الرئيس المصري يكلف محلب بإعادة تشكيل الحكومة

الأحزاب المصرية تستعد لخوض الانتخابات النيابية وعمرو موسي يدعو إلى مشاركة واسعة

الاحتفالات الشعبية بتسلم السيسي الرئاسة تعم جميع المحافظات

تنصيب السيسي يدعم البورصة والعملة المصرية

توجيهات رئاسية بتطبيق القانون بحزم لمواجهة ظاهرة التحرش الجنسي

      
       كلف الرئيس المصري الجديد عبد الفتاح السيسي، المهندس إبراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء، الذي قدم استقالته للرئيس ، بإعادة تشكيل الحكومة التي تعمل في ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة بسبب تداعيات الاضطرابات السياسية التي تفجرت منذ مطلع عام 2011 واستمرت لنحو ثلاث سنوات. وذلك بالتزامن مع إعلان الجامعة العربية عن استعدادها للمساهمة في انعقاد مؤتمر أصدقاء مصر الذي دعا إليه خادم الحرمين الشريفين لمساعدة مصر.
واستقبل السيسي محلب بمقر الرئاسة ، حيث قدم الأخير للرئيس خطاب استقالة الحكومة. وصرح محلب أن مشاوراته لإعادة تشكيل الحكومة لم تبدأ بعد. ويأتي هذا بالتزامن مع اجتماعات ولقاءات عقدها السيسي في أول يوم عمل له في مقر الرئاسة، تركزت على الملف الاقتصادي وبحث اختيار مستشاريه ومساعديه، إضافة لمقابلات مع مسؤولين من إثيوبيا والعراق.
وبدأ السيسي مهام عمله في ظل ظروف اقتصادية وأمنية صعبة تمر بها بلاده. وقال الأمين العام لجامعة الدول العربية، الدكتور نبيل العربي، إن الأمانة العامة للجامعة على استعداد للمساهمة في الإعداد لمؤتمر «أصدقاء مصر» الذي دعا إليه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز من أجل نجاحه. ووجه العربي شكر الجامعة العربية إلى خادم الحرمين الشريفين في إطار تقديرها لمواقفه تجاه مصر، معربًا عن أمله في أن تؤدي هذه المبادرة لمساعدة مصر في تخطي أزماتها الاقتصادية. وقال العربي إن هناك جهودا مستمرة من عدد من الدول الخليجية لتقديم المساعدة لمصر منذ ثورة 30 يونيو، كما أن هذه الدول تقدم مساعدات للدول العربية الأخرى التي تمر بظروف مشابهة.
وكانت الحكومة المصرية عقدت آخر اجتماع لها. وعقب الاجتماع غادر محلب مقر مجلس الوزراء لتقديم الاستقالة للرئيس، قبل أن يعود لمقر المجلس مرة أخرى. وقالت المصادر إن الرئيس طلب منه الاستمرار في رئاسة مجلس الوزراء واختيار من سيستمر معه من الوزراء ومن سيعينه في وزارات جديدة، مع خروج تسريبات عن اعتزام محلب الاستعانة ببعض الوجوه الجديدة في بعض الوزارات الخدمية، مع بقاء وزراء «الحقائب السيادية».
واستهل السيسي أول يوم له في العمل بمؤسسة الرئاسة بلقاء أجراه في الثامنة والنصف من صباح الاثنين مع عدد من رؤساء الأجهزة الرئيسة في الرئاسة للوقوف على سير العمل بها. كما استعرض الرئيس السيسي الدور الذي يتعين أن تضطلع به هذه الأجهزة المختلفة، فضلا عن التعرف على احتياجاتها لأداء العمل على الوجه الأكمل، في ظل مناخ تسوده قيم الانضباط والجدية. كما استقبل هشام رامز، محافظ البنك المركزي، واستعرض معه السياسات النقدية للبنك، وسبل زيادة الاحتياطي النقدي من العملات الصعبة.
وقالت مصادر الرئاسة إن السيسي استقبل أيضا بمقر الرئاسة وزير خارجية إثيوبيا، تيدروس أدهانوم، وأكد أثناء اللقاء على عمق وخصوصية العلاقات التاريخية التي تجمع بين البلدين، وعلى كون نهر النيل يمثل شريان الحياة الذي يربط الشعبين الإثيوبي والمصري، مشيرا إلى أن موضوع سد النهضة «يجب التعامل معه بأكبر قدر من الشفافية والتفهم لمصالح كل طرف».
وخلال استقباله الدكتور خضير الخزاعي، نائب الرئيس العراقي، شدد السيسي على رفض بلاده لأي تدخل خارجي في شؤون العراق، وغيره من الدول العربية الشقيقة، مؤكدا اهتمام ورغبة مصر لتعزيز أواصر التعاون المشترك مع العراق الشقيق.
يشار إلى أن حكومة محلب كانت أدت اليمين القانونية أمام الرئيس المنتهية ولايته، المستشار عدلي منصور، في الأول من مارس (آذار) الماضي، وضمت 31 وزيرا، ولم تشهد أي تعديل سوى دخول الفريق أول صدقي صبحي كوزير للدفاع خلفا للمشير السيسي عقب إعلان اعتزامه الترشح لانتخابات الرئاسة في 26 من مارس الماضي.
