تنصيب مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان في جامع محمد الأمين وسط بيروت

الرئيس تمام سلام : إسلامنا العظيم يتعرض لهجمة شرسة من جماعات ظلامية

المطران بولس مطر : نلاقيكم على شد أواصر العيش معاً

الشيخ عبد الأمير قبلان : لبنان من دون شقيه لا يكون لبنان التسامح والمحبة

الشيخ نعيم حسن : أولوياتنا إدانة أي خطاب ينحو منحى الكراهية ونبذ الآخر

ممثل العاهل السعودي : أيدينا بأيديكم لدرء المفاسد وجعل الإسلام نبراساً يضيئ للعالمين

مفتي مصر : لبنان في وجدان المصريين والأوطان لا تشاد الا على الحق والأخلاق السامية

المفتي دريان : الظروف التي تمر بها منطقتنا ويمر بها ديننا تستدعي موقفاً ونضالاً

     
     شارك لبنان الروحي والسياسي في تنصيب مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبداللطيف دريان في قاعة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في مسجد محمد الامين في وسط بيروت، بحضور ممثل خادم الحرمين الشريفين العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز سليمان بن عبدالله بن ابي الخير ومفتي الديار المصرية الشيخ شوقي علام. 
واكدت الكلمات على العيش المشترك ونزع السلاح من ايدي الناس ليكون فقط بيد الدولة، وجعل الحوار الهادئ طريقا لتذليل العقبات وانتخاب رئيس للجمهورية ورفض الارهاب والتكفير. 
بداية تحدث رئيس الحكومة تمام سلام فقال: وأعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا... 
إنه يوم مبارك نلتقي فيه على الخير، لنتوج الإنجاز الذي تحقق في دار الفتوى في العاشر من الشهر الماضي، بإقدام مجلس الانتخاب الإسلامي على اختيار سماحة الشيخ عبد اللطيف دريان مفتيا للجمهورية اللبنانية، خلفا لسماحة المفتي الشيخ الدكتور محمد رشيد قباني، الذي نوجه له التحية والتقدير، على عمله في رعاية شؤون المسلمين الدينية، طيلة السنوات التي تولى فيها منصب الإفتاء. 
كما نوجه التحية إلى مفتينا الجديد، مرفقة بدعوات بأن يمن الله عليه بالقوة، ويمده بأسباب النجاح في مهمته الجليلة، التي نعرف أنه أهل لها، مثلما كان في جميع المهمات التي تولاها خلال مسيرته الطويلة في خدمة الاسلام والمسلمين، وآخرها رئاسة المحاكم الشرعية. 
ونتوجه بالشكر الجزيل أيضا، إلى كل أصحاب المساعي الخيرة، الذين ساهموا في إنجاح العملية الانتخابية في دار الفتوى، بالطريقة الديموقراطية السلسة التي شهدناها. وأخص بالذكر أشقاءنا في جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، الذين كانوا لنا- كما هم دائما في الشؤون اللبنانية- خير ناصح وسند ومعين. 
إن عملية تنصيب مفتي الجمهورية اليوم، تدشن عهدا جديدا في مؤسسة دار الافتاء التي تنتظرها تحديات كبيرة على المستوى التنظيمي الداخلي، كما على مستوى رعاية شؤون المسلمين. 
إن المجتمع الاسلامي يتطلع بثقة تامة، إلى هذه الدار الكبيرة، آملا تعزيز مؤسساتها لتحسين قدراتها في رعاية الشأن الوقفي والخيري والديني والاجتماعي على أكمل وجه، وفي مهمة الإرشاد العام الملقاة على عاتقها، لمواجهة التطرف والغلو، ولنشر قيم التسامح والوسطية والإعتدال. 
إن الأنظار تتجه إلى دار الفتوى ومساهمتها الوازنة على المستوى الوطني، وذلك استكمالا للدور التاريخي الذي طالما تولته في حياتنا الوطنية، سواء في شد اللحمة داخل الطائفة السنية، أو في العمل الدؤوب على التقريب بين المذاهب الإسلامية، أو في مواقفها المتقدمة من الحوار الإسلامي- المسيحي، وحرصها الدائم على الوحدة الوطنية وسعيها إلى إبقاء أبواب التواصل والحوار مفتوحة مع الجميع. 
السادة الكرام إسلامنا العظيم، دين المحبة والاعتدال والوسطية والتسامح، يتعرض اليوم لهجمة شرسة من جماعات تكفيرية ظلامية تعيث فسادا في الأرض.. تقتل وتذبح وتشرد الاطفال وتسبي النساء وتدمر المجتمعات عبر تهجير الجماعات الدينية والعرقية، وفرض ممارسات وأنماط عيش في مناطق سيطرتها لا يقرها دين ولا يقبلها عقل. 
هذه الجماعات الإرهابية المتشددة، التي تستغل الجهلة وضعاف النفوس باسم الإسلام، وصلت شرورها إلى لبنان، وقد عشنا جميعا الهجوم الغادر على بلدة عرسال العزيزة الشهر الماضي، وما أسفر عنه من شهداء وخسائر مادية ومخطوفين من العسكريين مازالوا في الأسر حتى اليوم. 
