الغارات الإسرائيلية على سوريا تواجه بإدانة إقليمية ودولية

الغارات تبعث على الخوف من اندلاع حرب إقليمية

سوريا تؤكد حقها بالرد في الوقت المناسب

أميركا وبريطانيا تبرران العدوان

أميركا وروسيا تتفقان على تكثيف المساعي لحل الأزمة السورية

لجنة التحقيق الدولية تتهم المعارضة السورية باستخدام الكيماوي والجيش الحر ينفي

للمرة الثانية خلال يومين استهدف الطيران الإسرائيلي مواقع في محيط دمشق، من خلال انفجارات عدة وصل صداها إلى العاصمة حيث شعر أبناؤها بما يشبه «الزلزال»، وأسفر الهجوم عن مقتل ما لا يقل عن 300 عسكري .
وأتى تأكيد الهجوم على لسان مصادر غربية عدة إضافة إلى الجيش الحر ووسائل إعلام سورية رسمية، بينما تضاربت المعلومات حول الأماكن المستهدفة.. ففي حين قالت وكالة الأنباء السورية (سانا) إنها «استهدفت مركز (جمرايا ) للأبحاث العلمية في ريف دمشق وهو محاولة لرفع معنويات (المجموعات الإرهابية)»، أكد الجيش الحر أنها أصابت مقرات الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، بينما أشارت مصادر غربية إلى أن الهدف كان مخازن لصواريخ كانت تنقل لحزب الله في لبنان. وجاء الرد السوري الرسمي على لسان نائب وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، الذي توعد بالرد، معتبرا أن الهجوم هو نتيجة تحالف بين إسرائيل والإسلاميين، بينما أعلن رئيس هيئة الأركان الإيرانية حسن فيروز آبادي أن المقاومة سترد على الاعتداء الإسرائيلي على سوريا .
في المقابل، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية، عن مسؤول إسرائيلي كبير، طلب عدم ذكر اسمه، أن إسرائيل شنت هجوما جويا فجرالاحد قرب دمشق، استهدف أسلحة إيرانية مرسلة إلى حزب الله، لافتا إلى أن الهجوم وقع قرب مطار دمشق، كذلك قال مصدر مخابراتي غربي لوكالة «رويترز» إن إسرائيل نفذت الهجوم والعملية استهدفت صواريخ قادمة من إيران كانت في طريقها إلى حزب الله، مؤكدا أن «الهجوم الأخير، كما الهجوم السابق، استهدف مخازن لصواريخ (الفاتح-110 ) التي كانت تنقل من إيران إلى حزب الله ».
أما وسائل إعلام سوريا، فقالت إن الغارات استهدفت مركز «جمرايا» للأبحاث العسكرية الذي يقع عند المداخل الشمالية لدمشق على بعد 15 كيلومترا فقط من الحدود اللبنانية، وسبق لإسرائيل أن استهدفته في هجوم في يناير (كانون الثاني) الماضي .
وفي حين قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن الانفجارات أصابت موقع جمرايا وكذلك مستودعا مجاورا للذخيرة، مشيرا إلى أن حجم الهجوم يفوق قدرات مقاتلي المعارضة، ناقلا عن شهود عيان في المنطقة قولهم إنهم رأوا طائرات في الأجواء وقت وقوع الانفجارات، وأشارت قناة «روسيا اليوم» نقلا عن مصادر إلى أن نحو 300 شخص جلهم من الجنود قتلوا جراء الغارات، إضافة إلى سقوط عدد من الجرحى موزعين في مستشفيات المواساة و601 العسكري والأسد الجامعي، وكذلك في مستشفى المجتهد .
في المقابل، أدانت هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي المعارضة في سوريا الغارة. وقال بيان صادر عنها إن «هذا العمل العدواني يستهدف كيان الدولة السورية أرضا وشعبا». وطالبت الهيئة المجتمع الدولي والأمم المتحدة بالمحاسبة الفورية ومنع هذه الخروقات السافرة والتطاولات العدوانية والتي تعمل بشكل أو بآخر على تأجيج نار حرب إقليمية ستشعل المنطقة برمتها . ودعت «كافة التكوينات والتشكيلات السياسية السورية إلى الوقوف على كلمة سواء بيننا بوجه هذا العدوان الغاشم الذي يمس هيبة الدولة السورية وينال من قدسية أرض الوطن ».
من جانبه، دعا الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي الأحد مجلس الأمن الدولي إلى «التحرك الفوري من أجل وقف الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ». وأدان العربي «القصف الإسرائيلي للأراضي السورية»، محذرا من «التداعيات الخطيرة الناجمة عن تلك الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية»، وطالب «مجلس الأمن بالتحرك الفوري من أجل وقفها ومنع تكرارها ».
أما الناطق الرسمي باسم القيادة العليا للجيش السوري الحر العقيد الطيار الركن قاسم سعد الدين، فقد أكد أن الغارة الإسرائيلية «استهدفت مقرات الفرقة الرابعة وقيادة اللواءين 104 و105 من الحرس الجمهوري»، كذلك «صواريخ (سكود) بالإضافة إلى صواريخ إيرانية من نوع (فاتح ) كانت معدة لنقلها إلى حزب الله»، كاشفا عن قرار اتخذ من قبل «الدول الصديقة» بإنشاء «جيش نظامي» تحت إمرة هيئة الأركان بقيادة اللواء سليم إدريس .
وأضاف سعد الدين أن الغارة «استهدفت أيضا مخازن الذخيرة والصواريخ في جبل قاسيون التابعة للفرقة الرابعة» التي يقودها ماهر الأسد، مشيرا إلى أن الغارة «استمرت لفترة قصيرة لا تتجاوز عشر دقائق»، مرجحا أن تكون صواريخ متطورة استخدمت في القصف الذي نفذته نحو 10 طائرات حربية .
وأوضح أن المواقع التي قصفت «تعتبر من أكثر المواقع العسكرية في سوريا تجهيزا وتحصينا»، لافتا إلى أن «عدد الانفجارات بشكل عام تجاوز 40 بين متوسطة وكبيرة، 3 منها عملاقة تسببت بهزة أرضية ربما تجاوزت 4 درجات على مقياس ريختر ».
هذا وطالبت جامعة الدول العربية مجلس الأمن الدولي بتحرك فوري لوقف الاعتداءات “الإسرائيلية” على سوريا، ودان أمين عام الجامعة نبيل العربي قصف دمشق، محذراً من التداعيات الخطرة . وعلم أن العربي التقى سراً الرئيس السابق للائتلاف السوري المعارض أحمد معاذ الخطيب، وقال مصدر مسؤول إن الأمانة العامة تعمدت إبلاغ الصحافيين بإلغاء اللقاء، “مشيراً إلى أنه تناول آخر المستجدات على الساحة السورية، في ضوء الاعتداء “الإسرائيلي”، وجهود إحياء المبادرة الرباعية التي تقودها مصر وتضم السعودية وتركيا وإيران”.