وقال السفير إيهاب بدوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة، إن الرئيس قبل استقالة الحكومة، وكلف محلب بتشكيل الحكومة الجديدة لتنفيذ رؤية الدولة للمرحلة المقبلة، مشيرا إلى أن خطاب الاستقالة تضمن الإشارة إلى أن الحكومة عملت على بذل أقصى الجهد في تنفيذ المهام التي كلفت بها في ظروف بالغة الصعوبة، وأن يخرج الاستحقاق الثاني من خارطة الطريق (انتخابات الرئاسة) على الوجه اللائق بمكانة مصر ومقامها، ملتزمة الحياد والشفافية.
ومن جانبه، أكد محلب في خطاب الاستقالة أن الحكومة اجتهدت في أداء واجبها الوطني تجاه مشروعات القوانين التي عرضت عليها والتي تطلبتها طبيعة المرحلة، كما قال إن الحكومة انخرطت في السعي لمعالجة المشكلات على أرض الواقع، من خلال المتابعة الميدانية التي أسهمت في بث رسائل إيجابية إلى الشارع المصري.
وتحدث محلب عن الخطوات التي اتخذتها الحكومة على صعيد تحقيق العدالة الاجتماعية، وتخفيف معاناة الطبقات الكادحة والأشد فقرا واحتياجا «بما شمله ذلك من وضع خريطة واضحة للخدمات والمرافق، ولا سيما في المناطق المهمشة».
وعقب تكليفه من السيسي، أكد محلب أنه لم يستقر بعد على التشكيل الجديد للحكومة ومن سيقع عليه الاختيار لتولي حقائب وزارية، مشيرا إلى أن المشاورات لم تبدأ حتى الآن، قائلا إن هناك فرصة من الوقت لاختيار وزراء جدد، خاصة وأن خطاب الرئيس السيسي، يعد برنامج عمل واضحا لأداء الحكومة خلال الفترة المقبلة.
على صعيد متصل، أكد أمير حسين عبد اللاهيان، نائب وزير الخارجية وممثل الرئيس الإيراني في احتفال تنصيب السيسي، أن بلاده ترى أن «أمن مصر هو أمن إيران». وأضاف في مؤتمر صحافي عقده في القاهرة «نعد نتائج الانتخابات الرئاسية المصرية أمنا واستقرارا للشرق الأوسط برمته، ونعد الانتخابات الرئاسية المصرية خطوة للأمام للشعب المصري، ونعتقد أن مصر غير قابلة للعودة إلى الوراء».
إلى هذا وضع الدبلوماسي المخضرم عمرو موسى، الذي ترأس لجنة كتابة الدستور (لجنة الخمسين)، قواعد جديدة للعبة السياسية في مصر ، بإعلانه استعداد تحالف يقوده خوض الانتخابات البرلمانية، في ظل قانون صدر أخيرا ومثل صدمة للأحزاب الرئيسة في البلاد، الأمر الذي من شأنه عرقلة إمكانية تحالف الأحزاب لإسقاط القانون.
وفي أول رد فعل لحزب النور السلفي، الذي حصل على ثاني أكبر كتلة في آخر استحقاق برلماني قبل عامين، قال رئيس الحزب، الدكتور يونس مخيون، إن «السيد عمرو موسى لا يتحدث إلا باسمه، وتحالفه إعلامي فقط».
وقال موسى، في بيان صدر عن مكتبه إنه «في ضوء صدور قانون الانتخابات، وأهمية الاستعداد للعمل طبقا له - بصرف النظر عن وجهات النظر السابق التعبير عنها بالنسبة للقانون المذكور - يصبح من المتعين تحقيقا للمصلحة العليا للبلاد في الأمن والاستقرار وإعادة البناء واستعادة الدور السياسي الخارجي النشط لمصر، أن يبدأ الاستعداد المتعلق بالاستحقاق الثالث فورا ومن منطلق إيجابي بإقامة تفاهم سياسي عام بين مختلف القوى السياسية والشخصيات ذات الثقل».
وترفض الأحزاب قانون مجلس النواب (المسمى الجديد لمجلس الشعب) بسبب تقليصه نسبة المقاعد المخصصة للقوائم التي تفضل الأحزاب المنافسة عليها، بالإضافة للأخذ بنظام القوائم المطلقة (فوز القائمة التي تحصل على نسبة 50 في المائة زائد واحد).
وأشار مخيون، وهو رئيس أكبر الأحزاب السلفية على الساحة، إلى أن حزبه لا يزال متمسكا بموقفه من رفض القانون الذي أصدره الرئيس السابق عدلي منصور الأسبوع الماضي، لافتا إلى أن صدور القانون على هذا النحو عكس إصرار على نقص احترام رأي الأحزاب التي أوضحت أكثر من مرة رفضها هذا القانون. وأضاف مخيون قائلا: «هذه ليست المرة الأولى التي لا يحترم فيها رأي الأحزاب، لقد رفضنا من قبل قانون التظاهر.. يبدو أن رأي الأحزاب يوضع في سلة المهملات»، لكن مخيون أوضح أيضا أن الحديث عن مقاطعة الانتخابات «لا يزال سابقا لأوانه».
