ما أغدق علينا فيها من خير ونعم، فإنا نستغفره عن الخطايا والشرور التي ارتكبناها نحن وسوانا، عاقدين القصد على حياة أفضل بنعمة يسوع المسيح. 

وقال: إذ نصلي من أجل إحلال السلام في بلدان الشرق الأوسط، نلتمس من المسيح الرب، أمير السلام، أن يكلل بالنجاح المساعي الرامية إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية في مطلع هذا العام الجديد، وإلى توطيد الاستقرار في لبنان. لقد بدأ الجميع يشعر بالحاجة الملحة إلى رئيس للبلاد، إذ بدونه يتعطل عمل المجلس النيابي، ويتعثر عمل الحكومة، وتتأثر سلبا مسيرة الدولة السياسية والاقتصادية والمالية والأمنية والاجتماعية. هذا التراجع السلبي يزعزع لبنان كوطن له كيانه وقيمته الحضارية وخصوصيته التي تميزه بتكوين مجتمعه التعددي وميثاقه وصيغته وخبرته التاريخية ونموذجية العيش معا، مسيحيين ومسلمين، ورسالته في محيطه العربي. ولذا، نحن نشجع ونبارك مبادرات الحوار بين مختلف الأطراف السياسية في لبنان، لكسر الجمود، وإزالة التشنج، وبدء خطوات متبادلة ومشتركة لإيجاد الحلول للمعضلات الراهنة السياسية والاقتصادية والأمنية. ونصلي على هذه النية. 

أضاف: في هذا اليوم الأول من السنة الجديدة، نشارك الكنيسة الجامعة في الصلاة من أجل إحلال السلام في القلوب والعائلات، في الكنيسة والمجتمعات والدول. وبما أننا سنحتفل رسميا بقداس يوم السلام في الأحد المقبل، فنرجئ إليه التأمل في مضمون رسالة قداسة البابا فرنسيس للمناسبة. فنتأمل الآن في مفهوم السلام عموما، وفي مقتضياته. 

وقال: السلام يبدأ أولا سلاما في نفوسنا، في داخلنا، وهو العلاقة السليمة مع الله من خلال فضيلة التدين والانتصار على الميول المنحرفة. أما السلام الخارجي فقائم على نظام طبيعي أوجده الله الخالق على المستوى الكوني، وعلى مستوى العلاقات بين البشر، أفرادا وجماعات. إنه نظامٌ مؤسسٌ على الحقيقة ومبنيٌ بحسب العدالة، ومكملٌ بالمحبة، ومنفذٌ بالحرية. على هذه الأسس الأربعة يقوم السلام كعلاقة العيش معا البابا يوحنا الثالث والعشرون: سلام على الأرض، 87-89. ومعلوم أن لا سلام يقوم بين الناس، طالما هناك أناس يشوهون الحقيقة ويمتهنون الكذب والتجني والنميمة؛ ولا سلام حيث تنتهك العدالة بالظلم والاستبداد وإهمال الواجبات تجاه الآخرين وانتهاك حقوقهم؛ ولا سلام عندما تنطفىء المحبة والمشاعر الإنسانية والرحمة في القلوب، ويسود الحقد والضغينة؛ ولا سلام حيث العبودية والاستعباد والسيطرة على حرية الآخرين. 

أضاف: السلام خير كبير من الله للبشر، ولكل إنسان، ينبغي المحافظة عليه وتعزيزه وحمايته، لكي يعيش الجميع في الطمأنينة والعيش السعيد. لكن هذا غير ممكن من دون المسيح، أمير السلام. 

وتابع: السلام هو ثمرة العدالة بوجوهها الأربعة: العدالة التبادلية التي تنظم تبادل الحقوق والواجبات بين الأشخاص والمؤسسات؛ والعدالة التوزيعية التي تلزم المؤسسة والدولة بتأدية واجباتها تجاه العاملين والمواطنين وفقا لمساهماتهم وحاجاتهم؛ والعدالة القانونية التي تلزم المواطن بإيفاء ما يتوجب عليه تجاه الجماعة والمؤسسة والدولة؛ والعدالة القضائية التي تقتضي من المحاكم إعلان حقوق المتداعين والواجبات، بتطبيق القانون على الواقع وقول كلمة الحق والعدالة الفاصلة، بعيدا عن أي ضغط خارجي. 

