الرئيس سعد الحريري أعلن فى ذكرى اغتيال والده رفضه تقديم التنازلات مقابل احتفاظه بالحكم

الحريري: نحن نؤمن بأن السلطة هي آخر ما يستحق التنازل عن شئ من أجله

النص الحرفي لخطاب الحريرى فى ذكرى اغتيال والده

اجتماع شامل فى دار الفتوى عرضت فيه قضايا الطائفة السنية والتأكيد على التمسك بالمحكمة الدولية

كشف رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري فحوى المبادرة السعودية - السورية (سين سين) التي كانت تهدف لحل الأزمة اللبنانية موضحا أنها «كانت قائمة على فكرة واحدة؛ ألا وهي الموافقة على المشاركة في مؤتمر مصالحة وطنية يتصالح ويتسامح فيه كل اللبنانيين، يعقد في الرياض برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وبحضور رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس السوري بشار الأسد، وعدد من الرؤساء العرب وقادتهم وبحضور الجامعة العربية يؤدي إلى مسامحة شاملة لكل الماضي، ومصالحة الجميع دون استثناء لكي تصبح بعدها تداعيات القرار الاتهامي مسؤولية وطنية جامعة».

وفي الذكرى السادسة لاغتيال والده رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري في احتفال في البيال، أكد الحريري أن «لا عودة إلى الـ(سين سين)، لأننا فاوضنا بصدق وأمانة من أجل مصلحة لبنان، وإذ بنا نقابل بطلب الاستسلام لا المصالحة من قبل من لا يريدون حوارا لأنهم يرون أنفسهم أكبر من لبنان، فقلنا لهم إننا من مدرسة (ما حدى أكبر من بلدو)، وأنهوا الـ(س س) لأنهم لا يريدون المصالحة الشاملة».

ونفى الحريري كل ما أشيع عن أنه قبل بالتخلي عن المحكمة الدولية وقال: «لدي قلمان: قلم الصحافيين الراحلين جبران التويني وسمير قصير. أمامي عقدان: عقد الوزير الراحل بيار الجميل وعقد النائب السابق وليد عيدو، فبأي من القلمين أوقع؟ وأيا من العقدين أمزق؟ اعتقدوا أننا سنتنازل عن كل شيء لأجل السلطة ونحن نرى أن السلطة هي آخر ما يستحق التنازل عن شيء من أجله».

وجدد الحريري تمسكه بالمحكمة الدولية، رافضا الاتهامات التي وجهت لها بأنها محكمة أميركية، ومشددا على أنها «ليست فرنسية ولا إسرائيلية وهي لا تستهدف فريقا أو طائفة، إنما تمثل أعلى درجات العدالة الإنسانية وستنزل القصاص فقط بالقتلة الإرهابيين الذين استهدفوا قافلة من أبطالنا على رأسها رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري».

وأشار إلى أن «هذه المحكمة وفق نظامها الأساسي ستوجه التهمة إلى أفراد ولن تلقيها جذافا وعليها الاستناد للأدلة والبراهين، وعندها إذا أراد أحد أن يضع نفسه في خانة المتهمين، فهذا خياره وطريق يختاره بنفسه».

ورفض الحريري ما يقال بأن «المحكمة موجهة ضد الطائفة الشيعية في لبنان»، داعيا في هذا السياق، إلى «عدم الاستماع إلى ما يقال بأن هذه المحكمة موجهة ضد طائفتكم، بل تبصروا إلى أين يقودنا هذا القول»، مشيرا إلى أنه «لم نكن ولن نكون في معرض مواجهة مع هذه الطائفة أو أي طائفة من طوائف لبنان، وهذه هي مدرسة رفيق الحريري الوطنية والعربية والإسلامية، مدرسة تعلو فوق الطوائف والطائفية»، موضحا أن «الطائفة الشيعية هي مدماك أساسي في البناء اللبناني، وجميع اللبنانيين شركاؤها في بناء الدولة ومواجهة العدو الإسرائيلي، ففي هوية كل لبناني حقيقي تجتمع كل الطوائف، وأي اتهام لطائفة هو اتهام لكل اللبنانيين».