إنني أؤكد مرة أخرى، أننا ماضون في ما بدأناه من جهد منذ اللحظة الأولى لخطف أبنائنا العسكريين. سنواصل العمل في كل اتجاه.. ولن نتوقف أو نستكين قبل أن نعيد هؤلاء الابطال إلى عائلاتهم سالمين. إن ما نفعله هو حق لهم على الوطن، ووفاء الوطن لدينه تجاههم. 
نحن في الحكومة، نواجه ظاهرة الإرهاب بكل ما أوتينا. وقواتنا المسلحة من جيش وقوى أمنية تقوم بواجبها في هذا المجال... لكن المسؤولية الأكبر في محاربة جذور هذا الفكر التكفيري، الذي يعمل للتغلغل في صفوف الشباب المسلم، تقع في المقام الأول، على عاتق دار الفتوى وجميع المؤسسات الدينية. 
إنها مهمة جليلة منوطة بالعلماء، الذين يتولون التربية الدينية والإرشاد، والذين تقع عليهم، في المدارس والجامعات والمعاهد المتخصصة، كما على منابر المساجد وعبر وسائل الإعلام، مسؤولية نشر الوعي الاسلامي الصحيح. 
إن شبابنا، وسط هذا المحيط المتلاطم في المنطقة، الذي يقذف أمواج الجهل والكراهية والتطرف، يحتاج الى من يرشده وينقي وعيه، لأن التعصب هو وقود الفتن وأساس الفرقة الممزقة لوحدة المجتمعات. 
إن هذه المنطقة من العالم، التي هي منشأ الحضارة الإنسانية ومهد الرسالات السماوية، شهدت عبر مئات السنين، تعايشا اسلاميا مسيحيا خلاقا، صاغ هويتها وصنع ألقها الحضاري. وها هو هذا التعايش يتعرض لضربة قاصمة، على أيدي الجماعات الإرهابية، عبر تهجير المسيحيين من أرضهم، وتبرع بعض الدول بتأمين أوطان جديدة لهم. 
إننا ندعو المسلمين، اللبنانيين والعرب، إلى خوض معركة تثبيت المسيحيين في أرضهم، والحرص الكامل على وجودهم وفاعليتهم في لبنان والعالم العربي، وعلى تكاملهم وشعورهم بالانتماء والرضى، بعيدا عن أي شعور بالإحباط، أو بالحرمان، أو بالخوف على المستقبل. 
وليس الهدف حفظ المسيحيين كوجود مادي فقط. إنما الهدف هو الوجود والحضور معا، والفاعلية والدور في صنع القرارات، وفي تسيير شؤون المجتمعات والأوطان في شراكة كاملة بينهم وبين المسلمين. 
إن المسيحيين المشرقيين، وخصوصا المسيحيين اللبنانيين، هم- والمسلمون اللبنانيون- أصحاب الأرض وأهل الدار. 
معهم صنع آباؤنا المؤسسون هذا الكيان، ومعهم سنحميه ونصنع مستقبله، متساوين في الوطن حقوقا وواجبات، بلا زيادة لأحد ولا نقصان. 
إنني من على هذا المنبر، وفي هذه المناسبة الاسلامية، أجدد الدعوة إلى انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية، المسيحي الماروني، اليوم قبل الغد. 
إن تعطيل هذا الاستحقاق الرئيسي، الضروري لحسن سير عجلة الدولة، يلحق ضررا بالغا بالمسيحيين، فضلا عن ضرره المؤكد على لبنان الذي يفقد كثيرا من معناه وجوهره، كلما تضاءل دور المسيحيين فيه وتراجع حضورهم في الحياة الوطنية. 
قال الله تعالى في محكم التنزيل.. إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون.. 
إن العلاقات داخل الطائفة الاسلامية، ليست في أفضل أحوالها. وليس خافيا على أحد أن احتدام التباينات السياسية في السنوات الماضية، فاقم النزعة المذهبية وجعل الأجواء الأمنية، للأسف، أقل مناعة تجاه الإنزلاقات الأمنية المحتملة. وقد شهدنا في البقاع منذ أيام نموذجا لذلك. 
إننا ندعو كل ذي إيمان وعقل، وكل مسلم حريص على مجتمعه الاسلامي وعلى وطنه، إلى المساهمة في معالجة سريعة لهذا الوضع المؤلم بقلب مفتوح ويد ممدودة، لأن نقيض ذلك وبال على لبنان واللبنانيين إلى أي طائفة انتموا. 
كما ندعو دار الفتوى إلى إعطاء هذه المسألة الأولوية التي تستحق، والمبادرة سريعا إلى إجراء الإتصالات اللازمة في كل اتجاه، لوضع خطة طريق لنزع فتيل التوتر المذهبي. 
إننا ندعو إلى أن يلتزم كل فريق الفريق الآخر، وأن نلتزم جميعا بلبنان. 
إننا جميعا، مسلمين ومسيحيين، بكل مذاهبنا، في شراكة حقيقية، للحياة وللمصير. 