وأشار مخيون إلى أن حزبه سيحاول مع باقي الأحزاب الرافضة للقانون إقناع الرئيس عبد الفتاح السيسي، بأهمية وجود جو من التوافق، لتجنب تشكيل برلمان يهيمن عليه المال السياسي والعصبيات القبلية. وتابع: «نحن حزب مؤسسي، وعليه، سنعود إلى قواعدنا لمناقشة الأمر، وحتى هذه اللحظة كل الاحتمالات قائمة، بما في ذلك مقاطعة الانتخابات»، كما لم يستبعد مخيون أيضا وجود تحالف أو تنسيق انتخابي مع الأحزاب التي وصفها بـ«الوطنية».
وقدم الدبلوماسي المخضرم موسى رؤيته للبرنامج الذي سيؤسس عليه تحالف انتخابي موسع، وتضمنت «التعهد بالإخلاص للدستور ومبادئه ونصوصه ومتابعة استكمال متطلباته بإصدار القوانين المكملة للدستور (..)، وذلك باعتبار الدستور إطارا للعمل الوطني من الآن فصاعدا، ووثيقة يستند إليها هذا التحالف». واشترط أن يكون التحالف المزمع بناؤه داعما لـ«الرئيس المنتخب في مسيرته الدستورية لإعادة بناء مصر ومؤسسات الدولة وتصحيح المسار، وضمان الإدارة الجيدة للحكم وتحقيق الأمن وبدء عملية التنمية الاقتصادية وتأكيد العدالة الاجتماعية وتحقيق أهداف الثورة».
وأكد موسى في برنامجه على أن التحالف المقبل لا يتسع للحديث عن اندماجات حزبية، مشددا على أن الإطار العام للتحالف المقبل هو «التنسيق في صدد الانتخابات القادمة بتبادل التأييد والدعم في الترشيحات للمقاعد الفردية، والاتفاق على تشكيل القوائم الانتخابية التي نص عليها قانون الانتخاب».
ويتيح الدستور سلطات واسعة للبرلمان، بما في ذلك تسمية رئيس مجلس الوزراء، لكن الاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الثلاثة الماضية وضعت الأحزاب أمام حقيقة ضعفها النسبي، بحسب سياسيين ومراقبين.
وقال حنا جريس، نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي، إنه «بات واضحا بعد التجربة، أن القوى المتصدرة للمشهد السياسي ليس لديها نخبة قادرة على التفاوض على شروط المستقبل. هذه النخبة لا تزال حبيسة مشكلات الماضي». ويرى جريس أن الأحزاب المدنية يجب عليها في هذه اللحظة الدقيقة من عمر البلاد الاستثمار في اللغة الجديدة التي عكسها خطاب الرئيس السيسي، والتي كشفت عن «رغبة إصلاحية، لكي لا نبالغ ونتحدث عن تغيير جذري». وأشار جريس إلى أنه على الأحزاب أن تستثمر هذه الروح الجديدة بموقف أكثر برغماتية يتيح لها تمثيلا في البرلمان، من أجل ما سماه «تحسين تكوينه»، ولعب دور معارضة مدنية حقيقية، من دون أن يستبعد انضمام حزبه إلى التحالف الذي يسعى موسى لتشكيله.
وتأسس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني 2011)، وحصل على 25 مقعدا في برلمان 2012، الذي حل بحكم من المحكمة الدستورية العليا. ولعب الحزب دورا بارزا في أعقاب ثورة 30 يونيو (حزيران) التي أطاحت بحكم جماعة الإخوان المسلمين، وتقلد أعضاء به مناصب وزارية رفيعة في أول حكومة انتقالية عقب عزل الرئيس السابق محمد مرسي الصيف الماضي.
ورغم تأكيد قادة أحزاب على أن خريطة التحالفات لا تزال «غائمة ومحل بحث»، فإن مواقف الأحزاب من الانتخابات الرئاسية ترسم خريطة أولية للتنسيق في الانتخابات البرلمانية، حيث تتجه الأحزاب التي دعمت المرشح الرئاسي الخاسر حمدين صباحي، والتي ضمت حزب الدستور والعدل والكرامة والتحالف الشعبي الاشتراكي والتيار الشعبي ومصر الحرية، إلى تشكيل تحالف انتخابي يمثل المعارضة الرئيسة، في مقابل تحالف موسى الذي يقوده حزب المؤتمر والمصريين الأحرار والوفد والتجمع، وتكتل يقوده رئيس المخابرات السابق مراد موافي.
ومن المرجح أن تسعى أحزاب المعارضة الرئيسة إلى استمالة حزب مصر القوية الذي يتزعمه القيادي الإخواني السابق عبد المنعم أبو الفتوح. وقال أحمد إمام المتحدث الرسمي باسم «مصر القوية» إن الحزب لا يمانع في التنسيق مع القوى الوطنية، لافتا إلى أن موقفه حزبه من أي استحقاق هو المشاركة، «لكن في ضوء قانون الانتخابات الحالي لا يزال الأمر محل نظر».
وبينما لا تزال الأحزاب المدنية والإسلامية التي دعمت ثورة «30 يونيو» تبحث سبل التغلب على الصعوبات التي يضعها أمامها قانون الانتخابات النيابية في صيغته الحالية، تتجه أنظار المراقبين لموقف جماعة الإخوان وحلفائها من الاستحقاق المقبل.
في مجال متصل تحولت شوارع وميادين مصرية لساحات احتفالية بتسلم الرئيس عبد الفتاح السيسي منصبه رسميا كرئيس للبلاد. وعاش المصريون يوما تاريخيا من الفرح والرقص والغناء والزغاريد في الشوارع وميادين المدن والقرى والنجوع وعلى المقاهي. واستعادوا بقوة زخم ثورتي «25 يناير» عام 2011، و«30 يونيو» عام 2013، اللتين أطاحتا بنظامي حكم الرئيسين السابقين حسني مبارك ومحمد مرسي.