وتابع الحريري قائلا: «دخلت المعترك السياسي فجأة ومن دون سابق إنذار، وفي بعض الأحيان أصبت وفي أحيان أخرى أخطأت، وأصبت عندما ناديت بالوحدة الوطنية، لأن هذا البلد لا يحكمه أحد بمفرده، لا شخص ولا حزب ولا طائفة بمفردها، وإذا افترض أي شخص أو حزب أنه أصبح بمقدوره أن يحكم بمفرده فليحاول، لكنه يعيش وهما كبيرا»، مضيفا: «نحن مددنا اليد في ذروة انتصارنا بعد انتخابات 2009 حتى بعد الجريمة بحق بيروت في أيار (مايو) 2008، مددنا اليد، وقد يكون خطؤنا أننا في كل مرة مددناها بصدق».

وإذ أشار الحريري إلى أن «هذا البلد تعبير عن شراكة يسهل بناؤها على الصدق»، أسف لأن «صدق نيتنا قوبل دوما بالخديعة واعتبر نقطة ضعف وعلامة خوف». وقال: «تحملنا التعطيل والإعاقة، وقد يقول بعضكم إننا أخطأنا، لكننا لم نستخدم يوما السلاح ولم نتحمل مسؤولية نقطة دم واحدة ولم ننسحب من حكومة ولم نعطل حوارا ولم نزور إرادة شعبية».

وشدد الحريري على أن «مشروعنا كان ولا يزال وسيبقى هو الدولة والدستور والمؤسسات والحفاظ على لبنان العروبة والسيادة والاستقلال، ولبنان الحريات الشخصية والسياسية والإعلامية والدينية والاقتصادية، حتى عندما وافقنا في البيان الوزاري على معادلة (الجيش والشعب والمقاومة) فلأننا نعتبر أن الدولة حاضنة للجميع، والجيش مكون من أبناء الشعب، وأن المقاومة في خدمة لبنان، وليس لبنان خاضعا بجيشه وشعبه ودستوره لخدمة السلاح بحجة المقاومة».

وفي ما يتعلق بموضوع السلاح، رفض الحريري «قبول السلاح أو الخضوع إليه عندما يصبح وسيلة لاستفزاز اللبنانيين في استقرارهم وأمنهم ليختاروا الباطل على الحق وعندما يوجه لصدورهم وليمارس الضغط على النواب»، مشيرا إلى أن «السلاح الموجه لصدور اللبنانيين هو سلاح الفتنة، والفتنة لا تخدم سوى إسرائيل»، قائلا: «لا عدو لنا غيرها، ونحن في مقدمة من يقاتلها في سبيل الدفاع عن أراضينا المحتلة في الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا».

وأردف: «إنه لا يستطيع أحد دفن الرأس في الرمال بزعم أن السلاح قضية غير موجودة، إنما الحقيقة غير ذلك تماما، وهذه المسألة خلافية من الدرجة الأولى بين اللبنانيين، ووضعت على طاولة الحوار الوطني باعتبارها خلافا مبدئيا يتصل بالاستخدام المتمادي لهذا السلاح في وضعه على طاولة الشراكة الوطنية أمام كل صغيرة وكبيرة».

من جهة ثانية، نوه الحريري بتبني قوى «14 آذار» لبيان دار الإفتاء، خصوصا في ذكره الأطماع والتجاوزات والغلبة بالسلاح لإخضاع الآخرين، مؤكد أن «هذه المسألة ستبقى في سلم أولويات استقرارنا الوطني ولن نسلم لإبقاء السلاح مسلطا على الحياة السياسية في لبنان، وهذا أول الكلام ولن يكون آخره».

وأعرب الحريري عن إيمانه «بالدولة وبتداول السلطة رغم تزوير إرادة اللبنانيين عبر دفع نواب من موقف إلى عكسه بعدما وقفوا أمام ناخبيهم متعهدين في كل مرة بالدفاع عن المحكمة الدولية، وبرفض أي وصاية غير وصاية الشعب وحصلوا على أصواتهم على هذا الأساس»، مشيرا إلى «أننا لا نتمسك سوى بدستورنا ونظامنا الديمقراطي.. فمبروك عليهم الأكثرية المسروقة بترهيب السلاح».