إما أن ننسجهما معا أو لا تقوم لنا قائمة..إما أن ننهض جميعا ومعا، أو نسقط واحدا واحدا. لا يمكن لأي فئة أن تنجز مشروعا خاصا بها.. وإن هي حاولت، ستخلق خرابا وتفشل. 
إن اللبنانيين يجب أن يكونوا على وعي كامل أن لا كرامة لوطن يشعر بعض أبنائه بانتقاص كرامتهم، ولا أمن لوطن يشعر بعض أبنائه باختلال أمنهم، ولا قيامة لوطن يشعر بعض أبنائه بفقدان حقوقهم. 
ومن هنا، فإننا ندعو القوى السياسية، إلى أن تباشر الأمور برفق، وألا تدفعها نحو أزمة في ما يتعلق بالإختيارات الكبرى في شأن الدولة والمجتمع، وأن تسود بينها روح الحوار. وهذا لا يكون، الا عبر انفتاح القلوب والبصائر على المستقبل، فلا نبقى مشدودين الى الماضي ولا نقفز في المجهول. 
إننا جميعا مسؤولون عن إخراج لبنان من أزمته، وإحياء دوره وتجديد معناه، وتطوير مؤسساته. وفقنا الله وإياكم إلى كل ما فيه خير هذا البلد وأبنائه. 
سماحة المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان. وفقك الله. 

وألقى رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر كلمة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، قال فيها: سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان المحترم، يسعدني أن أقدم إلى سماحتكم، باسم الكنيسة المارونية، أخلص التهاني والتمنيات في يوم تسلمكم مهامكم الرفيعة كمفتي الجمهورية اللبنانية، فينقلها إليكم الوفد البطريركي المكلف برئاسة سيادة المطران بولس مطر رئيس أساقفة بيروت وعضوية المطران سمير مظلوم نائبنا البطريركي، والأمير حارس شهاب ممثلنا في اللجنة الوطنية للحوار المسيحي - الإسلامي. ومن خلال هذا الوفد نشارككم والعائلة اللبنانية، من الولايات المتحدة الأميركية، في حفل تنصيبكم في قاعة الرئيس رفيق الحريري - مسجد محمد الأمين، برئاسة دولة رئيس مجلس الوزراء السيد تمام سلام، رئيس المجلس الانتخابي الإسلامي. ونسأل الله أن يمكنكم من تحقيق كل أمنياتكم الطيبة التي أعربتم عنها في كلمتكم الأولى فور انتخابكم، وحددتموها بمسيرة الإلفة والوحدة والعمل، فنلاقيكم عليها في مسيرة الشركة والمحبة. إننا نتطلع إلى التعاون الكامل مع سماحتكم والمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، الذي تترأسون، ودار الفتوى، في خط العلاقات الإسلامية - المسيحية، وشد أواصر العيش معا الذي ينظمه الدستور اللبناني، وينعشه روح الميثاق الوطني، وتجسده الصيغة اللبنانية الميثاقية. 
أضاف: إننا ندرك معكم أن العيش معا يبدأ أولا بين مكونات كل من العائلة الإسلامية والعائلة المسيحية اللتين تتآكلهما انقسامات حادة في الداخل على المستوى السياسي، ويقع ضحيتها لبنان وشعبه ومؤسساته الدستورية. ثم يتمكن هذا العيش المشترك من أن يتحقق على الصعيد الوطني بين المسلمين والمسيحيين. وعندئذ ينهض لبنان من كبوته التي تشوه هويته، وتعطل دوره، وتعود تنجلي ميزة لبنان، وتتواصل رسالته في عالمنا العربي المشرقي، وعلى ضفة المتوسط الشرقية، كرائد نهضة، وواحة تلاق وحوار بين الديانات والثقافات، وكعنصر فاعل لاحلال العدالة والسلام، ونصرة الحق. 
وتابع: إننا نتابع معكم، إن شاء الله، ومع الرؤساء الروحيين المسلمين والمسيحيين، كما اعتدنا فعله مع سلفكم سماحة الشيخ محمد رشيد قباني، إحياء قممنا الروحية اللبنانية من أجل نشر المبادىء الروحية والأخلاقية، وحماية الثوابت الوطنية، وتعزيز التعاون والتضامن بين الجميع في خدمة الشأن العام، والعمل الدؤوب على شد أواصر الوحدة الوطنية، والسعي إلى تجاوز الانقسامات والنزاعات بالحوار والمصالحة. وكم نأمل أن تتسع قممنا الروحية لتشمل جميع الرؤساء الروحيين المسلمين والمسيحيين في عالمنا العربي الشرق أوسطي، لكي نعمل بيد واحدة وصوت واحد ونداء مشترك، لوضع حد للنزاعات والحروب، والعمل على المصالحة وبناء الوحدة، ومعالجة القضايا العربية المشتركة، وإعادة إحياء حضارتنا التي بنيناها معا، واستعادة مكانتنا الخاصة في قلب الأسرة الدولية. 
وختم: صاحب السماحة، إن ما حباكم الله من مواهب وفضائل روحية وإنسانية، وما تتميزون به من علم ومعرفة وخبرة وانفتاح، وما يغني عقلكم من حكمة، وإرادتكم من غيرة على الخير، وقلبكم من محبة ومشاعر إنسانية، لكفيل بنجاح رسالتكم وتحقيق أمنياتكم وتطلعاتكم المشتركة. وعلى الله سبحانه وتعالى كل اتكالنا، وهو ولي التوفيق. 
