الاتحاد الأوروبي يعرب عن قلقه من التطورات في تركيا

المتظاهرون يرفضون الرضوخ لتهديدات أردوغان

أردوغان يحاور وفداً من المتظاهرين ويواصل التهديد ويدعو الناخبين إلى تلقين معارضيه درساً في الانتخابات البلدية

كر وفر بين الشرطة والمتظاهرين في ساحة "تقسيم"

انتشرت الشرطة التركية يوم الاربعاء مجددا على أطراف ميدان «تقسيم» في إسطنبول. وذكر شهود عيان لوكالة الأنباء الألمانية، أن الأوضاع هادئة في الميدان حاليا. ولا يزال المتظاهرون موجودين داخل خيامهم في متنزه «جيزي» المجاور، الذي أصبح رمزا للحركة الاحتجاجية التركية .
وفي الساعات الأولى لصباح الثلاثاء وصل عناصر الشرطة التركية مقنعين ومسلحين بالهراوات فيما كان المتظاهرون غارقين في النوم بالخيام التي نصبوها بحديقة «جيزي» وساحة «تقسيم»، ليستفيقوا على قنابل الغاز المسيل للدموع التي أخبرتهم بأن الهجوم قد بدأ. لا أحد كان يعلم أنه بعد سبع عشرة ساعة ستكون ساحة «تقسيم» وجوارها ساحة للمواجهات. ففي الساعة 7.30 صباحا، حسب التوقيت المحلي في إسطنبول، انتشر عناصر الشرطة بالمئات عند طرفي الساحة بعد أن تغيبوا عنها منذ أسبوع. لكنهم عادوا عشية لقاء مرتقب بين رئيس الحكومة الإسلامية المحافظة رجب جيب أردوغان وممثلين عن الحركة الاحتجاجية بعد اثني عشر يوما من الأزمة السياسية .
وقد اجتاح عناصر الشرطة مركز أتاتورك الثقافي القديم، وهو مبنى أسود أشبه بشاهد قبر عملاق، وانتزعوا منه عشرات اللافتات والصور التي كانت ملصقة على واجهته. وعلى بعد عشرات الأمتار من أشجار حديقة «جيزي» حيث بدأ كل شيء في 31 مايو (أيار) الماضي، بدا المتظاهرون في حالة إعياء تملأ الدموع عيونهم، فيما كانت نظرات البعض تائهة في حالة ضياع .
وصرخ يلماظ (23 عاما): «أترون ذلك؟ يهاجموننا بعد أن أعلنوا أنه (أردوغان) سيلتقينا غدا للنقاش؟ أي رئيس حكومة هذا؟». وأضاف: «لن نترك حديقة (جيزي)، بإمكانهم إرسال مئات آخرين من رجال الشرطة»، قبل أن يهزأ من خراطيم المياه: «ليقذفونا بالمياه، هذا أمر حسن بالنسبة لي لأنني لم أستحم منذ ثلاثة أيام»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية .
وفي وسط الساحة أتى متظاهرون لاستفزاز الشرطة. ومع رشق أول زجاجات جعة أو حجارة انهالت عليهم القنابل المسيلة للدموع ليغطي دخانها سماء إسطنبول الصافية. كما قام بعض عناصر الشرطة برشق الحجارة بدورهم. وفي أقل من ساعتين استعادت الشرطة سيطرتها الكاملة على الساحة، لكنها لم تسع إلى اجتياح حديقة «جيزي» المجاورة. ويسيطر عناصر الشرطة على كل المنافذ المؤدية إليها، كما أزالوا في وقت قياسي أطنانا من الحواجز والحجارة والكتل الإسمنتية بواسطة جرافات البلدية .
وأكد حاكم إسطنبول حسين عوني متلو على موقع «تويتر» أن هدف العملية لم يكن طرد المتظاهرين من الحديقة .