ورأى الحريري أن «لا وسطية بين السيادة والوصاية ولا وسطية بين عروبة لبنان وزجه في محور إقليمي لا علاقة له لا بالعروبة ولا بلبنان»، مؤكدا أن «لا وسطية بين الصدق والخديعة والعهد المقطوع والخيانة»، متوجها «لمن يعتقدون أنهم تمكنوا مني بغدرهم، أشكرهم لأنهم حرروني وسمحوا لي بالعودة إلى جذوري، إليكم ومعكم».

وفي ما يتعلق بالمبادئ التي ستستند إليها المعارضة، أكد الحريري أننا «سنلتزم بالدستور، ونلتزم بالمحكمة الخاصة بلبنان، ونلتزم بحماية الحياة العامة والخاصة في لبنان من غلبة السلاح، وإننا عائدون إلى طريق الثوابت الأساسية التي رسمها الشعب اللبناني من كل الطوائف والفئات في (14 آذار) 2005 والتي لم يخرج عنها لحظة واحدة حتى عندما شعر أن حسن نوايانا يدفعنا لتسويات لمصلحة لبنان»، معتبرا أن «هذا هو الطريق الذي سار فيه الشعب المصري ليستعيد الأمل وكلمته وإرادته وقراره، فكان قراره الحرية والديمقراطية فانتصر وانتصرت مصر عربية عربية عربية»، وتابع: «نحن أول من بدأ هذا الطريق، طريق الحرية، إلى هذا الطريق، طريق (14 آذار) 2005 سنعود وسنسير فيه معكم، أنتم الذين أبقيتم رؤوسنا عالية والذين ستبقون أعلامكم مرفوعة في ساحة الحرية حتى ساحة الحرية في (14 آذار) 2011 حيث سنجتمع مرة جديدة لنقول (لا)، مرة جديدة، لتسليم القرار الوطني وللوصاية الداخلية المسلحة، لا لتغيير نظام حياتنا، لا حلمنا لا يموت، لا للفساد والسرقة ولا للخوف ولا وألف لا ومليون لا للقهر والظلم والجريمة».

وفي ما يلي نص الكلمة التي ألقاها الرئيس سعد الحريري خلال الاحتفال الذي أقيم في «البيال» بمناسبة الذكرى السادسة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري:

* «في مكتبي صورتان: صورة لوالدي رفيق الحريري الذي استشهد في 14 شباط (فبراير) 2005، وصورة للحشود في ساحة الحرية يوم 14 آذار (مارس) 2005. رفيق الحريري استشهد في مثل هذا اليوم قبل 6 سنوات، لأنه قال لا. قال لا لتسليم لبنان وقرار لبنان ومصير لبنان. قال لا لتغيير حقيقة لبنان. قال لا للنظام الأمني، قال لا للتخلي عن دستور الطائف وعن المناصفة التامة. قال لا لتغيير لبنان العربي، الديمقراطي، الحر، السيد، المستقل. قال لا، فقتلوه، في 14 شباط 2005.

اللبنانيون واللبنانيات، قاموا بما لم يكن في الحسبان. نزلوا بمئات الآلاف، مسيحيين ومسلمين ليقولوا، بدورهم، لا. لا للظلم، لا للقهر، لا للاغتيال، لا للقمع، لا لتغيير وجه لبنان، كما يريده اللبنانيون واللبنانيات، عربيا، ديمقراطيا، حرا، سيّدا، مستقلا، بلدا للحريات العامة والخاصة، لحرية الرأي والتعبير، لحرية العمل السياسي، لحرية العبادة وحرية التجمع وحرية الحياة. قالوا لا للوصاية ولا للنظام الأمني ولا للخوف ولا للجريمة الإرهابية، فانتصروا، في 14 آذار 2005. لهذا السبب، أحتفظ بهاتين الصورتين. صورة والدي الرئيس الشهيد، وصورة حشود ساحة الحرية، وأتأمل فيهما كل يوم، وقبل كل قرار أساسي، وعند كل ساعة حرجة.