وقال نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الامير قبلان: رحمك الله يا ابا بهاء، بنيت فأحسنت البناء، وأسست جيدا مديدا على الدوام، نذكرك في كل خطوة تخطوها من اجل لبنان ومن اجل العرب ومن اجل المسلمين. غفر الله لنا ولكم وعصمنا من الذلات، وهدانا الى سواء السبيل. نشكر سماحة المفتي قباني على ما ابداه وسار عليه وتعاون معنا، ونرحب بالحبيب العزيز الغالي الدكتور عبد اللطيف دريان، هذا الانسان العاقل، الورع، التقي. سئل أحد مشايخنا ماذا تطلب من الوافدين من النجف فقال: اطلب عالما مجتهدا. وسئل: اذا لم يكن؟ فقال: عالما ورعا عادلا، واذا لم يكن. وسئل: إذا لم يكن؟ فقال عاقلا. 
أضاف: أحببناك وانتظرناك وسرنا معك، وكنا دائما جنبك، والان الشيخ عبد اللطيف دريان، رجل المستقبل، فكم كنت أتمنى ان يكون السنة والشيعة الى طاولة واحدة، والمسيحي والمسلم الى طاولة واحدة، لان لبنان بدون شقيه لا يكون لبنان التسامح والمحبة والاخوة. كنت في يوم من الايام بعد صلاة الجمعة، قد انتقلت الى نهر الكلب، وجاءني شخص وقال لي هذا النهر يشرب منه رئيس الجمهورية، اي الرئيس فؤاد شهاب آنذاك، لذلك نحن نتمنى وندعو ونصر على ان يكون لبنان دولة مدنية تشارك الناس وتعطي الجميع حقوقهم. 
وتابع: ان لبنان قطعة من السماء ومن الجنة ومن الوجدان، فاحفظوا لبنان يحفظكم الله، لذلك نطالب بأن نكون عقلاء ومحبين وننسى الماضي وننزع السلاح من ايدي الناس ليكون فقط بيد الدولة والجيش. لن نقبل ان يبقى العسكريون مخطوفين او في الاسر، فعلينا ان نهب هبة واحدة ونذهب الى عرسال، سنة وشيعة ودروزا ومسيحيين لننقذهم. ان جيشنا في خطر وأنتم مسؤولون عنه. 
وختم: نرحب بالشيخ الجديد، ونطالب بالوحدة اللبنانية وليس بالوحدة السنية الشيعية. 
وألقى شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن كلمة قال فيها: إنه يوم مشهود أن نلتقي في هذا المكان الكريم، احتفاء بالنهضة المتجددة السنية لدار الفتوى التي هي ركن أساسي من حمى وطننا لبنان، بل والعالم الإسلامي، يصيبنا ما يصيبها، ويقوينا ما يقويها. وهذا حدث يصيب بخيره الصف الاسلامي بكل فروعه. 
وبالتالي، يصيب الوحدة الوطنية. وعلينا جميعا أن نبذل كل همة مخلصة في هذا الاتجاه كي نحمي بلدنا، ونحافظ على القيم الرفيعة التي يمثلها اجتماعنا وتمثلها ثوابتنا الوطنية والإنسانية التي ترقى بإيماننا وبالتزامنا الروحي إلى ما هو نقيض لكل الشناعات والفوضى الآثمة التي نراها هنا وهناك لأسباب لا تخفى على البصير اللبيب. 
أضاف: إن وقوفنا اليوم في هذه المناسبة السعيدة، يحقق لنا أملا عزيزا، وهو تجديد العهد الذي طالما دأبت القيادات الروحية على التأكيد عليه والتزامه بقوة إيمانها، وهو عهد التلاقي على كلمة سواء، وعهد المناداة بالحفاظ على البنيان المرصوص صفا واحدا، في وطن اللقاء والتعايش والبيئة المشتركة. وإننا نرى من أولوياتنا اليوم أن ندين أي خطاب ينحو منحى الكراهية والبغضاء ونبذ الآخر، وأن ندعو، كما دعونا دائما، إلى الكلمة المشبعة بالنور الإنساني، فالكلمة الطيبة تسهم في بناء الأمم، والكلمة الخبيثة هي أول الطريق إلى خرابها. نجدد تأكيدنا على الثوابت قلبا بقلب، ويدا بيد، ولنا وكافة القيادات الروحية مسيرة طويلة حافظت على ثوابت إسلامية ووطنية أساسية، متينة في المواقف التي من شأنها أن تبني الأوطان، لا بالسياسة والدعوة إلى وحدة الصف وحسب، بل بالمقاربة الرشيدة البناءة التي تنبه النفوس والعقول إلى التضامن، وإلى ما فيه صلاح الحال سبيلا إلى إصلاح الواقع، وطبيعي أن تكون على رأس تلك الثوابت المناداة بسيادة الدولة، ودعم الجيش الوطني والقوى الأمنية بكل ما أوتينا من إرادة. ونرفض تعجيز حكومتكم دولة الرئيس، وندعو إلى جعل الحوار الهادىء طريقا لتذليل العقبات، وصولا إلى تعزيز آليات النظام الديموقراطي، وفي مقدمها انتخاب رئيس للجمهورية. 