وعلى جانب من الساحة وقعت أعنف المعارك بين عشرات المتظاهرين والحرس المتحرك. وتم رمي قنابل مولوتوف أعدت مسبقا على آلية مصفحة، فتصاعد دخان أسود لكن سرعان ما تبدد مع إطلاق القنابل الدخانية التي ينبعث منها دخان أبيض، والقنابل المسيلة للدموع .
وفي محيط الحديقة اشتد التوتر بين أنصار المواجهة مع الشرطة وأولئك الذين يفضلون الانتظار سلميا. وقالت شابة ترتدي قميص «تي شيرت» لمجموعة يسارية متطرفة: «تبقون هنا من دون أن تفعلوا شيئا، ليس لديكم كرامة». وتجيبها سيدة أخرى قائلة: «حافظوا على الهدوء. هذا بالتحديد ما تريده السلطة». وانتهت عملية استعادة الساحة. لكن عند أطرافها سعى عشرات المتظاهرين طوال بعد الظهر إلى مناوشة عناصر الشرطة. وهؤلاء الأخيرون يقفون هادئين بحماية الآليات المصفحة ويطلقون بين الحين والآخر قنابل مسيلة للدموع لتفريق الشبان. وبعد عشر ساعات من إطلاق الهجوم، بات رجال الشرطة أسيادا على ساحة «تقسيم» عندما انسحبوا فجأة قرب مركز أتاتورك الثقافي. وهذا ما كان يتمناه المتظاهرون الذين عادوا بقوة إلى الساحة، ليجتاح عشرات الآلاف منهم على وقع الأغاني والتلويح بالأعلام حديقة «جيزي » وساحة «تقسيم» أمام عشر شاحنات ومئات الشرطيين. وعادت «تقسيم» من جديد للمتظاهرين، لكن ليس لفترة طويلة. فبعد أقل من ساعة أخلى عناصر الشرطة الساحة للمرة الثانية وبعنف مضاعف. وفي أقل من دقيقة خلت الساحة من المحتجين لينتشر فيها الشرطيون وكذلك أمام حديقة «جيزي» التي لم تنج من الغاز المسيل للدموع .
إلى ذلك انتشرت وحدات من الشرطة في الشوارع المجاورة. وتعرض شاب متظاهر لركل رجال الشرطة الذين ما لبثوا أن تركوه يرحل عندما رأوا مجموعة من الصحافيين .
وتحولت حديقة «جيزي» إلى مستشفى ميداني. وتدفق نحوها العديد من الجرحى إلى أحد المراكز الأربعة لتقديم الإسعافات الأولية تحت إشراف المتظاهرين. ووصول جرحى في «حالة طارئة» محمولين على نقالات أعدت عشوائيا، يعلن بإطلاق صفارة .
وفي أحد هذه المراكز، يعلن ناشط بواسطة مكبر للصوت: «عثر على طفل بمفرده، باستطاعة أهله أن يجدوه أمام فندق (ديفان)» القريب .
وأوضحت ممرضة متطوعة طلبت عدم كشف اسمها: «خلال الساعة الأخيرة، مر نحو 25 جريحا في مركزنا قبل نقلهم بسيارة إسعاف إلى المستشفيات». وأوضحت أن «معظمهم مصابون بحروق، وهناك أشخاص أصيبوا بقنابل مسيلة للدموع في الرأس أو أماكن أخرى من الجسم، وأشخاص سقطوا أرضا وأصيبوا بكسور، كما أن هناك حالات ربو»، مضيفة: «هنا نكتفي بالإسعافات الأولية، ونكتفي بوقف حالات النزف، ونرسل إلى المستشفى »
من جانبه أطلق رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، آليات «مواجهة المؤامرة» على خطين متوازيين؛ الحوار مع بعض قيادات الاحتجاج الذي اندلع ضده في الأول من يونيو (حزيران) الحالي، وأوامر مشددة بإخلاء جميع ساحات البلاد من المتظاهرين، كما أكد أحد مساعدي رئيس الوزراء التركي . وأوضح المسؤول التركي أن أردوغان سوف يلتقي الشعب يومي السبت والأحد المقبلين في أنقرة وإسطنبول على التوالي ليضعه في أجواء ما يجري، متوقعا أن يحضر اللقاءين نحو مليون شخص في إسطنبول ومئات الآلاف في أنقرة .
