السلطان قابوس بن سعيد يلتقي بشيوخ ورشداء محافظتي الداخلية والوسطى .

السلطان قابوس : لم يعد مقبولاً استمرار التجارة المستترة في تآكل ونخر عظم الاقتصاد العماني .

العمالة الوافدة أصبحت في ازدياد بل زادت أكثر مما يجب .
العماني يهتم بالبحر منذ الأزل وعلينا أن نحافظ على ثرواتنا الوطنية .

تفضل السلطان قابوس بن سعيد فالتقى بشيوخ ورشداء ولايات محافظتي الداخلية والوسطى وذلك بالمخيم السلطاني بسيح الشامخات بولاية بهلا بمحافظة الداخلية في اطار جولة جلالته في ربوع البلاد.
ويأتي هذا اللقاء استمرارا للنهج الكريم الذي أرساه السلطان منذ بزوغ فجر النهضة المباركة وتعميقا للتواصل الدائم بين جلالته وأبناء الوطن على امتداد هذه الأرض الطيبة.
وقد بدأ السلطان قابوس بن سعيد حديثه إلى الحضور وقال «لا شك أنه من دواعي سرورنا أن نجتمع بكم اليوم على أرض ولاية بهلا التي لها تاريخ عريق ومعروف في التاريخ العماني وهي أيضا من أهم المدن العمانية التي تزخر بالكثير من الموروثات والحرف التقليدية المعروفة للعمانيين جميعا والتي يعتز بها كل العمانيين».
وأضاف يقول: «ومن هذا المنطلق فإن ولاية بهلا التي لها هذا التاريخ وأيضا هي حاضنة لهذه الحرف التقليدية والموروثات الطيبة الجميلة فنود أن نعلمكم اليوم بأننا قررنا أن ننشئ كلية هنا في ولاية بهلا تسمى «كلية الاجيال».
ومضى سلطان البلاد يقول «في هذا الشأن فإن الكلية سوف يكون لها شأن في تأهيل أبنائنا وبناتنا على الحرف التقليدية والصناعات الحرفية من أجل أن ينهضوا بها ويحيوها ويطوروها.
وأعتقد أن مخرجاتها في البداية ستبدأ بـ200 شخص تمتد إلى 800 شخص حسب ما هو متوقع خلال السنوات الأربع القادمة».
                                                             
وقال السلطان خلال حديثه إلى شيوخ ورشداء محافظتي الداخلية والوسطى: «الشيء الآخر الذي نريد أن نقوله وأن نطلع العمانيين عليه من خلال الاجتماع بكم أنه في السنوات الماضية كانت هناك عدة مصادر لدعم الشباب لأن ينهضوا بمشاريعهم الخاصة وأبرز هذه المصادر كان مشروع «سند» الذي قام بواجبه - حقيقة - خير قيام لعدة سنوات وأيضا هناك مصادر أخرى في جهات أخرى موجودة في الحكومة.

وأضاف في هذا الصدد: «قررنا الآن أن نجمع هذه المصادر جميعا تحت صندوق يسمى صندوق «الرفد» يقوم بمهمة معينة.. وفي هذا الحال سيكون الرفد من أجل هؤلاء الشباب والشابات لكي يستطيعوا أن يطوروا مشروعاتهم الصغيرة والمتوسطة».
وأوضح السلطان أن صندوق الرفد سيكون له شأن كبير، مضيفا: «وقررنا أن يكون رأس ماله بداية بـ70 مليون ريال عماني على أن يزود بـ7 ملايين كل عام يضاف إلى رأس المال داعيا جلالته الله سبحانه وتعالى «أن يكون في هذا الصندوق الخير لأبنائنا وبناتنا».
وتطرق سلطان البلاد إلى النتائج التي خرجت بها ندوة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي أقيمت في هذا المكان المبارك وقال انها خرجت بقرارات، وهذه أول مرة تخرج ندوة بقرارات وليس بتوصيات.. كانت في الماضي توصيات والتوصيات يؤخذ ببعضها ولا يؤخذ بالبعض الآخر لكن من الآن وصاعدا إذا كانت هناك ندوات ستكون ندوات تقرر وليست توصي وهذه أول ندوة أقيمت من أجل أن تخرج بقرارات وخرجت بقرارات طيبة جدا وهي «14» قرارا وهي قرارات ملزمة وليست مجرد قرارات سوف يتخذ فيها اجراء.. وكما هو معلوم أيضا أنها مرتبطة بفترات زمنية بعضها فوري وبعضها سيأتي تباعا خلال السنة القادمة وما بعدها.
وقال: «ان من القرارات المهمة والملزمة التي خرجت بها الندوة التي باركناها أيضا مسألة الأراضي التي ستخصص لأصحاب المشاريع أكانت صناعية أو تجارية أو زراعية والى آخره للانتفاع بها وهذا أعتقد هو شيء يرفد شبابنا ذكورا وإناثا ويحفزهم على أن ينخرطوا في هذه المشاريع ويكون لهم شأن فيها».
ومضى جلالته يقول: «قبل سنوات إذا تذكرنا أنه كان هناك توجه لتوزيع بعض الأراضي لأصحاب الدخل المحدود ليستفيدوا منها.. أما الآن فهذا من أجل أن تبقى الأرض للانتفاع ولمدى طويل ونسأل الله أن يهتم أبناؤنا وبناتنا بهذه المجالات المختلفة».