وأعلنت الرئاسة المصرية رفضها المساس بسيادة سوريا، والاعتداء على المقدرات السورية أو استغلال أزمتها الداخلية تحت أي ذريعة، وأوضح البيان أن ما تقوم به “إسرائيل” من اعتداءات يعد اختباراً حقيقياً للمجتمع الدولي . ونفى وزير الخارجية المصري محمد كامل عمرو وجود ضغوط إيرانية لتغيير الموقف من سوريا، وأشار إلى رفض أي خرق لسيادة أي دولة عربية .

ودان الرئيس اللبناني ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي الاستهداف “الإسرائيلي” لسوريا، واعتبر “أن هذا التصرف ليس غريباً على عدو مشترك قامت سياسته على العدوان”، وقال ميقاتي إن العدوان يؤكد النوايا التي لم تعد بحاجة إلى دليل . وكان وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور استغرب “الصمت العالمي حيال ما تقوم به “إسرائيل” من أعمال عدوانية متكررة على أكثر من بلد عربي”، وقال ندعو الجامعة العربية إلى اتخاذ موقف حازم لتفادي ما هو أسوأ” .

وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما أكد أنه “من حق “إسرائيل” أن تعمل على حماية نفسها من نقل أسلحة سورية إلى حزب الله”، قبل ساعات من العدوان، وقال “مازلت أعتقد أن على “الإسرائيليين”، وهو أمر مبرر، حماية أنفسهم من نقل أسلحة متطورة إلى منظمات إرهابية مثل حزب الله”، وأضاف “ننسق عن كثب مع “الإسرائيليين” ونعرف أنهم قريبون جداً من سوريا وقريبون جداً من لبنان”، وتابع “أترك للحكومة “الإسرائيلية” تأكيد أو نفي القيام بقصف” .