وقال مستشار أردوغان، طه كنتش، أن «ثمة أمرا ما يحاك ضد تركيا، ونحن سنفشله». وأشار إلى أن مدير وكالة أنباء تركية أبلغ الرئيس أردوغان أن شبكات عالمية، مثل الـ«سي إن إن» وغيرها، حجزت سيارات النقل المباشر قبل أسبوع من اندلاع الاحتجاجات .
وبدوره، أكد نائب أنقرة وأحد مساعدي أردوغان البارزين، أمر الله إشلر، وجود «مؤامرة كبيرة ضد تركيا من مركز واحد هو (لوبي الربا العالمي)، ولهذه المؤامرة امتداد داخلي وخارجي، والهدف هو الرئيس أردوغان». وقال إشلر :«إن الرئيس أردوغان زعيم حقيقي. لقد فشلوا في إسقاطه في صناديق الاقتراع، فنزلوا إلى الشارع، لكن الآن الأمر انقلب إلى العكس، فنزلت الجماهير التركية بعشرات الآلاف لاستقباله عندما عاد من زيارته الخارجية إلى المغرب العربي». وأضاف: «الأحداث الأخيرة كانت مفيدة، لأنها ساعدتنا في أن نعرف من الصديق ومن العدو.. لقد علمنا بذلك فسجلناه. هناك غيرة كبيرة من الوضع التركي المتقدم اقتصاديا بينما تتراجع اقتصادات أوروبا والدول الغربية ».
وكشف إشلر عن أن «الأوامر أعطيت لوزير الداخلية بإخلاء جميع الساحات، ولن يتم التهاون بعد الآن مع المخربين ومثيري الشغب». وقال: «الشرطة التركية كانت متسامحة إلى حد بعيد، وهو تسامح لا نراه، لا في الولايات المتحدة ولا في أوروبا. لقد تم الاعتداء على الشرطة، وقتل شرطي، وأحرقت أكثر من 30 سيارة للشرطة، وهذا لم يعد تعبيرا عن الرأي، بل هو عصيان وتمرد ».
والتقى أردوغان وفدا من 11 فردا من متظاهري حديقة جيزي، يضم طلبة وأكاديميين وفنانين في مقر حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يترأسه، ليكون الاجتماع بمثابة محادثات غير رسمية، للحصول على معلومات مباشرة عن أحداث حديقة جيزي. حضر الاجتماع وزير الداخلية معمر جولر، ووزير البيئة أردوغام بيراكتار، ووزير الثقافة والسياحة عمر تشيليك .
ودعا الرئيس التركي عبد الله غل، إلى الحوار مع المتظاهرين، لكنه قال إن من خرجوا إلى الشوارع في احتجاجات عنيفة مسألة أخرى. وقال للصحافيين خلال زيارة لمدينة ريز المطلة على البحر الأسود: «إذا كانت لدى الناس اعتراضات.. فلنبدأ حوارا مع هؤلاء الناس. لا شك في أن سماع ما يقولونه واجبنا». وأضاف: «من يلجأون إلى العنف مسألة مختلفة، ويجب أن نحددهم، يجب ألا نعطي العنف فرصة.. لن يسمح بهذا في نيويورك، ولن يسمح بهذا في برلين ».
إلى ذلك، أظهرت نتائج استطلاع للرأي، أن نحو ربع الأتراك يؤيدون الاحتجاجات المناوئة للحكومة، بينما يرفضها أكثر من النصف. وقالت نتائج الاستطلاع الذي أجراه معهد أنديار التركي للأبحاث الاجتماعية، أن 3.‏24% من المستطلع آراؤهم أجابوا بـ«نعم» على سؤال: «هل تؤيد الحركات (الاحتجاجية ) في حديقة جيزي؟». في المقابل، أجاب 5.‏52% بـ«لا»، بينما أبدى 5.‏7% فقط من الأتراك تأييدهم لاستمرار هذه الاحتجاجات .