لقد دخلت إلى الحياة السياسية يوم استشهد والدي في 14 شباط، وانطلقت معكم ومع كل اللبنانيين واللبنانيات في الحياة الوطنية يوم 14 آذار 2005. هذه هي جذوري الحقيقية، وعن جذوري لن أتخلى. وعندما جاءوا وقالوا لي: انزع هاتين الصورتين وتخل عنهما لكي نسمح لك بالبقاء في رئاسة الحكومة، وتبقى فيها ما أردت، كان جوابي أن هذه هي جذوري، وعن جذوري لن أتخلى. كان جوابي أن رئاسة الحكومة ليست منة من أحد، بل هي تعبير صادق عن إرادة اللبنانيين واللبنانيات، كما أرادوها في صناديق الاقتراع. فزوِّروا إرادة الناخبين ما شئتم، واسرقوا من قرارهم الحر ما أردتم، لكني، أنا سعد رفيق الحريري، هذه هي جذوري، وعن جذوري، لن أتخلى. وها أنا اليوم أمامكم، ومعكم، أعود إلى الجذور، وما أحلى العودة إلى الجذور.

منذ 14 شباط 2005، و14 آذار 2005، كل ما نريده هو الحقيقة، لا السلطة. هو العدالة، لا السلطة. هو الحرية، لا السلطة. هو القانون والدستور والعيش الواحد، لا السلطة. هو السيادة، لا السلطة. هو الاستقلال، لا السلطة. اللبنانيون واللبنانيات الذين احتشدوا في ساحة الحرية، ليسوا ملكا لأحد. لا لتيار المستقبل، ولا لحزب الكتائب، ولا للحزب التقدمي الاشتراكي، ولا للقوات اللبنانية، ولا للتيار الوطني الحر، ولا لأي حزب من الأحزاب. ودماء شهدائنا ليست ملكا لأحد. لا أولياء دم عندنا. دماء رفيق الحريري، وباسل فليحان، وسمير قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني، وبيار أمين الجميّل، ووليد عيدو، وأنطوان غانم، وفرانسوا الحاج، ووسام عيد.. وعشرات العشرات الذين سقطوا معهم ليست ملكا لأحد. ودماء مروان حمادة، ومي شدياق، وإلياس المر، وسمير شحادة، ليست ملكا لهم. إنها أمانة لبنان الوطن ومسؤولية اللبنانيين الذين نزلوا بمئات الآلاف إلى ساحات الحرية بعد 14 شباط 2005، يطالبون بالحقيقة والعدالة. هؤلاء اللبنانيون واللبنانيات، ونحن منهم، لا يزالون متمسكين بالحقيقة والعدالة وبالمحكمة الدولية.

واسمحوا لي، هذه المحكمة ليست أميركية ولا فرنسية ولا إسرائيلية، وهي لا تستهدف فريقا أو طائفة. هذه المحكمة تمثل في نظرنا، أعلى درجات العدالة الإنسانية، هذه المحكمة ستنزل القصاص - بإذن الله - فقط، أكرر: فقط، بالقتلة الإرهابيين الذين استهدفوا قافلة من كبارنا على رأسها الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وهذه المحكمة، وفق نظامها الأساسي، ستوجه التهمة إلى أفراد ولن تلقيها جزافا. عليها أن تستند إلى الأدلة والبراهين. وعندها، إذا أراد أحد أن يضع نفسه في خانة المتهمين فهذا خياره، وهذا طريق يختاره بنفسه، أما نحن فسندعم المحكمة وقرارها وحكمها، ولن نقول يوما إن التهمة موجهة إلى طائفة، أو حزب أو فئة.