وتحدث عن التجارة المستترة.. وقال: «أريد ان أقول بكل وضوح هو أن نبتعد عن التجارة المستترة وليس في صالح أبنائنا وبناتنا ولا في صالح حتى الكبار منهم الذي ما فيه شك أنهم في فترة مضت ربما وجدوا شيء مضر بالاقتصاد العماني تماما ويجب أن نعي هذا الشأن ونعطيه كل الاهتمام ونعيه بأن فيه خسارة لهذا البلد».

وأشار في حديثه الى مسألة تحويلات العمالة الوافدة وقال: انها أكثر من الدخل الرسمي المعروف ويتم تحويل مليارات الريالات إلى الخارج سنويا مؤكدا جلالته أن على الحكومة وكل فئات المجتمع أن يقوموا بواجبهم حتى تنتهي هذه التجارة المستترة.

وأضاف «التجارة المستترة تأكل وتنخر في عظم الاقتصاد العماني وبالتالي تقلل الفرص المتاحة لأبنائنا وبناتنا في ايجاد العمل المناسب لهم» مؤكدا جلالته أن هذا العمل «أصبح غير مقبول جملة وتفصيلا».
وقال السلطان ان العمالة الوافدة أصبحت في ازدياد وزادت أكثر مما يجب.. نحن في وقت من الأوقات قررنا أو جعلنا نسبة معينة للعمالة الوافدة في السلطنة وهذه النسبة معقولة.. مشيرا الى أننا بحاجة الى العمالة الوافدة الآن وفي المستقبل وكل بلد في العالم عنده عمالة وافدة حتى البلدان الصناعية الكبرى ايضا تعتمد في بعض الأمور والأشياء على العمالة الوافدة اليها.
وأوضح ان النسبة التي راعيناها هي ان تكون دائما في حدود 30 الى 33 بالمائة من مجمل السكان وفي الوقت الحاضر لا شك أن العمالة الوافدة زادت إلى حد كبير جدا ولكن بعض جوانبها لها مبررات مؤقتة مثل بعض المشاريع الكبيرة الحمد لله التي تشهدها البلاد مثل المشاريع في الدقم وفي بعض الأماكن الاخرى وايضا القادم وهو مشروع السكك الحديدية فلا زالت العمالة الوافدة هذه مطلوبة لأن عمالتنا الداخلية لازالت تتجه إلى نواح معينة من العمل وان شاء الله مع مرور الأيام عمالتنا العمانية ستكون متواجدة في كل المهن أو في كل هذه المشاريع.
وأضاف السلطان: أنه أعطى توجيهاته السامية للحكومة ومجلس عمان الذي لا شك أنه سيقوم بمساندة الحكومة في هذا الجانب ووضع برنامج زمني للعودة الى النسبة المقررة أو المطلوبة.
واشار سلطان البلاد في حديثه إلى شيوخ ورشداء محافظتي الداخلية والوسطى الى أن هذه العمالة الوافدة تصبح عبئا على الجهات الأمنية في الدولة وتكلف الدولة من ناحية وهي عملية غير مفيدة بأي حال من الأحوال وإلى جانب التصدي لظاهرة التسلل شبه اليومي الذي يأتي من أماكن أخرى بالقوارب وتعالج هذه الامور بالروية ولا نقوم بأشياء قد تكون مزعجة للبلدان التي تأتي منها هذه المجاميع وتتسلل الى البلاد فهذه ايضا عملية مرهقة لكنها شيء لابد منه فالجهات المعنية سوف تستمر في التصدي لهذه الظاهرة.
وأضاف: أن الجانب الآخر الذي تم الحديث عنه جانب العمالة التي تطلب من قبل المواطنين وهذه لابد من وضع حد لها وسوف نضع حدا لها وستكون هناك قرارات واجراءات للحد من هذا الشأن لأنه حان الوقت لأن نضع النقاط على الحروف.
وأكد أن البلاد لا تنهض الا بنهوض اقتصادها مشيرا جلالته إلى ان الاقتصاد أصبح نتاج جهد أبنائه وبناته.