وقال 6.‏49% من المستطلع آراؤهم، إنهم سيصوتون لصالح حزب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان (العدالة والتنمية) إذا أجريت الانتخابات البرلمانية يوم الأحد المقبل، مقابل 3.‏23% فقط أبدوا تأييدهم لحزب الشعب الجمهوري العلماني المعارض الذي يقف وراء الاحتجاجات الراهنة، بينما حصل حزب «الحركة القومية» على 9.‏15%. وقال معدو الدراسة إن الاستطلاع أجري في الفترة بين الخامس حتى العاشر من يونيو الحالي وشمل 21 مدينة ودائرة محلية، وبلغ عدد المستطلع آراؤهم 3643 شخصا.
هذا واستعاد رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان لغة الحسم في مواجهة المتظاهرين المناوئين له، بتأكيده أمام نواب حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي أن الحكومة «لن تبدي أي تسامح حيال المتظاهرين بعد اليوم » ، في الوقت الذي كانت تعود فيه الشرطة التركية بقوة إلى ساحة «تقسيم» بوسط إسطنبول، مستعيدة الساحة التي أخلتها قبل نحو تسعة أيام غداة اندلاع الاحتجاجات التي انطلقت من رفض مشروع لإعادة تشكيل ميدان «تقسيم» وحديقة «جيزي» القريبة منه قبل أن تتحول إلى احتجاجات على سياسة أردوغان .
وأجبرت الشرطة التركية المحتجين على إخلاء ساحة «تقسيم» في إسطنبول عشية لقاء مقرر بين أردوغان وممثلين عن المتظاهرين، مما أسفر عن مواجهات بينها وبين المحتجين الذين أمضوا فيها ليلتهم مستهدفة إياهم بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي ومدافع المياه .
وما إن وفدت الشرطة حتى قامت مجموعات من المتظاهرين المجهزين بأقنعة الغاز بالرد بالحجارة وبقنابل مولوتوف. و بعد ثلاث ساعات من المناوشات، تمكنت قوى الأمن من إبعاد المحتجين من وسط الساحة. وتمت سريعا إزالة الأعلام واللافتات التي انتشرت في مختلف أنحاء «تقسيم» وكذلك التحصينات العشوائية التي أقيمت في مختلف الشوارع المؤدية إلى الساحة. وأغرقت الشرطة مجددا ساحة «تقسيم» بالغاز المسيل للدموع بعد الظهر لإبعاد المحتجين .
وأظهرت لقطات تلفزيونية أشخاصا يلقون قنابل حارقة على الشرطة. وذكرت صحيفة «حريات» التركية أن أعضاء المعارضة ذكروا عبر حساباتهم على موقع «تويتر » الإلكتروني أن من يهاجمون الشرطة لم يكونوا بين المتظاهرين إلا في هذا التوقيت، متهمين الحكومة بدس هؤلاء لتشويه صورة المحتجين وتبرير قمعها إياهم. وأظهرت صور أخرى الذين يلقون القنابل الحارقة وهم يحملون أجهزة اتصالات. وذكرت الصحيفة أن هناك ادعاءات كثيرة مماثلة عن شرطيين سريين يحرضون على أعمال العنف طوال الصباح .
وقال محافظ إسطنبول حسين افنى موتلو على موقع «تويتر» للتواصل الاجتماعي إن هدف العلمية هو فقط إزالة اللافتات من على تمثال مصطفى كمال أتاتورك . وأضاف أن الشرطة لن تتقدم إلى حديقة «جيزي» حيث يقيم الآلاف من المتظاهرين في مخيمات، كما طالب المتظاهرين بالالتزام بالهدوء وعدم استفزاز الشرطة .