وكان لافتا في الشوارع عودة البسمة لوجوه الأطفال والشباب والشابات والرجال والنساء والشيوخ، وهم يلوحون بالأعلام والرايات، ويطلقون الهتافات والألعاب النارية، بينما حلقت مجموعات من طائرات القوات المسلحة في السماء وهي تلقي على المحتفلين صور الرئيس السيسي وأعلام مصر، وقابلها الجمهور بالتهليل وترديد الهتافات المؤيدة للجيش.
وفي المقاهي، تجمع المئات أمام شاشات التلفزيون يتابعون حفل حلف اليمين الدستورية وهلل المواطنون على إيقاع الأغاني الوطنية التي أعقبت حلف اليمين، كما هتف سائقو السيارات أمام الشاشات الكبيرة التي جرى وضعها في الميادين الكبرى بالقاهرة والجيزة لنقل حلف اليمين «تحيا مصر.. يحيا السيسي»، وفي أحياء كثيرة قدمت المقاهي المشروبات بالمجان لروادها ابتهاجا بالرئيس الجديد. كما شهدت المحافظات المصرية ترديد الهتافات والتكبير وسجود الشكر وضرب الدفوف، وتوزيع الحلوى والعصائر، وإطلاق أبواق السيارات والألعاب النارية والشماريخ، التي أعادت مشاهد خروج الناس إلى الشوارع في فترتي «25 يناير» و«30 يوينو».
وفي ميدان التحرير، أيقونة الثورة المصرية، خرجت الجموع للاحتفال، وتزايدت أعدادهم ، حيث رفعت الأعلام المصرية وصور الرئيس السيسي، ورسم الصغار الأعلام المصرية على وجوهم، وجرى تعليق لافتات كبيرة وصور الرئيس على واجهات مبنى مجمع التحرير الإداري.
وعقب حلف الرئيس اليمين، ردد المئات العديد من الهتافات، منها «السيسي رئيسي. وبنحبك يا سيسي. وتحيا مصر»، وأطلقت السيدات الزغاريد وأذاعت المنصة الرئيسة للميدان الأغاني الوطنية، والتي ألهبت حماس المحتفلين وقاموا برقصات جماعية على وقع أغنيات ألهبت الحماس على غرار «تسلم الأيادي» و«بشرة خير» و«يا حبيبتي يا مصر». فيما تابع المحتفون مراسم تنصيب الرئيس الجديد عبر شاشات عرض، وشيدوا تمثالا رمزيا، من الشمع والورق للسيسي، بالإضافة إلى تمثال رمزي آخر على هيئة سيدة تقوم بتسليم مصر للرئيس الجديد. وقال أحد المشاركين في تصميم التمثال: «هدفنا توضيح أن مصر تطلب من الرئيس الجديد أن يقوم بتولي زمام الأمور، إلى جانب ضرورة الحفاظ على الأمانة التي يؤديها والدفاع عنها ضد أي مكروه».
وفي سياق متصل، واصلت قوات الجيش والشرطة إغلاق الميدان لليوم الثاني على التوالي أمام حركة مرور السيارات، فيما تقوم الكلاب البوليسية وخبراء المفرقعات بعمليات تمشيط موسعة للكشف عن المواد المتفجرة بمحيط الميدان، كما تنتشر مدرعات الجيش على كل مداخل الميدان. وقال أحد الشباب المحتفلين بالميدان إن «هذا اليوم أراه عيدا للمصريين، فأهداف خارطة الطريق التي خرجنا من أجلها يوم 30 يونيو ها هي تتحقق».
وبعبارة «عودة الفرحة»، وصفت أمنية صبره، وهي سيدة ثلاثينية، شعورها وهي تتمايل مع طفليها عبد الرحمن وجنة بأعلام مصر وسط حشود من المصريين أمام الصينية الموجودة في وسط ميدان التحرير. وتقول: «بكيت بينما كان الرئيس السيسي يحلف اليمين. فخورة بكوني مصرية. صدقني مصر من الآن ستنطلق إلى الأفضل والأجمل».
على بعد خطوات أخرى، كان هناك شاب وسط الجموع ممسك بعلم مصر. قال: «اليوم فقط صححنا مسار ثورة 25 يناير بإرادتنا الشعبية وبإخلاص جيشنا الباسل»، مضيفا: «لا بد أن يخرج المصريون جميعا اليوم للاحتفال، فلا وقت للبكاء على الماضي.. الفرح ينتظر الجميع».
وعلى أنغام الأغاني الوطنية، التي قامت هيئة مترو أنفاق القاهرة بإذاعتها في جميع المحطات وقف الشباب والشابات يرقصون على أنغامها. وقالت نورهان محمود، وهي طالبة في جامعة القاهرة، بينما تقف على محطة مترو جمال عبد الناصر (القريبة من ميدان التحرير): «اليوم يوم استثنائي في حياتنا. رجعنا اليوم سنوات للخلف لتذكرنا أننا أصبح لدينا رئيس بالفعل يصافحه زعماء العالم. ولدينا بلد فيه أمان وأمن وليست عزبة لجماعة أو فئة».