وقال: ان الاموال التي تأتي إلى خزينة الدولة من الضرائب على الشركات بالمؤسسات الموجودة لأننا نعلم انه لا توجد ضرائب على المال الخاص مع انه في البلدان المتقدمة والصناعية وكل ما تعمله وتقوم به من تنمية أو منشآت الى أخره تعطي بيد وتأخذ بيد أخرى.

واضاف: أنه في بلداننا والحمد لله الضرائب فقط على المؤسسات وعلى الشركات التي هي بحجم معين لذلك كانت الحكومة تساند هذه المؤسسات والشركات حتى تتوسع لهدفين الأول هو ان تستوعب عمالة وطنية والثاني انها كلما توسعت وتوسع لديها المال كلما زادت الضريبة ودخل الدولة وهو لفائدة الوطن والمواطن.
وأردف السلطان: «انني استغرب احيانا من بعض المطالبات التي يتقدم بها اصحابها ما يفكرون من أين ستأتي هذه الاموال لإنشاء هذا الطريق أو المستشفى أو المدرسة.. وهذا كله الحمد لله رب العالمين في خطط الحكومة مما لديها من أموال ودخل قومي ما فيه شك أنها تقوم بهذا وتقوم به خير قيام لكن لابد ان الامور تكون لها ايضا برامج وخطط وفوق هذا كله نحن نتعدى الخطط ونوجه في كثير من الاحيان لإضافة مشاريع أخرى التي نراها مهمة أو تصل المطالب الينا ونقتنع انها مهمة».
واشار السلطان أن الصناعات في الماضي كانت تتطلب جهودا وأيدي عاملة كبيرة وفي نفس الوقت كانت الاجور بسيطة جدا أما الآن في كثير من المشاريع الكبيرة وهي تبدو كبيرة من أجل تحقيق هدف معين لمصلحة الوطن لكن في حد ذاتها لا تستوعب الأيدي العاملة الكثيرة بسبب التقنية التي حلت محل الناس في كثير من الأمور لكن هذه الصناعات تصاحبها صناعات أخرى رافدة لها والتي لا تكون أحيانا مرئية بوضوح لكنها موجودة..
وقال: ان هذه الصناعات والروافد الاخرى التي ترفد المنشأة الكبيرة هي في الحقيقة في نهاية المطاف تصبح عماد للاقتصاد الوطني وهنا يأتي الدور الكبير لأبنائنا وبناتنا من الآن فصاعدا.
واضاف «سرني كثيرا حين كنت اشاهد التلفاز بعد ان انتهت الندوة التي باركناها ان بعض شبابنا يقولون الآن ان الكرة أصبحت في مضربنا وهذا شيء طيب» مشيرا جلالته الى ان هؤلاء الشباب احسوا بان هناك كل ما هو ممكن ان يساعدهم ويساندهم ويأخذ بيدهم أصبح متوفرا الآن وسوف يتوفر أكثر إذا هم اهتموا وأثبتوا جدارة في هذا الشأن.
واختتم سلطان البلاد حديثه إلى المواطنين في سيح الشامخات بالقول: «ان العماني يهتم بالبحر منذ الأزل ان كان في اسفاره أو في مورده المعيشي وهي الاسماك وهذه حقيقة مهمة جدا ان نحافظ على هذه الثروة وننميها وهي جانب مهم في الاقتصاد الوطني».
وقد أوضح السيد خالد بن هلال البوسعيدي وزير ديوان البلاط السلطاني خلال لقاء: أن كلية الأجيال للعلوم والصناعات الحرفية والمهن التقليدية ستنشأ بأوامر سامية من لدن السلطان قابوس بن سعيد وأن هذه الكلية سوف تسعى للنهوض بهذا القطاع الهام نظرا لما تزخر به كل محافظات السلطنة من مقومات في مجال الحرف والصناعات التقليدية.