من جهته، قال وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ إن الغارات الجوية تظهر أن السلام في المنطقة مهدد، وضرورة رفع الحظر على إرسال الأسلحة إلى المعارضة السورية، وأضاف “إن “إسرائيل” أوضحت أنها ستتحرك إذا اعتقدت أنه يتم نقل أنظمة أسلحة مهمة إلى حزب الله، “إسرائيل” ستتحرك لحماية أمنها القومي وعلينا احترام ذلك” .

واعتبر متحدث باسم الخارجية البريطانية، أن الغارات تؤكد الوضع المتفجر، وقال “نحن على علم بالتقارير عن الغارات الجوية، ليس من المفيد التكهن الآن” . وحول مجزرة البيضا، أعرب عن “قلق الحكومة العميق”، مشدداً على أنها “مثال آخر على الوحشية، إذا تأكد وقوعها” .

وحذرت إيران من محاولات “إسرائيلية” - أمريكية لإشعال المنطقة من خلال ضرب سوريا، وأجرت طهران اتصالات مع دول في المنطقة محذرة من مخطط دولي تقوده “إسرائيل”، وقال رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني “لقد انكشف للجميع أن الهدف من مغامرة “إسرائيل” وأمريكا في سوريا هو التنفيس عن الكيان للخروج من عزلته عبر طرح مبادرة سلام مزيفة”، وكانت الخارجية الإيرانية دانت الهجوم، واتهم وزير الدفاع الإيراني العميد أحمد وحيدي أمريكا بمنح الضوء الأخضر ل”إسرائيل”، وتعهد مساعد رئيس أركان الجيش العميد مسعود جزائري بأن المقاومة سترد على العدوان .

ونددت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بالقصف “الإسرائيلي” الذي استهدف دمشق، معتبرة إياه تحدياً للشعوب والدول العربية والإسلامية، واعتبر القيادي خالد البطش أن “إسرائيل” تتجاوز الخطوط الحمر وتقصف عاصمة عربية، محذراً من تماد “إسرائيلي” في حال لم يتم الرد عليها . ودعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الحكومة السورية إلى الرد على الهجوم، وقال “على الحكومة السورية الرد على تلك الاعتداءات، لا بد من حفظ هيبة سوريا، ولا يحق لأحد منعها” .

من جانبها أعلنت الحكومة السورية، بعد اجتماع استثنائي، أن قصف “إسرائيل” مركز جمرايا للبحوث العلمية، يفتح الباب أمام جميع الاحتمالات، بعدما شهدت العاصمة دمشق سلسلة انفجارات عنيفة استهدفت 3 مواقع في غارات شنها الاحتلال “الإسرائيلي”، وتباينت التصريحات “الإسرائيلية” بين تأكيد الأمر، وعدم التأكيد ولا النفي، فيما بررت واشنطن ولندن العدوان، واعتبرتا أن من حق الكيان “الدفاع عن نفسه”، ونددت الجامعة العربية به ودعت مجلس الأمن إلى تحرك فوري لوقفه .          

وأكد مسؤول “إسرائيلي” كبير أن “إسرائيل” شنت غارتين جويتين في ظرف 48 ساعة على سوريا استهدفتا أسلحة مخصصة لحزب الله، وفي ظهور علني روتيني، لم يشر رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو إلى الهجمات بشكل مباشر، لكنه تحدث بوضوح عن مسؤوليته في تأمين مستقبل “إسرائيل”، وأعلن داني دانون نائب وزير الحرب أن “إسرائيل” لا تؤكد ولا تنفي الغارات، فيما قالت تقارير إن الاحتلال رفع التأهب في الجولان المحتل وعلى حدود لبنان .

وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن “قلقه الشديد”، ودعا إلى الهدوء “لتفادي التصعيد”، وأعلن المتحدث باسمه مارتن نيسيركي أن كي مون “قلق للغاية إزاء المعلومات المتعلقة بالغارات الجوية”، لكن الأمم المتحدة “لا تملك تفاصيل حول هذه الحوادث ويتعذر عليها تحديد ما حصل بشكل مستقل”، ودعا “كل الأطراف إلى التحلي بأقصى درجات الهدوء وضبط النفس والتحرك بطريقة مسؤولة لتفادي تصعيد ما هو في الأساس نزاع مدمر وخطير للغاية” . كما دعا “إلى احترام السيادة الوطنية ووحدة أراضي كل دول المنطقة وتطبيق كل القرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن” .

من جهة أخرى، أكد وزير الخارجية المصري محمد كامل عمرو أن الوضع في سوريا بلغ حداً مأساوياً لا يمكن أن نقف منه موقف المتفرج .

ودعا عمرو نظراءه السعودي سعود الفيصل والتركي أحمد داوود أوغلو والإيراني علي أكبر صالحي، خلال اتصالات أجراها معهم، إلى الاستمرار في المشاورات لاستكشاف كل الطرق لإيقاف نزف الدم، وتحقيق المطالب المشروعة للشعب السوري، والحل الذي يضمن وحدة الأراضي السورية والوصول للانتقال الذي يضمن وحدة المجتمع السوري وعدم تفككه، وقال “إن هناك أفكاراً لتوسيع المبادرة المصرية الرباعية بشأن سوريا بضم ممثلين من الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي” .

وأوضح الوزير المصري أن الموقف المصري الرسمي من الملف السوري لم يتغير منذ بداية الثورة وهناك موافقة على التفاوض بين المعارضة وممثلي النظام “ممن لم تتلوث أيديهم بدماء السوريين” وتخولهم السلطات للتفاوض وأن يحدث توافق عليهم من المعارضة .

ودعا عدد من النواب الأمريكيين أوباما إلى توفير المعلومات الاستخباراتية والتدريب للمعارضين السوريين المسلحين من خلال الدول العربية للتسريع في سقوط النظام، ودعا النائب مايك روجرز رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب كذلك إلى إنشاء قوة لإحلال الاستقرار في سوريا بعد سقوط الأسد، من دون الالتزام بنشر قوات برية . أما النائب الديمقراطي العضو في لجنة الاستخبارات داتش روبرسبرغر فقال “عندما نقرر التدخل، علينا أن نفعل ذلك في إطار تحالف يشمل الدول العربية ودولاً أخرى في المنطقة” .

على الأرض، سيطر مقاتلو المعارضة السورية على أجزاء واسعة من مطار منغ العسكري في حلب (شمال)، غداة مقتل قائده في الاشتباكات التي مازالت مستمرة فيه، فيما شنت مقاتلات سلسلة من الغارات على مناطق عدة، منها أطراف حي جوبر شرقي دمشق، ومدينة الرقة التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة (شمال)، وفي مدينة بانياس الساحلية (شمال غرب)، أفاد المرصد عن قصف متقطع يطال الأحراج المحيطة بالأحياء الجنوبية ذات الأغلبية السنية، وفي حمص (وسط)، دارت اشتباكات على أطراف مدينة القصير بين المعارضين الذين يسيطرون عليها، والقوات النظامية مدعومة بعناصر من “حزب الله” اللبناني، وفي درعا (جنوب)، دارت اشتباكات عنيفة على الأطراف الشمالية لبلدة خربة غزالة الواقعة تحت سيطرة مقاتلي المعارضة .

وفي تطور لافت بعد العدوان “الإسرائيلي” على دمشق، ذكر التلفزيون السوري أن السلطات السورية سمحت للفصائل الفلسطينية بشن هجمات على “إسرائيل” عبر الجولان المحتل .