وأخذت صديقتها عفاف، التي حرصت على رسم علم مصر على وجهها، طرف الحديث قائلة: «قسمنا أنفسنا جزءين، الأول ذهب إلى ميدان التحرير والآخر لقصر الاتحادية. وفي المساء سوف نتجمع جميعنا أمام قصر القبة الرئاسي، لنؤكد للجميع أننا مع الرئيس في كل مكان يوجد فيه»، لافتة إلى أن الشباب يعولون على الرئيس السيسي الكثير والكثير، قائلة: «هو رجل متفهم لمشاكلنا وسوف نكون معه في كل قراراته».
أما فريد سيد، وهو بائع بالقرب من ميدان التحرير، فقد وضع علم مصر أعلى منصة الذرة الشامية التي يبيعها. وقبل سؤاله بادر قائلا: «ربنا يديم الفرح علينا كلنا. ونعود مصريين بحق؛ نخاف على بعضنا».
ومن بين اللافتات العديدة والصور التي غمرت احتفالات المصريين، تصدرت صورة الرئيس السيسي بزيه المدني المشهد. حيث يرى الكثيرون أنه أصبح «الأمل في المستقبل». فحسبما تقول عبير عبد الرحيم، وهي مدرسة، تقطن بالقرب من قصر الاتحادية الرئاسي: «السيسي انحياز إلى إرادة وأشواق الأغلبية الكاسحة من المصريين الذين انتخبوه. وخرجوا اليوم للفرح معه فهو رئيسنا المدني. الله معه ويوفقه، ومصر سوف تتقدم به».
وفي أنحاء أخرى من القاهرة، ومع انكسار درجة الحرارة المرتفعة في المساء، خرجت بعض المسيرات التي تضم العشرات من المصريين إلى محيط القصر الرئاسي (شرق القاهرة) وميدان التحرير، معبرين عن فرحتهم بالرئيس الجديد، كما طافت السيارات بشوارع القاهرة تطلق الأبواق.
وشهدت مدينة الإسكندرية، مسيرات بالسيارات عقب حلف اليمين الدستورية وقام سائقوها بإطلاق نفير السيارات الخاصة بهم، تعبيرا عن فرحتهم. كما سادت حالة من الفرحة بين أهالي وسكان محافظة الغربية عقب الانتهاء من مراسم تنصيب الرئيس وأطلقت النساء الزغاريد من شرفات المنازل، بينما أطلق الشباب العشرات من الألعاب النارية.
وفي الشرقية، مسقط رأس الرئيس السابق محمد مرسي، عمت الأفراح قرى ونجوع ومدن المحافظة، وأطلقت النساء الزغاريد من داخل البيوت فور انتهاء الرئيس السيسي من حلف اليمين. وعبر الأهالي عن فرحتهم بالخروج للشوارع وتهنئة بعضهم البعض. وفي أسيوط بصعيد مصر، احتفل المواطنون بساحة ميدان البنوك بوسط المدينة، وأقام فرع ثقافة أسيوط سرادقا أمام قصر الثقافة، ووضعوا شاشة عرض لإذاعة مراسم الاحتفال بالتنصيب. وعلى الرغم من ارتفاع درجات الحرارة، فإن المواطنين تفاعلوا عقب دخول الرئيس السيسي إلى مقر المحكمة الدستورية، وهتف المواطنون «السيسي رئيسي»، وسادت حالة من الفرحة العارمة والزغاريد وسط الحاضرين.
وأبدى المصريون تفاؤلا بعد يوم من أداء المشير عبد الفتاح السيسي اليمين الدستورية رئيسا للبلاد.
وحقق الجنيه تحسنا طفيفا أمام الدولار الذي بلغ سعره في عطاء البنك المركزي 7.1402 جنيه بعد أن كان 7.1403 في عطاء الخميس الماضي.
وضاقت كثيرا الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء للدولار منذ انتخاب السيسي إذ ارتفع الجنيه بشكل ملموس أمام الدولار وفقا لأسعار الصرف غير الرسمية.
وصعد مؤشر البورصة الرئيس بنسبة 1.45 في المائة في التعاملات المبكرة.
وقالت نجلاء فراج خبيرة أسواق المال لوكالة «رويترز»إن تنصيب السيسي خلق حالة من التفاؤل. وأضافت: «أثر على السوق إيجابيا. وهناك تفاؤل أنه يمكن أن يؤثر على الاقتصاد بشكل عام».
ودعا السيسي، وزير الدفاع السابق، في حفل تنصيبه إلى العمل الجاد والحرية في إطار المسؤولية بعيدا عن الفوضى.
لكن الاقتصاد المصري يعاني من الفساد والبيروقراطية والعجز الكبير في الموازنة العامة الناتج عن دعم الوقود الذي يتكلف 19 مليار دولار سنويا. ويتوقع المسؤولون أن تحقق مصر نموا اقتصاديا 3.2 في المائة في السنة المالية التي تبدأ في الأول من يوليو (تموز) المقبل وهو مستوى أقل بكثير من المطلوب لخلق فرص عمل وتخفيف حدة الفقر.
وسّعت مصر المثقلة بالمتاعب الاقتصادية نطاق ضريبة استثنائية على الثروة لتشمل الشركات بعد أن اقتصرت في البداية على الأفراد الذين يزيد دخلهم السنوي على مليون جنيه.