وتابع: كما نستشعر الأهمية الفائقة لإيلاء مسألتي العلاقات الإسلامية - الإسلامية، والإسلامية - المسيحية الكثير من جهودنا المخلصة كي نقدم المثال على تفوق الروح الإنسانية النبيلة على غرائز الصراع والتنافر، والتي يسعى أعداء الحقيقة إلى دفعنا إليها، كما نشهد اليوم. إنها مسألة وطنية كبرى هي في صلب رسالة لبنان إلى العالم، بل هي اليوم رسالة على التضاد تماما من النظرية الرائجة في عالمنا المعاصر عن صراع الحضارات التي يسر بها العنصريون في كل مكان، والتي يتوالد منها صراع المذاهب والإثنيات. 
وأردف: إننا، ومن هذا المنبر، نرفع الصوت عاليا اعتراضا وشجبا للأعمال المرفوضة التي يتعرض لها مسيحيو الشرق، خصوصا في العراق، إذ نراها مناقضة تماما لروح الإسلام السمح، وللبعد الحضاري الثري الذي يجب أن نحافظ عليه ونثرى به. 
وقال: إن إدراكنا لروحية ديننا الحنيف يصطدم اليوم بتحديات كبيرة نظرا لما نراه من استغلال الكثيرين لصورة الدين وشعاراته بطريقة تنافي حقيقته السامية. إن الإسلام الذي هو دين الاعتدال، ودين التسامح والعيش المشترك، هو بالضرورة إذا دين للارتقاء بالإنسان من مزالق التطرف والنزق والتعصب الغريزي الضار، إلى فسحة النور التي تضيئها الرسالة السماوية بالدعوة إلى تحقيق الفضيلة والسمو الخلقي، وهذا يحتم علينا أن نعمم ثقافة نبذ النزعات المذهبية والطائفية، في ما يسيء إلى جوهر غاية الدين. 
وتابع: إننا نقدر عاليا حضور مفتي الديار المصرية ونتوجه الى الأزهر الشريف، لما يمثله هذا الصرح التاريخي من ريادة نهضوية، ورؤية تنويرية، وموقف أصيل لروح الاسلام المعتدل، متطلعين الى دوره الريادي هذا، للسير قدما في كل المبادرات الهادفة الى تحقيق وحدة المسلمين واجتماعهم على كلمة الخير والتوحيد. 
أضاف: إننا في فيء دوحة عظيمة طيبة هي دوحة الإسلام، نستظل معكم بعونه تعالى بظل نعمة إلهية هبة من الرحمن الرحيم. ونحن الموحدون، غذاؤنا من ثمارها، وكرامتنا من عزتها، ونحن نهلنا المعرفة من الينابيع الزكية التي روتها، وجذورنا في الأرض اشتدت بسواعد الأسلاف والأجداد التي طالما زادت عن حياضها على مر التاريخ، فارتوى تراب جبلنا بدماء كبار الشهداء. 
وختم: نحن إذ نهنئ المسلمين بالعافية المباركة التي عليها دار المسلمين اليوم، وإذ نهنئ وطننا واللبنانيين بصوت الاعتدال والاتزان المستضيء ببصيرة الإيمان العاقلة، وإذ نهنئ سماحته متمنين له التوفيق والفلاح، نعاهد انفسنا على رؤية مشتركة لنجمع ونوحد ونرفع راية القيم السامية، والمثل الخيرة، والأخلاق الحميدة التي بها كانت أمتنا أمة هدى، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. ولا ننسى قول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم النساء 135. وإن الساعة آتية لا ريب فيها، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا بهديه، ويثبتنا بوعده، ويلهمنا بلطفه إلى كل خير، إن ربي سميع مجيب. 
وقال ممثل العاهل السعودي سليمان بن عبد الله بن ابي الخير: لقد جئتكم من المملكة العربية السعودية، قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم وتطلعهم والمعينة بقضاياهم في مشارق الأرض ومغاربها، بتوجيه كريم من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، رجل السلام وداعية الوسطية والاعتدال الذي ضرب مثالا رائعا في مكافحة الارهاب والارهابيين، ومواجهة التطرف والمتطرفين وأرسى قواعد الحوار وتبادل الثقافات والنقاش وأسماء الديانات بطريقة متميزة، ومنهجية واضحة، وبموضوعية وانسجام، ليشهد له بذلك القاصي والداني، ويقر له به الجميع. 
جئنا ننقل رسالة وتحية وإكرام الى أهل وشعب دولة عزيزة على قلوبنا جميعا، ألا وهي الجمهورية اللبنانية الحبيبة، جئنا لنشارك ونحضر حفلا بهيجا له معان عظيمة ودلالات عميقة لا يدركها إلا من تمعن فيها وفهم مقاصدها وأدرك حقائقها. فهنيئا لمن نادى لهذا التتويج، وهنيئا للمتوج، وهنيئا لكل فرد من أبناء لبنان الشقيقة وهنيئا لكل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها. 