وقال ان الكلية ستطرح «14» تخصصا منها صناعة الفخاريات وصناعة النحاس وصناعة الأدوات التي تستخدم في المهن الأخرى كالحدادة وما يتعلق بقطاع المعادن وسيكون مقر الكلية في ولاية بهلا بمساحة تقدر من مليون وثلاثمائة متر مربع إلى مليون وخمسمائة متر مربع. وأضاف معاليه أنه ستكون للكلية أفرع في مختلف ولايات السلطنة كل ولاية حسب الحرفة أو المهنة التي تشتهر بها وعلى سبيل المثال حرفة دباغة الجلود بمحافظة ظفار والنسيج في ولاية سمائل.
وأوضح أن الكلية ستتناول هذه المهن بشكل مطور من خلال إعطاء شهادات علمية تصل إلى مستوى البكالوريوس والدبلوم وستكون مدخلاتها من خريجي الدبلوم العام وفيما بعد سيعمل على توفير الدعم المالي بحيث يكون خريج هذه الكلية صانعا للعمل وليس باحثا عن العمل بحيث يستطيع أن يوظف أشخاصا آخرين في منطقته ولن يكون هناك باحثا عن عمل لأنه ستكون هناك أطر أخرى تدعمه من أجل أن يباشر عمله في هذا الجانب وسوف تستخدم في ذلك التقنيات الحديثة والمعرفة الحديثة والعلم الحديث للنهوض بصناعة ستكون منافسة للصناعات الأخرى في دول العالم.
وحول صندوق الرفد قال السيد وزير ديوان البلاط السلطاني: ان صندوق «الرفد» سوف يجمع الصناديق القائمة حاليا ومنها صندوق «سند» لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وبرنامج تنمية موارد الرزق الذي تشرف عليه وزارة التنمية الاجتماعية وصندوق الثروة السمكية الذي تشرف عليه وزارة الزراعة والثروة السمكية وصندوق الشباب وكذلك صندوق المرأة الريفية.
وأضاف السيد أن هذه الصناديق سوف تجمع كلها في إطار صندوق الرفد وسيظل برنامج سند قائما كما هو ولكن تحت مظلة صندوق الرفد وسيمارس عمله ضمن برامج صندوق الرفد الجديد وسيوجه هذا الصندوق في البداية إلى الفئات الخاضعة للضمان الاجتماعي وكذلك لفئة المرأة الريفية والمهنيين والحرفيين بالإضافة إلى فئات أخرى كفئات رواد الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وأوضح: ان هذا الصندوق سيكون له رابط كبير بقرار مهم من قرارات ندوة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.. مؤكدا أن السلطان تفضل باعتماد القرار الخاص بإنشاء مؤسسة تعنى بتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وسيكون هناك رابط كبير بحيث أن هذه المؤسسة ستقدم المشورة والدعم المالي والاداري والفني للمؤسسات الصغيرة وهذا الصندوق سيكون الرافد لهذه المؤسسات.
من جانبه قال الدكتور فؤاد بن جعفر الساجواني وزير الزراعة والثروة السمكية خلال لقاء جلالته: انه بعون من الله سبحانه وتعالى ودعم كريم من السلطان قابوس بن سعيد تم وضع الخطة الاستراتيجية للثروة السمكية وهي تعتبر الخطة الاكبر في تاريخ السلطنة.
وبين انه هذه الخطة قد وضع لها أكثر من نصف مليار ريال عماني لتطوير هذا القطاع الذي يشمل تطوير كل مستلزمات هذا النشاط بدء من بناء اسطول الصيد من قوارب وسفن إلى منظومة الموانئ وتسهيلات الانزال وكذلك المصانع والأسواق السمكية لحين وصول الأسماك إلى المستهلك في داخل البلاد والمصدر خارج البلاد.
وأوضح معالي الدكتور فؤاد بن جعفر الساجواني انه تم التركيز على شيئين اولا القيمة المضافة لهذه الثروة السمكية المهمة وايضا الاستفادة من الميزة النسبية لما تزخر به السلطنة من بحار وسواحل طويلة تصل إلى حوالي 3165 كم طولي.