وأوردت الجريدة الرسمية يوم الجمعة أن مصر فرضت ضريبة إضافية سنوية مؤقتة بنسبة خمسة في المائة لمدة ثلاث سنوات اعتبارا من الفترة الضريبية الحالية على من يتجاوز صافي دخلهم مليون جنيه من وعاء الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين أو أرباح «الأشخاص الاعتباريين» في إشارة إلى الشركات والهيئات والمؤسسات.
كان مسؤولون قد أوضحوا في مارس (آذار) أنه سيجري تطبيق الضريبة الاستثنائية على الأفراد وليس الشركات.
وبحسب «رويترز»، سمحت الحكومة بموجب قانون الضريبة المؤقتة لدافعي الضرائب الإضافية بتوجيهها لتمويل مشروع خدمي أو أكثر في مجالات التعليم أو الصحة أو الإسكان أو البنية التحتية أو غيرها من الخدمات الأخرى.
وقال أشرف الشرقاوي الرئيس السابق للرقابة المالية في مصر: «هذا القانون سيرفع ضريبة الدخل على الأفراد لمن يزيد دخله السنوي على مليون جنيه من 25 في المائة إلى 30 في المائة».
وأضاف: «ستزيد الضريبة على الشركات التي تحقق أرباحا أقل من 10 ملايين جنيه إلى 25 في المائة بدلا من 20 في المائة حاليا والشركات التي تزيد أرباحها على 10 ملايين جنيه ستدفع ضريبة 30 في المائة بدلا من 25 في المائة حاليا».
وصدر قانون الضريبة الاستثنائية بعد أيام قليلة من الإعلان عن تعديلات في قانون منفصل للضريبة على الدخل تسمح بفرض ضريبة على الأرباح الرأسمالية والتوزيعات النقدية في البورصة.
وجرى إرسال التعديلات لرئيس الجمهورية لإقرارها ولكن لم يتضح بعد ما إذا كان الرئيس السابق عدلي منصور أقر القانون أم ترك هذه المهمة للرئيس عبد الفتاح السيسي الذي تولى مهام منصبه الأحد.
وقوبلت الضريبة الاستثنائية بترحيب رجال أعمال لكنها أثارت في الوقت نفسه بعض المخاوف.
وأبدى أحمد أبو هشيمة الرئيس التنفيذي لمجموعة حديد المصريين تأييده للضريبة قائلا: «لازم نستحمل الثلاث سنوات المقبلة من أجل البلد والعدالة الاجتماعية».
لكنه أضاف: «لا بد أن يكون ذلك بالتوازي مع سن تشريعات جديدة لتحفيز الاستثمار وتشجيعه».
ولا يزال الاقتصاد المصري يعاني من هجرة الاستثمارات وانخفاض السياحة بسبب الاضطرابات السياسية التي تشهدها البلاد منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك في عام 2011.
وقال أبو هشيمة: «لا بد للحكومة أن تعمل على تشجيع التسهيلات البنكية للشركات حتى تتوسع وكذلك تشجيع المنتج المصري وفرض رسوم على المنتجات الأجنبية.. أتمنى التركيز على دخول الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي».
وتعاني مصر متاعب اقتصادية جمة مع ارتفاع معدلات التضخم والبطالة وتتوقع الحكومة الآن نمو الاقتصاد بنسبة 2.5 في المائة فقط في السنة المالية الحالية التي تنتهي في 30 يونيو (حزيران).
وعلى النقيض من أبو هشيمة، قال مسؤول تنفيذي في شركة غذائية: «أنا ضد هذه الضريبة».
وبرر موقفه قائلا: «لدينا بالفعل أعباء وزيادة في تكاليف الإنتاج وخاصة أسعار المواد الخام التي نستوردها ولا نجد لها عملة صعبة إلا من السوق الموازية. الشركات تعاني منذ ثلاث سنوات ولا تجد من يساعدها».
وتواجه مصر نقصا في احتياطيات العملة الصعبة بسبب تراجع إيرادات السياحة والاستثمارات الأجنبية فضلا عن أن كثيرا من المغتربين يفضلون إرسال أموالهم إلى البلاد عبر السوق السوداء التي يحصلون فيها على أسعار أعلى.
وقال التنفيذي الذي طلب من «رويترز» عدم الكشف عن اسمه: «هذا وقت غير مناسب لفرض مثل هذه الضريبة.. لا بد أن يفكر صانع القرار في التوقيت قبل اتخاذ أي قرار. قد نلجأ لرفع الأسعار لتعويض زيادة الضريبة».
وقال الشرقاوي إن الضريبة المؤقتة ليست جديدة وهناك العديد من الدول التي فرضتها في أوقات الأزمات «لكن يجب مراعاة المناخ الاستثماري وجاذبيته».
وسبق أن فرضت مصر ضريبة استثنائية على أصحاب الدخول المرتفعة بعد حرب عام 1967.
وتعمل مصر على تغيير عدد من قوانين الاستثمار وتذليل العقبات من أجل تشجيع المستثمرين الأجانب على العودة من جديد للاستثمار في مصر بعد فرار عدد منهم إثر انتفاضة يناير (كانون الثاني) 2011.
ويرى وائل زيادة رئيس قطاع البحوث في المجموعة المالية هيرميس أن الحكومة تتحرك سريعا بزيادة الضرائب «لحل المشاكل الهيكلية وسد عجز الموازنة. ولكن الضريبة هذه المرة مؤقتة لأن الحكومة لديها خطة لمواجهة زيادة النفقات بالموازنة خلال ثلاث سنوات»..