أيها الأصدقاء، أعلم سلفا أن هناك من يريد أن يأخذ كلامي في اتجاه مواجهة مع طائفة كبرى وشقيقة من طوائف لبنان، نحن لم نكن ولن نكون في يوم من الأيام في معرض مواجهة مع الطائفة الشيعية، أو أي طائفة من طوائف لبنان؛ هذه هي مدرسة رفيق الحريري الوطنية والعربية والإسلامية، مدرسة تعلو فوق الطوائف وفوق الطائفية. الطائفة الشيعية اللبنانية العربية هي مدماك أساسي في البناء اللبناني، وجميع اللبنانيين شركاؤها في بناء الدولة ومواجهة العدو الإسرائيلي. في هوية كل لبناني حقيقي تجتمع كل الطوائف، وأي اتهام لطائفة هو اتهام لكل اللبنانيين، فلا تستمعوا إلى من يقول لكم إن هذه المحكمة موجهة ضد الطائفة الشيعية، بل تبصروا بما يراد فعلا من هذا القول، وإلى أين يقودنا جميعا.

أيها الإخوة والأخوات، كما تعرفون جميعا، قبل 14 شباط 2005 لم أكن في أي موقع سياسي.

كنت واحدا من شباب لبنان أحاول النجاح في عملي وفي عائلتي وأحاول كسب رضا الله ورضا الوالدين في حياتي. دخلت هذا المعترك فجأة ومن دون سابق إنذار، وفي بعض الأحيان أصبت، وفي أحيان أخرى أخطأت، لكنني أعتقد أنني أصبت منذ اللحظة الأولى عندما ناديت بالوحدة الوطنية، ترجمة لقناعتي الأولى، التي أصبحت راسخة بعد 6 سنوات، بأن هذا البلد لا يحكمه أحد بمفرده، لا شخص بمفرده ولا حزب بمفرده ولا طائفة بمفردها، وإذا افترض أي شخص أو حزب أو طائفة اليوم أنه بات بمقدوره أن يحكم بمفرده فليتفضل، وليحاول، لكنه يعيش وهما كبيرا.

أما نحن فمنذ اليوم الأول مددنا اليد، مددنا اليد في ذروة قوتنا قبل انتخابات 2005، ومددنا اليد في ذروة انتصارنا بعد انتخابات 2009. حتى بعد الجريمة النكراء التي ارتكبت بحق بيروت وكل لبنان في أيار (مايو) 2008، مددنا اليد وقد يكون خطأنا أننا في كل مرة مددناها بصدق؛ لأننا نعتقد أن هذا البلد الذي لا يحكمه أحد بمفرده إنما هو تعبير عن شراكة، وهذه الشراكة يسهل بناؤها على الصدق. لكننا في كل مرة قوبلنا بالخديعة، لا بل أخذ صدق نيتنا على أنه نقطة ضعف وعلامة خوف.

وحتى عندما شكلنا حكومة الوحدة الوطنية بعد الانتخابات الأخيرة التي انتصرتم أنتم فيها، واعتقد شريكنا أنه سيكون شريكا من دون مسؤولية، تحملنا ما لا يحتمل من تعطيل وإعاقة وتشويه للحقائق. قد يقول بعضكم إننا أخطأنا، لكننا - والحمد لله - لم نستخدم يوما السلاح، ولم نتحمل مسؤولية نقطة دم واحدة، ولم ننسحب من حكومة، ولم نعطل حوارا، ولم نقفل برلمانا، ولم نزور إرادة شعبية.

نحن، أيها الإخوة والأخوات، مشروعنا كان ولا يزال وسيبقى، هو الدولة، هو الدستور، هو المؤسسات، هو الحفاظ على لبنان العروبة والسيادة والاستقلال والنظام الديمقراطي، لبنان الحريات الشخصية والسياسية والإعلامية والدينية والثقافية والاقتصادية، حتى عندما وافقنا في البيان الوزاري على معادلة الشعب والجيش والمقاومة، فلأننا نعتقد أن الدولة هي الحاضن للجميع والجيش مشكَّل من كل أطياف الشعب وفئاته، والمقاومة هي للدفاع عن الوطن في وجه إسرائيل. مقاومة في خدمة الجيش والشعب، وفي خدمة لبنان، وليس لبنان خاضعا بجيشه وشعبه ودستوره ودولته للسلاح، بحجة المقاومة. نعم، نحن لا نقبل السلاح ولا الخضوع للسلاح عندما يوجه إلى صدور اللبنانيين واللبنانيات، ويصبح وسيلة لابتزازهم في استقرارهم وأمنهم ليختاروا الباطل على الحق، أو عندما يصبح وسيلة ضغط على النواب ليقوموا بعكس ما كلفهم به الناخب ولينكثوا العهود التي قطعوها عندما ترشحوا للانتخابات.