واعرب عن أمله في ان يرتفع الانتاج السمكي من حوالي 160 ألف طن في سنة 2012م الى حوالي 460 ألف طن في سنة 2020م من خلال شقين الشق الأول المصائد الطبيعية والشق الآخر وهو الاستزراع السمكي، مشيرا معاليه الى أن هناك فرصا واعدة في هذا المجال.

وبعد أن تفضل السلطان قابوس بن سعيد من توجيه كلمته السامية استمع في حوار مفتوح الى احتياجات المواطنين ومتطلبات ولاياتهم فيما يتعلق بالجوانب التنموية المختلفة.. مؤكدا جلالته على استمرار مسيرة التنمية الشاملة في أرجاء الوطن لتحقيق الرفاهية والازدهار للمواطن العماني.

وقد أسدى السلطان توجيهاته السامية الى الوزراء لمتابعة متطلبات المواطنين كل في مجال اختصاصه
هذا وحفل الحديث السامي للعاهل في لقاء جلالته بشيوخ ورشداء ولايات محافظتي الداخلية والوسطى وذلك بالمخيم السلطاني بسيح الشامخات بولاية بهلا، بالعديد من الزوايا والنقاط الجديرة بالتوقف عندها والانتباه لها في إطار مستقبل عمان، وهنا إضاءات حول ثماني زوايا من هذا الحديث الهام والاستراتيجي، بما يفتح الأفق لما هو أعمق في جوهر الحديث.
الزاوية الأولى.. إن الاعتزاز بالتاريخ هو انتماء إلى الجذور، ولكن الاعتزاز الحقيقي يكون بأن تتصل صلة الأمس بالحاضر ويمتد الطريق إلى المستقبل، عبر تعزيز الأصيل والحسن من قيم الآباء والأجداد، وهو ما ظل يؤكد عليه جلالة السلطان في أن المعاصرة تعني التوازن بين قيم الأمس واليوم، بما يكفل الغد الأفضل، ومن هنا فإن القرار السامي بإنشاء كلية الأجيال ببهلا، يصب في هذه المعاني التي تردنا إلى الموروثات الطيبة الجميلة، كما اسماها جلالته.
هذا الاهتمام بالموروث والحرف التقليدية سوف ينعكس على الأجيال المقبلة ومستقبل الاقتصاد الوطني ومصلحة المواطنين بشكل عام، من حيث إنتاج ثقافة عصرية للحرف التقليدية وإدماجها في روح التحديث، وفي الوقت نفسه جعلها تقوم بشكل مؤسسي يراعي أنماط وأساليب الإنتاج الحديثة ومتطلبات المعرفة الجديدة للإنسانية، وبهذا النوع من التفكير يكون نهوض الشعوب.
في زاوية ثانية فإن ما تفضل به السلطان من قرار بإنشاء صندوق "الرفد" يأتي أيضا ليصب في صلب المتطلبات الراهنة من أجل المستقبل الأكثر إشراقا، فهذا الصندوق سوف يخدم قطاع الشباب الذين هم الأمل، في إطار ما تم الوصول إليه مؤخرا من نتائج في ندوة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والاتجاه القوي الذي يجب ان تتبعه إرادة قوية بالمضي في هذا المجال، باعتباره اي اقتصاد وطني مستقبلي وفق ما أكد جلالته.
ولعل الإعلان عن هذا الصندوق وبرأسمال مبدئي يبلغ 70 مليون ريال، يعبر عن رغبة سامية وأكيدة في أن يحتل الجيل الجديد والصاعد من أبناء عمان دورهم في صناعة التنمية وتطوير كافة أوجه الحياة في البلاد، وهم يتسلحون بمتطلبات العصر من علم ومعرفة ومهارات ومكتسبات تؤهلهم للريادة الحقيقية وبناء الذات.
ويقود الحديث عن الأعمال الجديدة المرتقبة لجيل الشباب عبر صندوق الرفد المرتقب زاوية ثالثة تتمثل في ندوة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي عقدت مؤخرا، والإشارة التي أكد عليها جلالة السلطان على أنه لأول مرة تخرج ندوة بـ "قرارات وليس توصيات" وأن هذا المنوال سوف يطبق على أي ندوات مستقبلية، بالوصول إلى القرار مباشرة وليس مجرد توصيات قد يحذف بعضها أو يهمل.