أضاف: إبداع بالتخطيط وتخطيط في إبداع يجمع ولا يفرق، يحمل في طياته المحافظة على العهود والمواثيق، هذه المناسبة كبيرة بمعانيها وأهدافها ومقاصدها، لها آثارها المستقبلية التي، بإذن الله تعالى، ستعود خيرا وفضلا وجمعا للكلمة في هذه البلاد المباركة. وإنني وأنا أقول ذلك، أقول ان العلماء وطلبة العلم، أيا كان تخصصهم، وفي أي مكان كانوا، يعول عليهم الشيء الكثير في نشر مبادىء الاسلام الصحيحة المستمدة من نصوص الوحيين بعيدا عن الغلو والجفاء والافراط والتبذير وإيصالها الى المسلمين وغيرهم، ليعرفوا حقائق هذا الدين كما جاءت، وليضعوها بقوالب معاصرة تبرز محاسن الدين الاسلامي ومكارمه التي لو عملنا بها كعلماء وطلاب علم ونشرناها بين أبنائنا وبناتنا، لاندثر كل مبتغ للفتنة وكل مريد للفساد أيا كان نوعه. 
وتابع: من هنا اعتبر أنها خطوة لتحقيق ذلك على أرض الواقع، فنحن بدورنا نبارك ونهنىء سماحة الشيخ عبد اللطيف دريان على هذا الاختيار الموفق، فقد عرفناه وسمعنا عنه أنه صاحب علمية متميزة ومنهج واضح وعقلية فريدة سيستطيع من خلالها أن يقوم بمهامه الكبيرة ومسؤوليته الجسيمة في زمن متسارع متصارع، للفتنة فيه صولة ولأهل الفساد جولة، ولكن لا يردهم ولا يغير مخاطر هذه الفتن إلا أمثال هذا العالم الجليل وغيره ممن سيعملون تحته في دار الافتاء في جمهورية لبنان الشقيقة. فهنيئا لك أيها الشيخ الفاضل، ونسأل الله العلي القدير أن يوفقك ويسددك ويبارك في جهودك ويفتح لك أسباب وأبواب وآفاق النجاح والفلاح والسعادة في الدين والدنيا والآخرة. 
وقال: إننا كعلماء وطلبة علم ومؤسسات شرعية في المملكة العربية السعودية نضع أيدينا بإيديكم ونشد من إزركم وسنتعاون معكم تعاونا بإذن الله تعالى سيحقق المصالح ويدرأ المفاسد ويجعل هذا الدين نبراسا يضيء للعالمين الطريق ويهديهم الى سواء السبيل، وهذا هو ما وجهه به ويوجهنا كذلك به ولاة أمرنا وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وسمو ولي العهد الأمير سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي العهد الأمير مقرن بن عبد العزيز الذين يعملون جهدهم من أجل خدمة الاسلام والمسلمين فوق كل أرض وتحت كل سماء انطلاقا من رسالة الاسلام الخالدة. 
وختم: أسأل الله لي ولكن التوفيق والسداد وأن يجعل هذا الاحتفال وهذه المناسبة انطلاقة خير وبركة على هذه الدار، دار الافتاء في الجمهورية اللبنانية الشقيقة، وان يجمع القلوب على الخير ويؤلف بينها على ما أراده الله ورسولة. ثم مبارك ومبارك ومبارك لسماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان. 
مفتي الديار المصرية 
ونوه مفتي الديار المصرية الشيخ شوقي علام بمزايا وخصال المفتي الجديد وقال: 
يمتاز المفتي دريان بدراية وفهم بعلوم الواقع الاسلامي وأصول التربية، فقد تشبع بالعلم الوسطي والمنهج الأزهري، وتمتع بخبرة عالية عبر توليه مناصب عدة منها منصب قاضي بيروت، والافتاء كان ولا يزال احد ابرز الوسائل لنشر وتبليغ الفتوى الشرعية، وما هي الا بيان لحكم الله في الوقائع. 
اضاف: ان المفتي دريان حمل على عاتقه مهمة شاقة ومسؤولية عظيمة، ذات اهداف عدة في مقدمتها جمع الصف اللبناني ونشر الاعتدال والتعايش بين ابناء الشعب اللبناني، بكل أطيافه ومذاهبه. 
واشار الى أن لبنان وشعبه في وجدان المصريين جميعا، والأوطان لا تشاد الا على أسس من الحق والاخلاق السامية، واليوم ينتظر المؤسسة الدينية العديد من الادوار والوظائف التي لا بد من الاطلاع بها، كقضية الخطاب الديني، والتي تستحوذ على الاهمية الكبرى في العصر الحاضر، نظرا لما يرتبط هذا الخطاب من التباس من قبل فريق انتظر الخطاب وسيلة لتغيير ثوابت الاسلام والتطاول على هذه الثوابت. 