لكن أردوغان أصدر تهديدات واضحة إن لم يغادر المعتصمون الحديقة سريعا. وقال أمام نوابه وسط تصفيقهم الحار إن «حديقة (جيزي) ليست إلا حديقة، وليست منطقة احتلال»، متابعا: «أدعو المتظاهرين الصادقين إلى مشاهدة ما يحدث وفهم اللعبة الجارية والانسحاب من الحديقة ».
وأكد أردوغان أن حكومته لن تبدي أي «تسامح» بعد الآن حيال المتظاهرين الذين يطالبون منذ 12 يوما باستقالته في كل أنحاء تركيا. وقال أردوغان في خطاب أمام نواب حزب العدالة والتنمية: «أوجه الحديث إلى الذين يريدون مواصلة هذه الأحداث ويريدون مواصلة الترهيب: لقد انتهت هذه القضية الآن.. لن نبدي تسامحا بعد الآن»، وذلك بعد ساعات من سيطرة الشرطة على ساحة «تقسيم» في إسطنبول. وقال إن موجة المظاهرات المناهضة للحكومة تأتي ضمن محاولة متعمدة للإضرار بصورة تركيا واقتصادها. وأضاف: «أدعوهم إلى مغادرة المتنزه وأطلب ذلك بصفتي رئيس الوزراء» مشيرا إلى أن «الاقتصاد التركي مستهدف بهذه الأحداث.. وهناك جهود لتشويه صورة تركيا في إطار خطة منهجية ».
كما كرر أردوغان الذي يشكل الهدف الرئيس للاحتجاجات وصف المحتجين الذين ردوا على قوى الأمن برشق الحجارة أو إلقاء قنابل مولوتوف بأنهم «متطرفون » أو «إرهابيون». وأكد: «سيحاسبون على ما فعلوا.. أؤكد لكم ذلك» وسط تصفيق حار من أنصاره ونوابه. وأضاف: «هذه الأحداث ستنتهي.. إننا حكومة قوية جدا ».
وقد نشرت جمعية أطباء تركيا التي كانت أعلنت عن سقوط ثلاثة قتلى، بيانا أكدت فيه الحصيلة التي أشار إليها رئيس الوزراء للقتلى وهي 3 متظاهرين وشرطي. والقتيل الرابع هو عامل في السادسة والعشرين من العمر أصيب في رأسه خلال مظاهرة في العاصمة أنقرة، وقد أعلنت وسائل الإعلام مقتله في الأيام الماضية. وبحسب وسائل الإعلام التركية، فإنه أصيب في رأسه بعدة رصاصات أطلقتها الشرطة، وهو السيناريو الذي لم تؤكده السلطات. وقالت جمعية أطباء تركيا إن الاضطرابات التي شهدتها تركيا منذ 12 يوما أوقعت إلى جانب القتلى الأربعة، نحو 4947 جريحا .
واعتقلت الشرطة التركية 50 محاميا كانوا يحتجون على تدخل قوات الأمن في الصباح ضد المتظاهرين في ساحة «تقسيم» بإسطنبول، كما أعلنت جمعيتهم. وقد تجمع هؤلاء المحامون المضربون منذ بداية الحركة الاحتجاجية، في حرم قصر العدل في إسطنبول للتنديد بالشرطة التي استعادت السيطرة بالقوة على ساحة «تقسيم» على هتافات: «(تقسيم) في كل مكان»، و«المقاومة أينما كان». وتدخلت الشرطة عندئذ في قصر العدل لإخراجهم منه. وبعد صدامات استمرت لفترة وجيزة، جرى توقيف نحو خمسين متظاهرا كما أكدت «جمعية المحامين المعاصرين». وفي تعليق عبر صفحته على «فيس بوك» شجب رئيس نقابة المحامين في تركيا متين فيضي أوغلو هذه التوقيفات. وقال: «نتوجه (من أنقرة) إلى إسطنبول للقاء السلطات في المكان »
وكان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، الذي يواجه موجة احتجاجات ضد حكومته مستمرة منذ تسعة أيام، قد دعا الأحد في اضنة (جنوب) ناخبيه إلى “تلقين درس” للمتظاهرين خلال الانتخابات البلدية المقبلة في مارس/اذار 2014 .