السلاح الموجه إلى صدور اللبنانيين هو سلاح فتنة، والفتنة في لبنان لا تخدم إلا إسرائيل التي نقولها للمرة الألف إن لا عدو لنا غيرها، وإننا في مقدمة من يقاتلها في سبيل الدفاع عن سيادة لبنان، وتحرير أرضنا المحتلة في الغجر، ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا، تماما كما أننا كنا وسنبقى في مقدمة صفوف الداعمين لإخواننا الفلسطينيين ولقضيتهم التي هي قضيتنا المركزية ولحقهم بالعودة إلى دولتهم الفلسطينية العربية المستقلة الحرة، الديمقراطية، وعاصمتها القدس.

أيها الأصدقاء، دعوني أكون صريحا في هذه المسألة المحددة. لا يستطيع أحد أن يدفن رأسه في الرمال بزعم أن السلاح قضية غير موجودة، وممنوع على اللبنانيين أن يتحدثوا عنها.. الحقيقة غير ذلك تماما، وتجربة السنوات الست الماضية كافية كي تثبت للجميع أن هذه المسألة هي مسألة خلافية من الدرجة الأولى بين اللبنانيين، هي على طاولة الحوار الوطني باعتبارها خلافا مبدئيا لا يتصل بحق الشعب اللبناني في مواجهة العدوان الإسرائيلي، كما حدث في تموز (يوليو) 2006، إنما يتصل بالاستخدام المتمادي لهذا السلاح في بت الخلافات السياسية وفي وضعه على طاولة الشراكة الوطنية أمام كل صغيرة وكبيرة.

إنني أنوه، في هذا المجال، بتبني قوى 14 آذار لبيان الثوابت الوطنية الصادر عن اجتماع دار الإفتاء، خصوصا في ذكره الأطماع والتجاوزات والغلبة بالسلاح لإخضاع الآخرين. هذه المسألة ستبقى في سلم أولويات استقرارنا الوطني ولن نسلم أبدا لبقاء السلاح مسلطا على الحياة الوطنية في لبنان، وهذا أول الكلام ولن يكون آخره، معكم ومع كل اللبنانيين.

أيها الأصدقاء، قيل الكثير عن علاقتي بسورية، وعن زياراتي إلى سورية. نعم، أنا ذهبت إلى سورية بصفتي رئيسا لمجلس الوزراء وبصفتي ابن الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكل ما أردته هو مصلحة لبنان العليا في العلاقات مع دولة عربية شقيقة هي الجار الأقرب لنا.

مصلحة لبنان العليا التي تتوافق مع مصلحة سورية في الاقتصاد والتجارة والأمن والاستقرار وحفظ سيادة كل من البلدين واستقلال كل من البلدين. لم أذهب إلى سورية لطلب شخصي لنفسي ولا لأستعين بها على أبناء بلدي وعلى البقاء في السلطة. ذهبت في كل مرة مرفوع الرأس بحثا عن مصلحة لبنان أولا، التي تبدأ بحسن العلاقة مع الشقيق الأقرب، ومع كل العرب وكل العالم. لقد قصدت كل العالم من واشنطن إلى طهران من أجل مصلحة لبنان فكان بالأحرى أن أزور سورية مرة ومرتين وخمس مرات من أجل مصلحة بلدي.

ولقد كانت سورية، في تلك الفترة، جزءا من ما عرف بالـ(سين سين)، أي المبادرة التي قام بها مشكورا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لحفظ استقرار لبنان. ومنذ البداية وحتى اليوم ألزمت نفسي الصمت بشأن الـ(سين سين)، لأن من يريدها أن تنجح لا يسرب ولا يتكلم، بل يعمل، لكني اليوم، سأتكلم.