ومجمل هذا السياق يدل على الإرادة السامية من لدن جلالته بأن تكون المرحلة المقبلة من البناء الوطني قائمة على العزيمة المباشرة في البناء، وليس مجرد الآمال والانتظار، طالما أن مقومات العمل وفي كافة الأوجه، قد أصبحت متوفرة. ويصبح ذلك هو المطلوب في كافة الخطوات التنفيذية في الحوكمة والعمل الاجتماعي العام.
أما الزاوية الرابعة من حديث جلالته فتتمثل في الرفض لأي نوع من أنواع التجارة المستترة التي أكد جلالته أنها "أصبحت غير مقبولة جملة وتفصيلا"، حيث إنها تعمل على الهدم لكل ما هو إيجابي في مسيرة بناء الاقتصاد الوطني، وهي قبل ذلك عمل غير أخلاقي ولا يليق بمن يحب هذا البلد ويفكر في مستقبله بشكل صادق، فالمحصلة هي "الخسارة" إذا ما استمرت مثل هذه الأنواع من التحايل، وقد أشار جلالته إلى أن الحل هو مسؤولية جماعية لا يتوقف على فرد بعينه أو مؤسسة محددة، فالكل يساهم في القضاء على هذا الداء الذي "يأكل وينخر في عظم الاقتصاد العماني"، ما ينعكس على الفرص الحقيقية لأبناء عمان في العمل والحياة الكريمة.
وفي زاوية خامسة تطرق جلالة العاهل إلى العمالة الوافدة، وكان التنبيه الواضح بأن نسبة هذه العمالة قد “زادت أكثر مما يجب”، مع التأكيد على الموازنة التي يجب مراعاتها والتذكير بأن أي بلد عنده هذا الشيء، ولكن في حدود ووفق معطيات موضوعية ودراسات.
وقد فتح الحديث في هذا الإطار الإشارة الواضحة إلى ضرورة اتجاه المجتمع إلى قبول أنواع جديدة من العمل لم تكن مقبولة في الماضي، وقد أكد جلالته في هذا الإطار “مع مرور الايام عمالتنا العمانية ستكون متواجدة في كل المهن أو في كل هذه المشاريع”، ومن هنا تأتي المسؤولية المجتمعية في حل المشكلة بمساهمة الجميع وفق ما أشار العاهل المفدى.
ايضا كان التشديد السامي على إنهاء عبء العمالة الوافدة على الدولة والجهات الأمنية وقضايا التسلل، والعمالة التي تطلب من قبل المواطنين، التي أكد جلالته على وضع حد لها بقرارات للحد من هذا الشأن، مؤكدا “حان الوقت لأن نضع النقاط على الحروف”.
وفي زاوية سادسة فقد كانت الإشارة إلى ما تتمتع به السلطنة من شبكة طرق لا تضاهى، وتأكيد جلالته على أن التنمية سوف تمضي بالتركيز على النقاط الضعيفة، وتقويتها.. وفق تخطيط سليم، وفي هذا الإطار كان التنويه بأن الصناعات الصغيرة والمتوسطة هي جوهر وأساس مستقبل الاقتصاد الوطني لأية بلد ينشد التطور الحقيقي، ما يستدعي الانطلاقة الجادة في هذا الباب لاسيما بعد قرارات الندوة الأخيرة. مع الملاحظات التي يجب أن تدرك لما تغير في أساليب الإنتاج من عصر لآخر.
وفي زاوية سابعة كانت الإشارة إلى أن الشباب أصبح يعي دوره في المجتمع، حيث قال بنفسه إن الكرة أصبحت في مضربه، وهذا حديث يفتح الأمل وبشارة خير تأتي من جيل صاعد ستكون له الأفعال الماثلة في مسار الحياة العمانية في المستقبل.
أما الزاوية الثامنة فهي التأكيد على الثروة السمكية في عمان وضرورة الاهتمام بها وهي نقطة طالما اشار لها جلالته، ويجب أن تقرأ في إطار ما تحدث به عن دور الشباب التنموي وأنماط الاقتصاد الجديد، بحيث تكون لدينا نتائج مختلفة ومبتكرة، بعيدا عن النمط السائد.