وقال اردوغان في خطاب أمام الالاف من أنصاره الذين جاؤوا لتحيته في مطار اضنة “لم يعد أمامنا سوى سبعة أشهر حتى الانتخابات المحلية . أريدكم أن تلقنوا هؤلاء درساً أول بالسبل الديمقراطية في صناديق الاقتراع” .

وأبدى أردوغان مجدداً تشدده ازاء حركة الاحتجاجات المطالبة بتنحيه في مختلف أنحاء تركيا . وقال إن المتظاهرين “جبناء الى حد شتم رئيس وزراء هذا البلد”، مكرراً استخدام مصطلحي “مخربين” و”فوضويين” في توصيف المتظاهرين . كما أكد رئيس الحكومة المحافظة التي تقود البلاد منذ أكثر من عشر سنوات، أن نظامه يمثل جميع الأتراك من دون تمييز . وقال “نحن حزب ال 76 مليون” تركي .

من جهة أخرى دعا حزب “الحركة القومية” المعارض، لإجراء انتخابات مبكرة في البلاد من أجل التغلّب على “المأزق” الحاصل في البلاد . وقال دولت باهجَلي، رئيس الحزب المعارض، إن السبب الكامن وراء الاحتجاجات في البلاد بفعل مخطط الحكومة إزالة حديقة غيزي، هو “فهم الحكومة المعيب للديمقراطية”، مضيفاً أن لا “طريق سوى الانتخابات من أجل تخطي المأزق الحاصل” . وقال إن “وقت رئيس الحكومة قد انتهى، نعتقد أن عليه تجديد ولايته” .

يذكر أن احتجاجات تعم تركيا منذ 11 يوماً، وهي متواصلة حتى اليوم، رفضاً لإزالة متنزه في ساحة “تقسيم” واستبداله بمركز تجاري في اسطنبول، وتحوّلت هذه الاحتجاجات إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة . ويطالب المحتجون باستقالة حكومة أردوغان، فيما امتدت المظاهرات من ساحة “تقسيم” إلى العديد من المدن والمحافظات التركية . وتشير أرقام اتحاد الأطباء الأتراك إلى مقتل 3 أشخاص وإصابة أكثر من 4 آلاف بجروح جرّاء الاحتجاجات المتواصلة.
 
ورفض المتظاهرون الأتراك التراجع أمام تحذير رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان من أنهم «سيدفعون ثمنا» لمظاهراتهم ضد حكومته. وفيما استخدمت شرطة مكافحة الشغب الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق آلاف المتظاهرين في أنقرة لليلة الثانية، شن أردوغان هجوما مضادا على المناهضين له وعمد إلى تعبئة أنصار حزبه الحاكم منذ عشرة سنوات حزب العدالة والتنمية، بإلقاء خطب معادية في تجمعات في أنحاء تركيا .
وقال أردوغان أمام آلاف المناصرين الذين علت هتافاتهم في أنقرة «الذين لا يحترمون الحزب الحاكم في الأمة سيدفعون ثمنا». وكان التجمع يبعد كيلومترات قليلة عن مكان الاشتباكات في ساحة كيزيلاي التي شهدت أحدث أعمال العنف في الأسبوع الثاني من الاحتجاجات الشعبية. وقال أردوغان «نحن لا نزال نتحلى بالصبر، إننا نصبر دائما إلا أن لصبرنا حدودا». وعلى وقع هتاف الحشود «تركيا فخورة بك» أضاف أردوغان «لن نحاسب أمام مجموعات هامشية بل أمام الأمة (...) الأمة أوصلتنا إلى الحكم وهي وحدها من ستخرجنا منه ».