وقال: السلام هو ثمرة إنماء الشخص البشري والمجتمع، على ما قال الطوباوي البابا بولس السادس: الإنماء هو الاسم الجديد للسلام رسالته العامة: ترقي الشعوب، 87. فالسلام يمر عبر الإنماء الشامل الروحي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ونتساءل: كيف يمكن أن يعيش بسلام من هو في حالة فقر روحي واقتصادي؟ أو من هو في مجتمع يعاني من حرمان في مقوماته الأساسية كالماء والكهرباء والطريق والأمن الغذائي؟ أو الشخص الذي لا يتوفر له العلم والمعرفة والتربية من أجل تحقيق ذاته؟

وترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عوده قداس رأس السنة في كاتدرائية القديس جاورجيوس في ساحة النجمة، في حضور حشد من المؤمنين. 

بعد الإنجيل ألقى عوده عظة قال فيها اليوم نفتح صفحة جديدة من تاريخ حياتنا وقد طوينا بالأمس الورقة الأخيرة من السنة المنصرمة، التي لم تحمل لنا الكثير من الخيرات والإيجابيات، لكننا نشكر الله دوما وعلى كل شيء ونرفع الدعاء له باستمرار كي يسكن قلوبنا ويبارك حياتنا وينير دربنا، لكي لا نقترف الآثام ونقع في الخطايا. واليوم خاصة وفي نهاية القداس الإلهي سوف نرتل يا مبدع الخليقة بأسرها يا من وضعت الأوقات والأزمنة بذات سلطانك بارك إكليل السنة بصلاحك يا رب واحفظ بالسلام الحكام ومدينتك بشفاعات والدة الإله وخلصنا. كما سنسأله أن يؤهلنا لنجوز هذه السنة المقبلة بسيرة مرضية لعزته الإلهية مرشدا إيانا بصلاحه ومسهلا لنا مناهج الخلاص. كما سنسأله أن يوطد روح السلام في العالم أجمع. 

أضاف: إلهنا إله المحبة والسلام لا إله الحقد والبطش والسيف. قال الرب يسوع كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون متى 26 52. لذلك ترى المسيحية أن أي حرب باسم الدين هي حرب ضد الدين. المسيحية دين المحبة والتسامح والإنفتاح وقبول الآخر دين الحرية التي خلق الله الإنسان عليها. نحن بالنعمة مخلصون. الرب افتدانا جميعا لكننا نخلص بملء حريتنا بقبولنا دعوة الله لنا. الدعوة عامة لكن الإستجابة هي التي تجعلنا من المختارين. لذلك يقول الرب إن المدعوين كثيرون والمختارين قليلون. 

وتابع: لقد سمعنا في إنجيل اليوم أن العذراء والدة الإله ويوسف كانا يفتشان عن يسوع وقد أضاعاه في طريق عودتهما من أورشليم بعد العيد ولما وجداه وقالا له كنا نطلبك متوجعين قال لهما لماذا تطلبانني. ألم تعلما أنه ينبغي لي أن أكون فيما هو لأبي. هذا يجب أن يكون جواب كل مسيحي. المسيحي الحق هو أولا وقبل كل شيء تلميذ أمين لمعلمه لإلهه للرب يسوع المسيح الذي أتى ليخلص الخطأة الذين أنا أولهم كما قال بولس الرسول. من وعى هذه الحقيقة ولبس المسيح وحفظ وصاياه يغرق في أنوار هذا السيد الظافر بمحبته ويتخلص من آلامه وبؤسه وخطاياه ويرنو إلى الخلاص المعد لنا سلفا بيسوع المسيح. الله خلق الإنسان كل إنسان على صورته ومثاله. لذلك نحن نؤمن أن البشر متساوون وأن كل إنسان مهما اختلف عنا أو خالفنا الرأي هو أخ لنا من واجبنا محبته واحترامه والمحافظة على كرامته وحريته وحقه في الحياة. لذلك لا تبارك المسيحية العنف والقتل والخطف والتعذيب وكل إساءة تقترف بحق أي إنسان. كما ترفض أي تمييز عنصري أو ديني وتدين إلغاء الآخر أو تهجيره واقتلاعه من بيئته ومجتمعه أو إجباره على فعل ما لا يريد فعله. 