هذه المبادرة كانت قائمة على فكرة واحدة وأساسية: أننا - وبكل صدق - مستعدون للمشاركة في مؤتمر مصالحة وطنية لبنانية، يتصالح فيه كل اللبنانيين ويتسامح فيه كل اللبنانيين. مؤتمر يعقد في الرياض برعاية ملك المملكة العربية السعودية وبحضور رئيس الجمهورية اللبنانية ورئيس الجمهورية العربية السورية وعدد من رؤساء العرب وقادتهم وبحضور الجامعة العربية، يؤدي إلى مصالحة شاملة، ومسامحة شاملة لكل الماضي، مصالحة الجميع من دون استثناء، وتسامح الجميع من دون استثناء، عن كل الماضي من دون استثناء، تصبح بعدها تداعيات القرار الاتهامي مسؤولية وطنية وعربية جامعة. نعم.. هذا هو أساس الـ(سين سين)، الذي كان في تفاصيله وفي جدوله الزمني إعلاء مصلحة الدولة وسيادتها على أراضيها وإزالة كل البؤر الأمنية المسلحة على الأراضي اللبنانية كافة.

نعم.. هذا هو الاتفاق الذي فاوضنا عليه. أخطأنا؟ نعم، أخطأنا. فاوضنا بكل صدق وأمانة من أجل مصلحة لبنان، فإذا بنا، مرة جديدة، نقابل بطلب الاستسلام، لا المصالحة من قبل من لا يريدون حوارا لأنهم يرون أنفسهم أكبر من لبنان، فكان جوابنا لهم أننا بكل بساطة، نحن من مدرسة (ما حدا أكبر من بلدو).

لقد أنهوا الـ(سين سين) تحديدا لأنهم لا يريدون هذه المصالحة الشاملة، وأنا أقول أمامكم: لا عودة إلى الـ(سين سين)، وللذين لديهم التباس أو يحبون أن يكون لديهم التباس بأنني وقعت على إنهاء علاقة لبنان بالمحكمة أقول: أنا أملك قلمين قلم سمير قصير وقلم جبران تويني، وأمامي عقدان عقد بيار أمين الجميل وعقد وليد عيدون، فبأي من القلمين أوقع وأيا من العقدين أمزق؟

هم اعتقدوا، أيها الأصدقاء، أننا سنتنازل عن كل شيء من أجل السلطة، ونحن نرى أن السلطة هي آخر ما يستحق أن نتنازل عن شيء من أجله، لا بل إننا مؤمنون إيمانا راسخا بتداول السلطة، وبالنظام الديمقراطي، وبالدستور.. لهذا السبب قررنا الذهاب إلى الاستشارات رغم معرفتنا بالنتائج سلفا، ورغم تهديد اللبنانيين باستقرارهم، ورغم تزوير إرادة الناخبين عبر دفع نواب من موقف إلى عكسه، بعد أن وقفوا أمام ناخبيهم مرتين خلال 4 سنوات في المهرجانات الانتخابية متعهدين في كل مرة بالدفاع عن المحكمة الدولية وبرفض أي وصاية غير وصاية الشعب، وحصلوا على أصواتهم على هذا الأساس. نحن لا نتمسك بالسلطة ولا نتمسك بشيء سوى بنظامنا الديمقراطي وبدستورنا، فمبروك عليهم الأكثرية المخطوفة بترهيب السلاح، ومبروك عليهم السلطة المسروقة من إرادة الناخبين.

وهنا، أيها الإخوة، لا بد من كلمة حول الوسطية. الوسطية، كما نفهمها نحن، هي الاعتدال في مواجهة التطرف، وسطية رفيق الحريري الذي علمنا أن المسيحي المعتدل أقرب إليه من المسلم المتطرف، الوسطية هي البحث عن تسويات بين حقيقتين من أجل مصلحة الوطن العليا، الوسطية هي في نظرنا قرار لا غياب القرار أو تسليمه.