وحسب وكالة الصحافة الفرنسية، صعد عشرات آلاف المتظاهرين المناهضين للحكومة احتجاجاتهم في عطلة نهاية الأسبوع وتدفقوا على مدن في كافة أنحاء تركيا وبينها إسطنبول وأنقرة وأزمير الواقعة غربا. واجتذبت ساحة تقسيم في إسطنبول، القلب الرمزي لحركة الاحتجاج بعض أكبر التجمعات على الإطلاق حيث راح المتظاهرون يرقصون ويهتفون «أردوغان استقل» حتى ساعات الصباح الأولى في أجواء احتفالية .
وينتمي المتظاهرون الذين يتجمعون في «جيزي بارك» في إسطنبول للاحتجاج على حكومة رجب طيب أردوغان، إلى تيارات متنوعة جدا، من مؤيدين لسياسة كمال أتاتورك وشيوعيين ومشجعي فرق كرة القدم ومنظرين عقائديين، لكن يجمعهم حلم بتركيا جديدة .
وفي هذا التنوع الكبير من الخيام والإعلام الخاصة بكل مجموعة التي انتشرت بين أشجار الحديقة، تبدو الحركات اليسارية المتطرفة المنظمة والمجهزة بشكل جيدا، الأكثر وضوحا. وحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية، يعتبر هؤلاء أنها مقدمة لـ«السهرة الكبيرة» التي ناضلوا من أجلها لسنوات، في قلب إسطنبول .
وتقول الناشطة التروتسكية اليف سينيرلي أوغلو (30 سنة) إن «الثورة قد لا تحدث فورا لكن كل الثورات تبدأ بهذا الشكل». وهي ترى أنه «عندما يعرف الشعب ماذا يريد ويبدأ بالمطالبة يصبح كل شيء ممكنا». وتؤكد الشابة التي تحمل علم رابطة العمل العمالية «نريد إحلال الاشتراكية وهنا نعيش قليلا من الاشتراكية التي نريدها ».
وحولها، تتزايد مبادرات تبادل المساعدات من توزيع أطباق شعبية والإشراف على مراكز للعلاج وجمع القمامة وحتى إقامة مكتبة في الموقع. وتثير هذه المبادرات إعجاب بيرتان أوندريلديز الطالب في المرحلة الثانوية الذي يشجع فريق بشيكتاش لكرة القدم. ويؤكد هذا الشاب أنه لم يأت لأسباب سياسية بل من أجل «الكرامة» التي فقدها الشرطيون عندما «ضربوا رجلا أمام أبنائه » ، والمقربون من الحكومة الذين أثروا بشكل معيب. وردا على سؤال عن مطالبه، يقول الشاب الذي ينام منذ خمسة أيام في المكان إنه يريد رحيل الحكومة . ويضيف «في اليابان هناك رئيس للوزراء استقال ثم انتحر. هذا سلوك مشرف ».
ولا يريد غول جمال كاراكوش أقل من ذلك من رجب طيب أردوغان. ويقول هذا الطبيب البيطري المتقاعد البالغ من العمر 78 عاما إنه جاء من منطقة كارس الجبلية شمال شرقي البلاد، ليهتف ضد «الجنرال طيب» باسم مبادئ الجمهورية التركية العلمانية ومؤسسها مصطفى كمال أتاتورك. ويضيف الرجل الذي وضع ربطة عنق تحمل صورة أتاتورك «منذ أن تولى السلطة يقوم بقمع الشعب. يلقي الأبرياء في السجون (...) إنه عدو أتاتورك ويبذر أموال الدولة التركية ».
والمشاركون في هذه المظاهرات ليسوا جميعا مسيسين. فقد كشف استطلاع للرأي أجرته جامعة بيلجي في إسطنبول عبر الإنترنت وشمل ثلاثة آلاف متظاهر، أن سبعين في المائة منهم قالوا إنهم ليسوا قريبين من أي حزب سياسي. ويقول بسيم كاراكاديلار (36 سنة) بلحيته الطويلة ونظرته الثاقبة، إنه لا ينتمي سوى إلى حزب واحد هو حزب الروح. وفيلسوف الرياضيات هذا عاد للتو من فنلندا حيث أنجز دراسة بعد الدكتوراه. ويقول إنه أعجب بالتغييرات في المجتمع التركي . ويقول «حتى إذا كان كل شيء رمزيا، أعتقد أنه بعد جيزي سيلقي الناس نظرة جديدة على مجتمعهم». ويضيف «يمكننا جميعا أن نرى التضامن هنا (...) وفي نهاية المطاف نهتف يدا بيد ضد الفاشية وإن لم تجمعنا فكرة واحدة عن الفاشية ».