وختاما القى المفتي دريان كلمة، قال فيها: نلتقي اليوم في هذا الصرح من صروح الإيمان والعمل الصالح، نحن اللبنانيين جميعا، مسلمين ومسيحيين، وبيننا إخوة وأشقاء من المؤسستين الإسلاميتين الكبيرتين: الأزهر الشريف بمصر وجامعة الإمام محمد بن سعود بالمملكة العربية السعودية، وبيننا سفراء ومبعوثو الدول العربية والأجنبية، والذين أتوا ليس لحضور هذه المناسبة فقط، بل وليقفوا على رأينا في كائنات هذا الزمان في المنطقة وما وراءها، وما نريد أن نقول ونفعل من أجل الإصلاح والنهوض. 
لقد تحدث الزملاء الأفاضل قبلي عن المناسبة التي نلتقي من أجلها اليوم بالمسجد الجامع، مسجد محمد الأمين صلوات الله وسلامه عليه، والمناسبة هي تولي مفتي الجمهورية اللبنانية الجديد مهام منصبه، والمناسبة تستدعي الاهتمام، لما لدار الفتوى بالجمهورية اللبنانية من دور وطني وعربي وإسلامي، لكن الظروف التي تمر بها منطقتنا، ويمر بها ديننا، وتمر بها بلادنا، وتمر بها أمتنا، هذه الظروف كلها تستدعي اجتماعا، وتستدعي موقفا، وتستدعي نضالا ترتفع فيه كلمة الحق والخير والاعتدال في وجه التطرف، وسيول الدم والخراب والدمار والتهجير، ففي أقل من خمس سنوات سقط في ديارنا العربية أكثر من نصف مليون قتيل معظمهم من المدنيين العزل، وضعف هذا العدد من الجرحى والمقعدين، وتهجر من الديار وعن الديار أكثر من عشرة ملايين صاروا بلا موطن ولا دار ولا مأوى، وكل ذلك في أفظع جريمتين عرفهما عالم الإنسان، يقول الله سبحانه وتعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، وهكذا ففي أمر القرآن الكريم: كل جريمة يمكن بعدها الصلح وتسهل بعدها المهادنة إلا القتل في الدين، والإخراج من الديار، وهاتان الجريمتان الفظيعتان هما الواقعتان في شتى الأنحاء العربية، وعلى سائر فئات الناس، لماذا يكون على المسيحيين أو على الإيزيديين أو على السنة أو على الشيعة أو على غيرهم أن يواجهوا القتل والتهجير بسبب الدين، أو بسبب المذهب، وممن؟ من جانب عصائب ضالة ومضلة وباسم الدين أو باسم المذهب أو باسم شهوات السلطة والثروة والإمبراطورية؟. 
إن لدينا نحن أهل العلم والدين أمرا إلهيا بمواجهة هذه الجرائم، يقول الله سبحانه وتعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون، المعروف معروف، إنه هذا الفقه الواسع للحياة، والتلاقي بين الناس على الكلمة السواء، والعيش المشترك، والمنكر هو هذه الجرائم ضد الإنسان والعمران والأديان. والمواجهة تكون بالدعوة إلى الخير قولا وعملا ونضالا وتضحية، ليس صحيحا أن الاعتدال ضعيف أو خفيض الجانب، صحيح أنه اختيار صعب وسط صيحات التعصب، ونزعات التطرف، لكنه قوي وقوي جدا بموازين الحياة الكريمة، وصلابة الحق، وقيم الخير والعدل وإنسانية الإنسان، وقوي أيضا بالإرادة العازمة التي لا تلين من أجل الإصلاح والنهوض في محيطنا الأقرب، وفي المدى الأبعد. كيف نكون بشرا ثم نسمح، بل ويشارك بعضنا بهذه الجرائم التي تنوء تحتها الأديان والأوطان وإنسانية الإنسان؟ لدينا مسؤوليات كبرى فيما يخص أجهزتنا الدينية، في الإمامة والتدريس والتربية الإسلامية، ينبغي أن نكون حاضرين ومبادرين لحماية الناس وحياتهم، وليس لتسويغ القتل باسم الدين، والعياذ بالله. 
تقع أمتنا، وتقع أوطاننا بين الفتنة والمحنة، والفتنة معروفة، وهي تلك النزاعات الداخلية المتنقلة، والتي لا تغادر حجرا ولا بشرا، أما المحنة فهي تلك الواقعة بين المرء ونفسه، أو في دواخل الأفراد والجماعات، بين العقل والهوى، وبين البصيرة والغضب، وبين الطمع والأخلاق النبيلة، والمسلم يسأل ربه أن يجنبه الابتلاء والبلاء، والشركاء المسيحيون يسألون الله سبحانه أن لا يدخلهم في التجارب، إن واجب الأمة أو الفئة الداعية للخير أن تعمل في كل آن على الخروج من الفتنة والبلاء أو التجربة أو المحنة، صدقوني أيها الإخوة، وصدقوني أيها اللبنانيون: أنه يبلغ من هول المأساة التي نحن فيها أنها صارت جرائم دينية وأخلاقية، وظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج أحدنا يده فيها لم يكد يراها: ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. 
ماذا تسمون حالتنا نحن في لبنان، إن لم تكن قد بلغت حدود الجريمة الأخلاقية؟ لم يتمكن المجلس النيابي اللبناني حتى الآن من الالتئام في جلسة مخصصة لانتخاب رئيس للجمهورية، مع أن هذا المجلس قد تحول إلى هيئة انتخابية وأصبح انتخاب الرئيس الجديد الذي هو الرئيس المسيحي الوحيد في العالم العربي هو واجبه الأول. 