المسيحية تدعو إلى السلام بين البشر لأن إلهنا إله السلام وقد قال طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون. 

وقال عوده: المسيحية دين الحوار أيضا الحوار مع الخالق والحوار مع الآخر. إن كل صلاة ينطق بها المؤمن هي حوار مع الله. أما الحوار مع الإخوة فيلغي المسافات بينهم ويجمعهم في لقاء مبارك إن سادته المحبة التي هي ترياق البشر وإكسير الحياة التغت المسافات وتمت اللقيا. الخطيئة تعيق الأخوة أما المحبة المعاشة بصدق فتتجاوز الحواجز وتبني. المحبة لا تسقط أبدا. هذا يقودني إلى الحديث عن دور الإنسان المسيحي المؤمن في مجتمعه. المؤمن الحقيقي إنسان اقتبل الله في قلبه لذلك يحافظ على طهارة نفسه وجسده لأنهما إناء لله. المؤمن يعي قيمة ذاته أنه هيكل للروح القدس ويعي أن عليه أن يكون نورا للعالم وخميرة صالحة وملحا في الأرض. فمن لا يحترم الله الساكن فيه ولا يحترم قريبه الإنسان ويهتم لكرامته ومن لا يعتمد الصدق والأمانة والنزاهة في علاقته مع الآخر ومن يضمر الحقد والشر والحسد وغيرها من الآفات المدمرة للنفس لا يستحق أن يسمى باسم المسيح. 

أضاف: بالنسبة لنا الله هو الطريق والحق والحياة وهو يتجلى لنا في الأناجيل التي كتبها الرسل الذين عاينوا الرب يسوع وسمعوه وآمنوا به ونقلوه لنا. ونحن بقدر ما نتعرف على الإنجيل المقدس نتعلم الإنسحاق أمام قدرة الله وعظمته في تواضعه إنما نعي أيضا المسؤولية العظيمة الملقاة على عاتقنا نحن المؤمنين به أن نكون شهودا له أمناء على رسالته. هنا لا بد من التذكير أننا في كل مرة نقرأ فيها نصا إنجيليا تنفتح أمامنا آفاق جديدة وكأن الله يكلمنا. إن قراءة الإنجيل لا تشل العقل وتمنعه عن التفكير بل تحثه على قراءة خصبة للنص على استقراء النص وفهم ما يريد الله قوله لنا. الله يتجلى لنا أيضا في محبيه وفي قديسيه وكل الذين عرفوا طاعته. 

وتابع: خلاصة القول أن على المسيحي أن يقدس العالم بوجوده فيه. العالم اليوم ينجرف نحو الصراعات الدينية والطائفية ورسالتنا إعطاء النموذج في قبول الآخر ومحبته في محاورته والعيش معه. رسالتنا إرساء السلام ونشر الحق وابتغاء العدل. واجبنا العمل على تطوير المجتمع والدولة. دورنا تقديم نموذج للحداثة والتقدم مع تمسكنا بإيماننا الذي لا يعمي بصائرنا بل يفتح قلوبنا وأذهاننا وعقولنا على الحياة. نقرأ في سفر الرؤيا ها أنا أصنع كل شيء جديدا رؤ 21 5. لتكن بداية هذا العام بداية عهد جديد لنا مع الخالق نعاهده فيه على تنقية ذواتنا ونذر حياتنا للخير والصلاح وعلى الحفاظ على خليقته إنسانا وطبيعة وبيئة وعلى القيام بكل ما يساهم في بنيانها. 

وختم عوده: على رجاء أن نفي بالعهد أسأله أن يبارككم ويغدق عليكم نعمه السماوية وأن يلهم حكامنا ويؤازرهم في كل عمل صالح وأن يحمي وطننا ويعتقه من كل ما يعيق تقدمه وازدهاره ومن كل من يشاء له الشر والسوء. حماكم الرب من شر الفساد والفاسدين ومن سوء كل من يستهين بحياة الناس ولقمة عيشهم وجشع من يتاجر بصحتهم ونظافة طعامهم. لا تدعوا الخوف يسيطر عليكم. تشبثوا بالأمل لأنه يعطي معنى للحياة وبالرجاء أن الله معكم وإن كان الله معكم فمن عليكم؟