وأكد جورسال تكين، نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية أنه لا حل للأزمة القائمة في بلاده إلا بتراجع رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، معتبرا أن تصريحات أردوغان تحقن الشارع التركي .
وبعد أن هاجم ما سماه «سياسة التفرد» الأردوغانية، قال تكين إن ما يحصل هو «ثورة على العقلية الأردوغانية التي تستمد قوة استمرارها من منع كل شيء » ، مشيرا إلى أن أردوغان عام 2002 قال إنه يريد ويحلم بتركيا التي لا توجد فيها قوانين تحد من حرية الفرد، ولكن لو نظرنا إلى الآن نراها تراجعت كثيرا في مجال الحقوق الفردية والديمقراطية نتيجة القوانين التي أصدرها».
إلى هذا عبر الاتحاد الأوروبي عن القلق بشأن إقدام الحكومة التركية على إبعاد المحتجين من ساحة تقسيم في اسطنبول حيث أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع على حشود تضم ألاف المتظاهرين .
وقال مفوض الاتحاد الأوروبي بشأن التوسيع ستيفان فوله في كلمة له بالبرلمان الأوروبي في ستراسبورج: "تابعت الأحداث الليلة الماضية بقلق متزايد ".
وأضاف فوله الذي يشرف على محادثات انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي: "إن الحكومة التركية يجب أن تسعى للحوار مع المتظاهرين بعد نحو أسبوعين من الاحتجاجات ".
وكشفت نتائج استطلاع للرأي نشرت نتائجه الأربعاء، أن نحو ربع الأتراك يؤيدون الاحتجاجات المناوئة للحكومة في حديقة جيزي بمدينة اسطنبول، فيما شدد مستشار رئيس الوزراء على ضرورة التمييز بين المتظاهرين السلميين والإرهابيين، في وقت جددت الأمم المتحدة ودول غربية قلقها حيال حرية التعبير في تركيا .

من جهة أخرى، قال إبراهيم كالين المستشار الأعلى لرئيس الوزراء أردوغان إنه لابد من التمييز بين المتظاهرين السلميين وبين الإرهابيين الذين منهم من هو مسؤول عن مهاجمة سفارة الولايات المتحدة في فبراير/شباط الماضي، وأشار إلى أنه سمح في البدء للمتظاهرين بالتجمع في حديقة غيزي، إلا أن البعض قام بمهاجمة أفراد الشرطة بقنابل المولوتوف والحجارة والعصي . وقال إن من بين هؤلاء المتظاهرين من يرفع أعلام حزب يساري مسؤول عن عملية الاعتداء على السفارة الأمريكية .

وتظاهر أكثر من ألفي محام أمام قصر العدل في اسطنبول احتجاجاً على اعتقال 60 من زملائهم .

وغرّم المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون في تركيا عدداً من القنوات التلفزيونية ل”إلحاقها أذى بالنمو النفسي والأخلاقي والجسدي للأطفال” عبر بثها احتجاجات منتزه غيزي في اسطنبول .

وألمح متحدث باسم الحزب الحاكم في تركيا، إلى إمكانية إقدام الحكومة على بحث إجراء استفتاء بشأن مشروع البناء في حديقة جيزي الذي تسبب في اندلاع احتجاجات عارمة .

وقال حسين جيليك المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية “يمكن أن نجري استفتاء في اسطنبول على مشروع إقامة ثكنات مماثلة للثكنات العثمانية مكان حديقة جيزي في ميدان تقسيم” .