وتحاول مصر إجراء إصلاحات مثل تقليص الدعم السخي للمواد البترولية والكهرباء.
وقال زيادة: «وصول الضريبة إلى 30 في المائة على الشركات الكبيرة قد يعد عنصرا غير مشجع للاستثمار لأن بعض القطاعات لم تتعاف بشكل كبير بعد 2011. قد يكون رد فعل الشركات على زيادة الضريبة غير جيد لكن لا أعتقد أن الضريبة ستقلل الاستثمارات أو تمثل عنصرا طاردا لها. من الناحية الاقتصادية قرار الحكومة بفرض ضرائب أو زيادتها قد يدفع البعض لزيادة الأسعار وبالتالي ارتفاع التضخم»..
وتباطأ تضخم أسعار المستهلكين في المدن المصرية خلال أبريل (نيسان) إلى 8.9 في المائة على أساس سنوي من 9.8 في المائة في مارس.
وقال رجل الأعمال تامر بدر الدين الرئيس التنفيذي لشركة للبلاستيك: «أنا شخصيا مع الضريبة طالما أنها لثلاث سنوات فقط ولكن لا بد أن يكون ذلك مع تشجيع الاستثمار».
وأشار بدر الدين إلى أن الضريبة المؤقتة تنطوي على جانب إيجابي وهو إتاحة الفرصة لدافع الضريبة لتحديد المشروعات الخدمية التي يريد توجيه أمواله لها.
لكنه أضاف: «الجانب السلبي للضريبة هو إمكانية تأجيل بعض الشركات التسليمات الضريبية لها أو أن تتوجه للاقتصاد غير الرسمي»..
ويرى كامل جلال من مجموعة حديد عز أن ضريبة الدخل لا تؤثر بشكل سلبي على تقييم الشركات الكبيرة بل تؤثر بشكل إيجابي خاصة على الشركات الممولة من قروض ورأسمال. وقال إن الضريبة لن تؤثر على الأسعار خاصة أنها ضريبة مؤقتة.
وحديد عز المصرية هي أكبر منتج لحديد التسليح في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وقال جلال: «يمكنك كشركة توجيه الضريبة الإضافية لأي نشاط خدمي تريده وهذه نقطة ستشجع الممول على السداد لأنه سيكون على علم أين تذهب أمواله».
وتسعى مصر لتعزيز الإنفاق على التعليم والصحة وخلق وظائف جديدة لتخفيف وطأة البطالة التي وصلت إلى أكثر من 13 في المائة من قوة العمل.
فى سياق آخر وفي شارع رئيس بحي المهندسين (غرب القاهرة)، وضع نشطاء مصريون لافتة تقول: «امسك متحرش»، وتعكس اللافتة التي كتبت بخط اليد الفزع المتنامي من انتشار ظاهرة التحرش في البلاد، خاصة في أماكن التجمعات التي عرفتها العاصمة المصرية خلال سنوات ثلاث من الاضطرابات السياسية. وقبل يومين استيقظ المصريون على مشهد صارخ لمقطع مصور يظهر حالة تحرش جماعي بفتاة انتهكت في ميدان التحرير، خلال احتفال الآلاف بتنصيب الرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي، مما دفعه إلى التدخل مطالبا وزير داخليته بإنفاذ القانون في هذا الشأن بكل حزم.
وتتولى السلطات القضائية في البلاد حاليا التحقيق مع سبعة من المشتبه بهم في واقعة التحرش بفتاة في ميدان التحرير قبل يومين، لكن عشرات الحالات السابقة يبدو أنها مرت من دون تقديم أي من الفاعلين إلى المحاكمة. وتبدي الدولة اهتماما متزايدا بقضية التحرش، وقال السفير إيهاب بدوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة، إن الرئيس السيسي، وجه اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية في حكومة تسيير الأعمال، بضرورة إنفاذ القانون بكل حزم واتخاذ ما يلزم من إجراءات للتصدي لظاهرة التحرش.
وأضاف بدوي أن الرئيس السيسي وجه أيضا بتكريم النقيب مصطفى ثابت، ضابط قسم باب الشعرية، الذي أنقذ ضحية واقعة التحرش التي حدثت بميدان التحرير (مساء الأحد الماضي)، مشيرا إلى أنه ضرب مثلا في المروءة والشهامة، وأدى واجبه الوظيفي على الوجه الأكمل. وأشار بدوي إلى أن الرئيس يهيب بالمواطنين القيام بدورهم المنوط بهم لإعادة إحياء الروح الأخلاقية الحقيقية في الشارع المصري، منوها بقيام كل أسرة بتحمل مسؤوليتها الواجبة وبذل العناية اللازمة لبث القيم وتنمية الوازع الأخلاقي لدى أبنائها، وذلك إلى جانب جهود الدولة لتنفيذ القانون.
وزار وزير الصحة المصري عادل العدوي ضحية واقعة التحرش ، وقال الوزير إنه أبلغ ضحية التحرش برسالة طمأنة من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، كما أكد أن جميع المصريين حكومة وشعبا، يرفضون مثل هذه الأعمال الإجرامية، «التي صدر بشأنها قانون لمعاقبة مرتكبي هذه الجرائم الشنعاء»، مشيرا إلى أن المجتمع المصري لن يشهد مثل هذه الحوادث في الأيام المقبلة.