وهذه مجرد إشارات لمعان عديدة حفل بها الحديث السامي، تفتح الذهن نحو العديد من القراءات وتضع صناع القرار أمام المزيد من الرؤى والاستراتيجيات اتجاه ما هو مطلوب في المرحلة المقبلة، كما تضع كل مواطن أمام دوره في ظل المحور الجمعي الذي يحمل شعار: عمان.. قلبا وقالبا
وثمّن رئيس اللجنة الوطنية للشباب اللفتات الكريمة التي جاءت في خطاب السلطان قابوس بن سعيد عندما التقى بشيوخ ورشداء محافظتيّ الداخلية والوسطى، حيث يأتي قرار جلالته بإنشاء «كلية الأجيال» كخطوة في غاية الأهمية للشباب، إذ من المؤمل أن تقوم هذه الكلية بتأهيل الأجيال القادمة من الأبناء والبنات لتدريبهم على مزاولة الحرف التقليدية من أجل أن ينهضوا بها ويساهموا في تطويرها، وصرّح الدكتور حمد بن حمود الغافري رئيس اللجنة الوطنية للشباب ان «النظرة الثاقبة لجلالته التي تُحاول أن تحافظ على الإرث، كما تُحافظ على الخصوصية العمانية في أيدٍ شابة وأمينة، اضافة لكونها تُقدم فرصا اقتصادية مهمة لإثراء البلد والشباب في آن واحد، وكل هذا ينصب من جهة ثالثة في خدمة قطاع السياحة الذي نتطلع أن ينمو بالتوازي مع مشاريع بمثل هذه الأهمية، كما أنّ مخرجات هذه الكلية ستوجد لنفسها مع الوقت فرص عمل جادة تُقلص من فئة الباحثين عن عمل مستقبلا».
واضاف الغافري: أن رصد موازنة تقدر بـ70 مليون ريال كبداية لصندوق الرفد لدعم مشاريع الشباب - الصغيرة والمتوسطة، «هي لفتة كريمة من لدن جلالته من أجل توسيع خيارات الشباب مستقبلا، وإتاحة الدعم المناسب الذي يجعل الشاب يتجرأ على خوض مشاريع ربما لم تسعفه النواحي المادية سابقا على خوض غمارها» وتبقى اشارة جلالته لمسألة انتقال زمام المبادرة إلى الشاب مدعاة للسرور والغبطة مع ضرورة أن يكون الشاب على قدر هذه الثقة المعطاة له إضافة إلى الأخذ بالنصيحة الذهبية التي أسداها جلالته لشباب عمان ضمن خطابه، والتي تشير إلى ضرورة أخذ الأمور بروية، فالأمور لا تتم بين ليلة وضحاها كما ان جلالته كان حريصا على مستقبل هؤلاء الشباب وهو يشير إلى خطورة الايدي العاملة الوافدة، والتجارة المستترة على اقتصاد البلد. وعندما يذكر جلالته أن الايدي العاملة الوافدة،زادت أكثر من اللازم فهو يشير إلى أنه يثق تمام الثقة في قدرات وطاقات الشباب العماني وأنه قادر على أن يحل محل الايدي العاملة الوافدة، فالكرة كما ذكر جلالته في مضرب الشباب وهم على قدر الثقة بإذن الله تعالى.
على صعيد آخر أصدرت وزارة البيئة والشؤون المناخية كتاب «الاتفاقيات البيئية الاقليمية والدولية المنضمة إليها السلطنة» والذي يشتمل على كافة الاتفاقيات البيئية التي انضمت اليها السلطنة من خلال شرح تفاصيلي لكل اتفاقية وتوضيح مفاهيم المعاهدة والاتفاقية والاتفاق والبروتوكول والميثاق والاطراف ومراحل عقد المعاهدة أو الاتفاقية.
وأوضحت غالية بنت سعد الغطريفية المكلفة بأعمال دائرة البيئة والتنمية المستدامة في المديرية العامة للشؤون البيئية أن الكتاب يضم 15 اتفاقية وبروتوكولا معنيا بالمجال البيئي والشؤون المناخية بالإضافة إلى اتفاقيات المنظمة الاقليمية لحماية البيئة البحرية والمنظمة البحرية الدولية.