إلى هذا اجتمع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مع قادة الجيش والمخابرات وأعضاء المجلس الوزاري الأمني المصغر، في مكان خارج مبنى الحكومة، وبحث معهم التطورات العسكرية في المنطقة. واختتم الاجتماع بقناعة أن سوريا لن ترد على هذا القصف وأن احتمالات رد من حزب الله ما زالت ضعيفة. وتقرر أن يتابع نتنياهو برنامجه بـ«راحة بال» فانطلق في رحلة تدوم خمسة أيام إلى الصين، للتوقيع على اتفاقيات اقتصادية جديدة، بينما أعلن الجيش أنه متأهب لمواجهة أي احتمال. ورغم ذلك ومن باب الاحتياطات اللازمة نشرت إسرائيل بطاريتين من القبة الحديدية المضادة للصواريخ في مدينة حيفا الساحلية وصفد القريبة من الجولان .
وقال الجنرال عاموس يدلين، رئيس الاستخبارات العسكرية السابق ورئيس مركز أبحاث الأمن القومي، إن هناك عدة أسباب تجعل إسرائيل مطمئنة إلى أن سوريا لن ترد على القصف، أهمها: أولا أن إسرائيل ليست القوة التي تهدد نظام بشار الأسد بالسقوط، وأن وضع الأسد آخذ في التحسن حاليا في مواجهة المعارضة فإذا دخل في حرب مع إسرائيل فسينهار نظامه في أيام قليلة. وثانيا أن إسرائيل، بامتناعها عن أخذ مسؤولية القصف، تساعد الأسد على ألا يرد. وثالثا أن الأسد يعرف أن نقل أسلحة لحزب الله هو أمر غير شرعي حتى حسب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1705، ولذلك فإن العالم سيقف إلى جانب إسرائيل في معركة كهذه .
ومع ذلك قال يدلين إن هناك احتمالا ضعيفا أن يرد الأسد، وهو أنه كان قد وعد في مرة سابقة بأن يرد وأنه يتعرض لهجوم كاسح اليوم من العالم بسبب المذبحة التي نفذها في الأسبوع الماضي وراح ضحيتها 1200 مدني، «فقد يحشر في زاوية يرى نفسه فيها مضطرا إلى إزاحة الأنظار عن المذبحة فيشغل العالم في صدام محدود مع إسرائيل ».
وكانت إسرائيل الرسمية قد واصلت التزام الصمت المطبق إزاء الأحداث الأمنية المتدهورة، رافضة تأكيد أو نفي الأنباء المتلاحقة عن شنها غارات على أهداف سورية، وكذلك ليل الخميس الماضي. ومع ذلك تناقلت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الفرنسية والأميركية والبريطانية تصريحات لمسؤولين إسرائيليين، اشترطوا عدم نشر أسمائهم، يؤكدون فيها أن إسرائيل هي التي قصفت، وأن القصف في المرتين كان على مخازن تحت الأرض وفوقها تضم أربعة أنواع من الأسلحة الاستراتيجية، إضافة إلى كميات هائلة من الذخيرة.
وحاول المتحدثون الإسرائيليون تبرير هذا القصف بالقول إنه موجه لتدمير هذه الأسلحة حتى لا يتمكن حزب الله من الحصول عليها، باعتبار أن وجودها بحوزته سيغير من معادلة التوازن العسكري. لكن المحرر العسكري في موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإلكتروني، روني بن يشاي، قال إن الضربات الإسرائيلية استهدفت مخزون الصواريخ السورية ووقود هذه الصواريخ، وبشكل خاص المخزون تحت الأرض، وذلك ليس فقط بغية منع وقوعها بأيدي حزب الله، مع ما يمثله ذلك من تهديد لإسرائيل، بل إن إسرائيل تستغل اللحظة المناسبة لضرب مخزون الصواريخ السورية، مشيرا إلى أن مثل هذه الضربات تستهدف تجربة قنابل ذكية حصلت عليها إسرائيل قادرة على اختراق الملاجئ الواقعة تحت الأرض والمسلحة بالإسمنت المسلح. وقال إن هذا الأمر انجلى بشكل بارز من قوة الانفجارات المرافقة للضربة، التي قدرتها روسيا بقوة زلزال أرضي بدرجة تقارب 5 في المائة .
وفي السياق ذاته، قال وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، ورئيس حزب «كديما » ، الجنرال المتقاعد، شاؤول موفاز، إن الغارات الجوية الإسرائيلية ضد أهداف في سوريا هدفها منع تعاظم قوة حزب الله وردع إيران، بينما حذر محللون إسرائيليون من عواقب دخول إسرائيل في الحرب الدائرة في سوريا واحتمال اندلاع حرب إقليمية. وأضاف موفاز، الذي كان يدلي بتصريحاته للإذاعة العامة الإسرائيلية، أن «المبدأ الذي يوجه إسرائيل هو منع تسرب أسلحة متطورة إلى أيدي حزب الله، والعمليات (العسكرية الإسرائيلية) التي نفذت في الماضي في سوريا تبعث رسالة ردع إلى إيران وأعداء آخرين لإسرائيل». وأردف أنه «بالتزامن مع تفكك سوريا، يتطلع حزب الله لأن يتحول إلى قوة ذات تأثير كبير في المنطقة وتحاول إيران مساعدته في ذلك». لكن المحرر العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت» ألكس فيشمان، أشار إلى أن الغارات الإسرائيلية ضد سوريا لن تردعها وتشكل خطرا حيال احتمال نشوب حرب إقليمية. وأضاف أنه «إذا كانت الأنباء من الولايات المتحدة صحيحة، فإن من شأن ذلك أن يدخل إسرائيل إلى طقوس شاقة بشن غارات في سوريا من خلال المخاطرة بأن تخرج المواجهة عن السيطرة، وستؤدي إحدى هذه العمليات (الغارات) إلى اشتعال إقليمي ».
ومع أن بن يشاي أكد أن القصف الإسرائيلي حظي بموافقة الولايات المتحدة وتفهمها، فقد أشار فيشمان إلى أنه «ليس الجميع في الإدارة الأميركية يحبذون هذا الاستقلال (الإسرائيلي بشن هذه الغارات) وربما هذا هو السبب للتسريبات التي تدعي أن هذه غارات إسرائيلية قد جاءت من جانب موظفين أميركيين ».
من جانبه، اعتبر المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هارئيل، قيام إسرائيل بشن غارات ضد سوريا أنه «سير ببهلوانية على حبل رفيع للغاية، وهي تحاول الإصرار على الخطوط الحمراء التي رسمتها، بمنع نقل سلاح كيماوي وسلاح متطور إلى حزب الله، من دون أن تحول الحرب الداخلية في سوريا إلى مواجهة بينها وبين نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد ».
في سياق متصل اتفقت الولايات المتحدة وروسيا، على عقد مؤتمر دولي آخر الشهر الحالي بشأن الأزمة السورية، استكمالاً لمؤتمر جنيف الأخير . 