ولا تستطيع حكومتنا الاتفاق على طريقة أو نهج لإخراج جنودنا من احتجاز المسلحين الذين يبلغ بهم الإجرام أن يذبحوا بعض الجنود المحتجزين كأنما هم نعاج، تاركين أمهات وزوجات ثكالى، وجماعات مبتلاة بالغضب واليأس والأسى والخطأ والانتقام، ولماذا كل هذا؟ لأنه لم يجر الاتفاق على طريقة لحماية حدود الوطن وإعادة الاعتبار للدولة ودورها وسلطتها وهيبتها وعدالتها، وإعادة الاعتبار للانسان في لبنان. 
أيها العلماء الأجلاء، أصحاب الدولة والنيافة والسيادة والسماحة والسعادة، أيها المسلمون، أيها اللبنانيون، يا شباب لبنان، إنساننا في خطر، وأدياننا في خطر، وأوطاننا في خطر، وماذا يبقى لنا إن هلك الإنسان، وتشوهت الأديان، وضاعت الأوطان؟ 
إن علينا اليوم وغدا أن نصون ديننا، ونصون إنساننا، برفض الفتنة والاستعلاء على المحنة، ولا حماية للدين والإنسان اليوم إلا بحماية الوطن والدولة. نعم، ورغم المرارات والاستنزافات، يبقى حب الوطن وتصبح حمايته من الإيمان، ولن نسمح لأحد أن يخطف منا ديننا أو وطننا أو سلامة إنساننا وأمنه واطمئنانه. 
وبالطبع نحن لا نطلب ذلك اليوم وغدا من المسلحين من كل فئة ولون، فقد صار السلاح هو البلاء الأعظم، نطلب العمل على حماية الوطن والدين والدولة باسم المواطنين الذين عانوا ويعانون في كرامتهم وحريتهم ودينهم من السلاح والمسلحين الخارجين عن سلطة الدولة، وعن أعراف العيش المشترك وقواعد السلم الأهلي! 
إنني أعلن من هنا، من جامع محمد الأمين صلوات الله وسلامه عليه التمسك بالعيش المشترك الإسلامي المسيحي، وباتفاق الطائف، والالتزام بنهج السلم والسلامة والإسلام الكفيل بحماية الإنسان والأديان والأوطان، قال الله سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين البقرة: 208، إن نهج السلم والاعتدال هو نهج القرآن والنبي، وهو نهج وثيقة الأزهر الشريف الصادرة بتاريخ 31 يناير عام 2013 والوثائق الإسلامية الأخرى التي صدرت بمكة وعمان، والتي حضت على نبذ العنف بكافة أشكاله، وأكدت على حرمة الدماء والممتلكات، وواجبات الدول في حماية أمن الوطن والمواطنين، وإدانة التحريض على العنف والإرهاب أو تسويغه باسم الدين، والالتزام بالحوار ونهج العيش المشترك بين مكونات الجماعة الوطنية، وحماية النسيج الوطني الواحد من الفتن الطائفية والمذهبية المصنوعة والحقيقية. 
وإنني لأعلن من هنا، من جامع محمد الأمين صلوات الله وسلامه عليه: الاتفاق التام مع وثيقة الأزهر الشريف الصادرة بتاريخ 8 يناير عام 2012 والمسماة منظومة الحريات الأساسية الأربع: حرية العقيدة والعبادة، وحرية الرأي والتعبير، وحرية البحث العلمي، وحرية الإبداع الفني والأدبي. 
وإنني لأعلن من هنا من جامع محمد الأمين صلوات الله وسلامه عليه: أن دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية، بأجهزتها الدينية والوقفية والخيرية والاجتماعية ستبقى عاملة من أجل السلم الأهلي والوطني، ومن أجل خير لبنان وشعبه، لقد قال المسلمون في وثيقة الثوابت العشر من دار الفتوى عام 1983، وأكدوا في وثيقة الثوابت الوطنية من دار الفتوى أيضا عام 2011: أن هذا البلد لبنان هو وطن نهائي لجميع بنيه، وأنهم ملتزمون بعيشه المشترك، ونظامه الديمقراطي، وانتمائه العربي، وحرياته الدينية، ومواطنته المتساوية، والتزاماته القومية. 
وإنني على اقتناع مبعثه الإيمان بالله، والثقة بشباب لبنان وبثقافته الوطنية ووعيه: أن الفتنة لن تقع، وأن المحنة ستنجلي، وأن دماء اللبنانيين لن تذهب هدرا، وأننا سنعمل مع اللبنانيين جميعا بكل عزيمة وإصرار على صون الوطن والدولة والمؤسسات. 
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدىء من روع الأمهات الثكالى، وأن يجبر خواطر المقهورين، وأن يهدي الضائعين بين الحق والباطل، وبين العنف والسلم، إلى سواء السبيل، وأن يسلم وطننا ومواطنينا من أهوال النفس والغير. 
قال الله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. آمين.