وأوضحت الغطريفية أن فكرة إصدار الكتاب جاءت من خلال الحرص على توثيق كافة الاتفاقيات البيئية بقطاعاتها المختلفة سواء المعنية بشؤون البيئة أو الشؤون المناخية وصون الطبيعة وبالتالي سيكون هذا الكتاب دليلا للباحثين والمهتمين في هذا المجال ، إلى جانب حرص الوزارة على التعريف بجهودها في مجال البيئة على المستوى الدولي ، كما أنه أصبح من الضروري تثقيف المجتمع بكافة الاساليب والجهود التي تقوم بها السلطنة في مجال حفظ البيئة وصون مواردها الطبيعية من جميع انواع التلوث وضرورة التوازن بين البيئة والتنمية لتحقيق التنمية المستدامة في كافة الأنشطة الاقتصادية والزراعية والاقليمية والدولية للقضاء أو الحد من التهديدات المختلفة على البيئة .
و اشارت إلى أن قسم متابعة الاتفاقيات البيئية بالدائرة مناط به متابعة الاتفاقيات المتعلقة بالشؤون البيئية ، من هنا جاء إعداد الكتاب ليضم في محتواه عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات موزعة في مجالات شؤون البيئة والمناخ وصون الطبيعة وحماية البيئة البحرية.
وتشمل اتفاقية «بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود « والتي تهدف إلى حماية صحة الانسان والبيئة من تأثير المخلفات الخطرة من خلال التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها ، واتفاقية «روتردام» بشأن إجراء الموافقة المسبقة بخصوص بعض المواد الكيميائية ومبيدات الآفات الخطرة المتداولة في التجارة الكيميائية ، واتفاقية «ستوكهولم» بشأن الملوثات العضوية الثابتة لحماية صحة الانسان والبيئة من مخاطر الملوثات العضوية الثابتة، أما اتفاقية «الاسلحة الكيميائية» فهي معاهدة دولية لا تعني بحظر استحداث وانتاج وتخزين ونقل الاسلحة الكيميائية فحسب بل تقضي أيضا بتدمير تلك الاسلحة وقد بدأ تنفيذ العمل بالاتفاقية في ابريل 1997م إلى جانب النهج الاستراتيجي للمواد الكيميائية.
وتشمل اتفاقية «الأمم المتحدة الإطارية» بشأن تغير المناخ والتي تهدف إلى تثبيت تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي عند مستوى يحول دون التدخل الخطير من جانب الانسان في النظام المناخي، و«بروتوكول كيوتو» والذي يهدف إلى تخفيض نسبة انبعاثات غازات الدفيئة المتسببة في ظاهرة الاحتباس الحراري كما تضم اتفاقيات المناخ اتفاقية «فيينا لحماية طبقة الاوزون»، و«بروتوكول مونتريال» بشأن المواد المستنفذة لطبقة الأوزون .
ويضم الكتاب الاتفاقيات المتعلقة بصون الطبيعة والتي تشمل اتفاقية «التنوع الاحيائي» والتي تهدف لصيانة التنوع الاحيائي واستخدام عناصره على نحو قابل للاستمرار لمصلحة الاجيال الحاضرة والمقبلة ،وضم ايضا «بروتوكول قرطاجنة» بشأن السلامة الاحيائية والذي انبثق عن اتفاقية التنوع الاحيائي، ومن بين اتفاقيات صون الطبيعة اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة التصحر واتفاقية» الاتجار الدولي بالأنواع النباتية والحيوانية الفطرية المهددة بالانقراض»، واتفاقية «المحافظة على الحياة الفطرية ومواطنها الطبيعية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية» واتفاقية الأراضي الرطبة (رامسار).
وتشمل المنظمة الاقليمية لحماية البيئة البحرية والمنظمة البحرية الدولية وتتعلق هاتان الاتفاقيتان بحماية البيئة البحرية والمحافظة على النظم البيئية والاحياء المائية التي تعيش فيها والحد من المخاطر التي قد تتعرض لها البيئة البحرية نتيجة الملاحة ومنع التلوث البحري الناتج عن السفن والموانئ وناقلات النفط.