وقال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بعد محادثات أجراها، في موسكو مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، والرئيس الروسي فلايمير بوتين، إنه سوف تتم دعوة الحكومة السورية والمعارضة إلى المؤتمر، بهدف التوصل إلى حكومة انتقالية تضم الجانبين، مؤكداً ضرورة تنفيذ اتفاق جنيف بشأن سوريا .

وأشار لافروف من جهته إلى أن روسيا وأمريكا ستتعاملان مع كافة الأطراف السورية من أجل الإسراع في عقد المؤتمر الدولي، وأكد أن الشعب السوري يجب أن يقرر مصيره بنفسه .

وقال لافروف إن المعارضة السورية لم تعلن حتى الآن تأييدها لبيان مؤتمر جنيف، ولم تحدد من يمثلها فيه، مؤكداً أهمية التعاون من أجل تطبيق بيان جنيف .

وكان كيري قال بعد اجتماعه إلى بوتين إن “الولايات المتحدة تؤمن حقاً بأن لنا مصالح مشتركة مهمة جداً في سوريا”، من بينها “الاستقرار في المنطقة وعدم السماح للمتطرفين بخلق مشكلات في المنطقة وغيرها من المناطق”، فيما قال بوتين “أعتقد أنه من المهم للغاية أن تتعاون وزاراتنا ومؤسساتنا الرئيسة بما فيها وزارة الخارجية، في إيجاد حلول لأهم قضايا اليوم” .

وأعلن الرئيس السوري بشار الأسد أن الغارة “الإسرائيلية” الأخيرة تكشف حجم تورط “تل أبيب” والدول الغربية الداعمة لها في الأحداث الجارية في بلاده .

وأكد الأسد، خلال لقائه وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي في دمشق، أن الشعب السوري وجيشه قادر على مواجهة المغامرات “الإسرائيلية” التي تشكل أحد أوجه هذا الإرهاب الذي يستهدف سوريا يومياً” .

من جهته، أعرب صالحي عن إدانة بلاده الشديدة “للعدوان “الإسرائيلي” السافر على الأراضي السورية”، مؤكداً وقوفها إلى جانب سوريا “في وجه المحاولات “الإسرائيلية” للعبث بأمن المنطقة، وإضعاف محور المقاومة فيها”، وقال “آن الأوان لردع الاحتلال “الإسرائيلي” عن القيام بمثل هذه الاعتداءات ضد شعوب المنطقة” .