لكن نشطاء يقولون في المقابل إن الدولة جاءت متأخرة قليلا عن حركة المجتمع المدني، الذي بدأ منذ نحو عامين تشكيل جماعات لمقاومة الظاهرة. وفي أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2012، تأسست بالفعل مبادرة «شفت تحرش». وبحسب القائمين على المبادرة، فإنها تتشكل من مجموعة من السيدات والرجال من مختلف الأعمار، والمهن، والتخصصات، والمناطق الجغرافية، متطوعين من أجل مناهضة جرائم التحرش التي تستهدف النساء والفتيات. ولحقت السلطات المصرية بالمبادرات التطوعية، وأصدر الرئيس المنتهية ولايته، عدلي منصور، قبل يوم من مغادرته منصبه قانونا جديدا يغلظ العقوبة في جرائم التحرش، لكن ناشطات رأين أن العقوبات الواردة في القانون غير كافية.
وينص القانون الجديد على أنه «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه (نحو 500 دولار)، ولا تزيد عن خمسة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية؛ سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأي وسيلة، بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية». ويضاعف القانون العقوبة إذا تكرر الفعل من الجاني من خلال الملاحقة والتتبع للمجني عليه.
ويعتقد فتحي فريد، المنسق العام لحملة «شفت تحرش»، أن الدولة لم تقم بدورها للقضاء على ظاهرة التحرش وأشكال العنف ضد المرأة بشكل عام، ويقول فريد إنه «لا يكفي أمام هذه الظاهرة الاكتفاء باجتماعات ومؤتمرات تلامس أطراف الموضوع، فالمطلوب الآن تشريعات قانونية لمكافحة أنماط العنف ضد المرأة وجمع القوانين المتناثرة في قانون موحد، فلم يعد مقبولا أن يجرى تعديل قوانين تعود لعام 1937 ونحن في 2014». ويضيف فتحي قائلا: «نحن ندعو الدولة لتبني خطط وطنية شاملة تشارك فيها وزارات الداخلية، والعدل، والتربية والتعليم، والصحة، والشباب، والإعلام، والثقافة، للعب دور توعوي لمكافحة جرائم العنف الجنسي».
ومن بين المقترحات التي تقدمت بها مبادرة «شفت تحرش» ومنظمات مجتمع مدني أخرى، إقامة مراكز احتجاز وتأهيل للمتحرشين، ويوضح فريد: «نحن نطالب بذلك لأنه من غير المتصور أن نعاقب شاب لاتهامه بالتحرش فنضعه في بيئة تجعل منه مجرما، فمراكز الاحتجاز في مصر غير آدمية وتنتج مجرمين في واقع الأمر».
وعما إذا كانت المبادرة قد رصدت خلال الفترة الماضية إدانة أي من مرتكبي جرائم التحرش، قال فريد: «ما سأقوله ليس مزحة، النيابة العامة استدعت فقط سبع فتيات للتعرف على مشتبه بهم، في وقائع تحرش تعود لشهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2012».
ويروي النقيب ثابت، الذي أنقذ فتاة التحرير تفاصيل الواقعة التي أثارت الرأي العام خلال اليومين الماضيين، قائلا: «سمعت أصوات استغاثة من الفتيات والسيدات، وعرفت منهن أن هناك مجموعة من الشباب يحاصرون سيدة، فأسرعت نحوهم برفقة القوة الأمنية، وعندما اقتربت من مكان الواقعة، وجدت الشباب قد شكلوا دائرة مغلقة حول الفتاة، ومزقوا ملابسها بالكامل». وتابع: «نظرا لشدة التدافع والزحام كان من الصعب الوصول إليها، فأطلقت الرصاص في الهواء حتى أتمكن من إنقاذها وإبعاد المتهمين، حيث كان هدفي الأول إنقاذ الفتاة مهما كلفني الأمر».
ولعبت المرأة المصرية دورا بارزا في المظاهرات والاحتجاجات التي أطاحت بنظامي حكم، كما شاركت بفعالية في الاستحقاقات الانتخابية منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، لكن كثيرات منهن يشعرن بالمهانة بسبب الانتهاكات المتزايدة بحقهن في الشارع المصري. وخصصت وزارة الداخلية حديثا إدارة لمكافحة التحرش في الطرق العامة، لكن حالات التحرش الجماعي في ميدان التحرير خلال العامين الماضيين، تعكس عمق الإشكالية في بلد يعاني نحو 14 في المائة من شبابه البطالة، بحسب تقديرات حكومية. ويقول فريد منسق مبادرة «شفت تحرش» إن إجراءات وزارة الداخلية غير كافية، «فحتى الآن لم تخصص الداخلية رقما خاصا لتلقي البلاغات عن وقائع التحرش والعنف ضد المرأة».
وفي واقع سياسي معقد، يميل بعض المراقبين إلى تأويل الظاهرة الاجتماعية التي أرقت المصريين في إطار الصراع السياسي الراهن بين النظام الجديد وجماعة الإخوان المسلمين. ويقول ناشطون إن إثارة الأمر في الوقت الحالي محاولة من الجماعة للتأثير على مشهد تنصيب السيسي، لكن آخرين يرون أن هذه التبريرات تسهم في تفاقم الظاهرة، بتجاهل أسبابها الحقيقية.