ودعا الأردن وإيران إلى إيجاد حل سياسي للنزاع الدائر في سوريا، فيما حذرت طهران من الفراغ الذي قد تنعكس آثاره السلبية على جميع دول المنطقة، وأكد الأردن وجود خلافات حول عدد من القضايا، إلا أنها لا تمنع الحوار، مشيراً خصوصاً إلى احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث .

وذكرت صحيفة “الوطن” السورية أن القيادة السورية أعطت الضوء الأخضر وصلاحية أوسع للجهات المختصة للرد على أي عدوان “إسرائيلي” قد يحصل “من دون الرجوع” إليها، ونقل التلفزيون الرسمي عن مصدر سوري قوله إنه “تم تحديد أهداف جاهزة داخل كيان الاحتلال يمكن قصفها في حال أي عدوان جديد من دون الرجوع إلى القيادة”، وأكد أن “الصواريخ جاهزة لضرب أهداف محددة في حال حدوث أي اختراق”، وفي المقابل، قال وزير الحرب “الإسرائيلي” موشيه يعالون إن “إسرائيل” لا تتدخل في الحرب الأهلية في سوريا، واستدرك “إلا أنها لن تسمح بنقل وسائل قتالية متقدمة وأسلحة كيماوية إلى حزب الله”، وشدد على أن “ذلك يعد خطاً أحمر”، وأضاف أنه تم الإيعاز “بالرد على أي إطلاق نار من الجانب السوري وبتدمير مصادر النيران حتى من دون تصريح مباشر” .

على الأرض، أعلنت الأمم المتحدة أن مجموعة مسلحة خطفت 4 من عناصر قوات حفظ السلام (من الفلبين) في مرتفعات الجولان السورية، فيما قالت “كتيبة شهداء اليرموك” إنها احتجزتهم بهدف “حمايتهم” من المعارك الدائرة في وادي اليرموك الفاصل بين درعا والجولان المحتل .

إلى ذلك، جددت الصين دعوتها لكل الأطراف في سوريا من أجل إطلاق حوار سياسي لحل الأزمة، وإجراء عملية انتقال سياسية في أقرب وقت ممكن، وقالت المتحدثة باسم الخارجية هوا شونيينغ إن الصين “تولي اهتماماً وثيقاً بتطور الوضع، وتدعو كل الأطراف المعنية لاحترام سيادة ووحدة أراضي سوريا جدياً، والتزام ضبط النفس، وتجنّب أية أفعال من شأنها أن تصعّد التوتر، ولعب دور مسؤول وبنّاء في حل الأزمة السورية عبر السبل السياسية ” .

وأكد نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية السوري وليد المعلم  “حق سوريا المتأصل في القانون الدولي بالرد على العدوان “الإسرائيلي” الإجرامي”، وذكرت وكالة الأنباء السورية “سانا” إن التصريح جاء خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بحثا فيه الأوضاع المتفجرة في المنطقة إثر الاعتداء “الإسرائيلي”، وقال المعلم إن هذا “العدوان يثبت مرة أخرى تورط “إسرائيل” ومن يدعمها في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية في سفك الدم السوري ومنع وقف العنف والإرهاب بهدف إضعاف سوريا” .

وأكد لافروف حرص بلاده على استقرار سوريا، وعبر عن القلق من خرق سيادتها وحرمة أراضيها، وحذر من تزايد فرص اندلاع تطورات لا يمكن السيطرة عليها في المنطقة، وشرح لنظيره السوري الاتصالات التي قامت بها القيادة الروسية .

وعلى صعيد آخر أعلنت لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، أنها لم تتوصل إلى نتائج قاطعة تثبت استخدام أي من طرفي النزاع في سوريا أسلحة كيميائية، بعد أن أعربت عضوة اللجنة كارلا ديل بونتي عن “شكوك قوية” باستخدام مقاتلي المعارضة السورية غاز السارين . وقالت اللجنة في بيان “إنها لم تتوصل إلى نتائج قاطعة تتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا من قبل أي طرف من أطراف النزاع” .

وأعلنت كارلا ديل بونتي ليل الأحد/الاثنين، أن مقاتلي المعارضة السورية استخدموا غاز الأعصاب القاتل “السارين”، استناداً إلى شهادات الضحايا، وقالت “حسب الشهادات التي جمعناها، فإن المقاتلين استخدموا أسلحة كيميائية مستعينين بغاز السارين” .

 

ولم تشر اللجنة إلى تصريحات ديل بونتي مباشرة إلا أنها أكدت أنها “ليست في وضع يمكنها في الوقت الراهن من مواصلة التعليق على هذه الادعاءات”، وجاء في البيان أن “رئيس لجنة التحقيق باولو سيرجيو بينيرو يذكر جميع أطراف النزاع بأن القانون الدولي الإنساني يحظر استخدام الأسلحة الكيميائية في أيّ ظرفٍ كان” . وأضافت أنها تقوم “بمتابعة تحقيقاتها في جميع مزاعم انتهاكات القانون الدولي وستقوم بإرسال استنتاجاتها إلى مجلس حقوق الإنسان في 3 يونيو/حزيران المقبل حسب ما يقضي القرار 2224” .

وقالت ديل بونتي في مقابلة أجرتها معها الإذاعة السويسرية الإيطالية إنه لا يوجد بعد “دليل مؤكد، ولكن توجد شكوك قوية، وشكوك ملموسة بأنه تم استخدام غاز السارين، والمساعدة التي تلقاها الضحايا تظهر ذلك”، وأوضحت أن تحريات لجنة التحقيق لم تنته على الإطلاق، وأضافت “ما زال علينا تعميق تحقيقاتنا والتدقيق فيها وتأكيدها من خلال شهادات إضافية لكن ما خلصنا إليه حتى الساعة هو أن معارضي النظام هم من يستخدمون غاز السارين”، وأشارت إلى أن التحقيقات الجارية قد تكشف كذلك إن كانت الحكومة استخدمت هذا النوع من الأسلحة الكيميائية أم لا .

من جهتها، اتهمت الخارجية الفرنسية النظام السوري بمحاولة فرض شروط غير مقبولة على الأمم المتحدة، في ما يتعلق بنشر فريق التحقيق باستخدام السلاح الكيميائي، وتحدثت عن شهادات وإشارات حول استخدام هذا النوع من الأسلحة في سوريا . وقال المتحدث باسم الخارجية فينسان فلورياني “نأسف لأن نظام بشار الأسد يحاول أن يفرض على الأمم المتحدة شروطاً غير مقبولة لنشر هذه البعثة” .

وقال سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف إن بلاده لا تملك معلومات أكيدة حول استخدام أسلحة كيميائية في سوريا، واعتبر أمين عام حلف شمال الأطلسي أندرس فوغ راسموسن أن رفض سوريا المستمر السماح لمفتشي الأمم المتحدة بالتحقيق ميدانياً حول احتمال استخدام أسلحة كيميائية، أمر “مؤسف”، وقال في مؤتمر صحفي في بروكسيل “من الأهمية بمكان أن يمنح مفتشون من الأمم المتحدة الإذن بالدخول الحر والكامل بهدف التحري عما حصل . ومن المؤسف أن ترفض السلطات السورية السماح بمثل هذا الدخول”، وأعلن أنه لا يملك “معلومات قوية حول من لجأ بالفعل إلى استخدام أسلحة كيميائية”، وجدد القول إن “استخدام أسلحة كيميائية انتهاك للقوانين الدولية أياً كان الطرف الذي يستخدمها”، وأضاف أن الوضع في سوريا “يبقى موضوعاً مثيراً للقلق الشديد”، وحض المجتمع الدولي على “مضاعفة الجهود لإيجاد حل سياسي في أسرع وقت”.

وطالب وزير الخارجية الألماني غيدو فيسترفيله القيادة السياسية في دمشق بتمكين المراقبين المستقلين من القيام بعملهم في التحقيق، وقال “من يستخدم أسلحة كيميائية بغض النظر عن الجانب الذي ينتمي إليه يرتكب جريمة خطيرة”، وطالب “من يملك أدلة على استخدام هذه الأسلحة من أحد أطراف الصراع بإشراك المجتمع الدولي في هذه الأدلة وطرحها على الطاولة”، كما طالب الحكومة السورية بضمان عدم تقييد حركة المراقبين حتى يتمكنوا من استجلاء هذه الشبهات .