لكن، أيها الأصدقاء، لا وسطية بين الجريمة والعدالة، ولا وسطية بين السيادة والوصاية، ولا وسطية بين عروبة لبنان وزجه في محور إقليمي لا علاقة له لا بالعروبة ولا بلبنان.. والأهم الأهم، لا وسطية بين الصدق والخديعة، وبين العهد المقطوع والخيانة. وقبل أن أكمل الكلام، ولكي لا يعتقد أحد أن كلامي هو رد فعل لخروجي من رئاسة الحكومة، فإنني أتوجه إلى من يعتقدون أنهم تمكنوا مني، بالغدر والكذب والخيانة وانعدام الوفاء، أتوجه من هؤلاء بالشكر العميق، لأنهم حرروني، وسمحوا لي أن أعود إليكم ومعكم أن أعود إلى جذوري، وأقول اليوم علنا ما أقوله ضمنا في كل يوم: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله. أنا قلت الحمد لله في 14 شباط 2005، فما أسهل أن أقولها ألف مرة اليوم في 14 شباط 2011! أيها الأصدقاء، نحن اليوم في المعارضة التي تستند إلى المبادئ الثلاثة التالية:

أولا: التزام الدستور، ثانيا: الالتزام بالمحكمة الخاصة بلبنان، ثالثا: التزام حماية الحياة العامة والخاصة في لبنان، من غلبة السلاح. نحن عائدون إلى طريق الثوابت المبدئية السلمية الوطنية الأساسية التي رسمها الشعب اللبناني من كل الطوائف والمناطق والفئات في 14 آذار 2005، التي لم يخرج عنها لحظة واحدة، حتى عندما شعر أن حسن نياتنا يدفعنا إلى مواقف وتسويات لمصلحة لبنان ولكنها خارج هذا الطريق. هذا هو الطريق نفسه الذي سار فيه الشعب المصري، شباب مصر وشاباتها، ليستعيد الأمل ويستعيد كلمته وإرادته وقراره، فكان قراره الحرية والديمقراطية، فانتصر وانتصرت مصر عربية عربية عربية. نعم، نحن من بدأنا هذا الطريق، طريق الحرية. إلى هذا الطريق، طريق 14 آذار 2005 سنعود جميعا.

سنسير فيه، معكم أنتم الذين أبقيتم رؤوسنا عالية، أنتم الذين ستبقى أصواتكم مسموعة، وأعلامكم اللبنانية مرفوعة، حتى ساحة الحرية، التي ستجمعنا جميعا مرة ثانية بإذن الله، في 14 آذار 2011، لنقول لا مرة جديدة.

نحنا نازلين في 14 آذار لنقول لأ، لأ.. لتزوير إرادة الناخبين، لأ.. لخيانة روح العيش المشترك، لأ.. لتسليم القرار الوطني، لأ.. للوصاية الداخلية المسلحة، لأ.. لنقل لبنان على محور ما بدن ياه اللبنانيين، لأ.. لتغيير نظام حياتنا، لأ.. حلمنا ما بيموت، لأ.. للفساد، لأ.. للسرقة، لأ.. للخوف، لأ.. للخوف، ولأ.. وألف لأ ومليون لأ للقهر والظلم والجريمة. عشتم، عاش شهداء ثورة الأرز، وعاش لبنان».

على جانب آخر خرج اجتماع دار الفتوى الذي جمع الرؤساء سعد الحريري ونجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وشخصيات وزارية ونيابية من الطائفة السنية والذي خصص للبحث في التطورات التي اعقبت اسقاط الحكومة وتكليف ميقاتي تشكيل حكومة جديدة بمجموعة من الثوابت حول مفهوم الدولة والعيش الوطني المشترك والعلاقة مع سوريا والمجتمع الدولي، وخلص الى استنكار "أسلوب الإسقاط لحكومة الوحدة الوطنية بعد تعهّد عدم الاستقالة". ورأى في ملابسات التكليف "خروجاً على مسائل مبدئية، يستحيلُ التسليمُ بهما عُرفاً أو ميثاقاً".

واذ رفض المجتمعون اي تخلّ عن التزامات لبنان حيال المحكمة الدولية طالبوا الرئيس المكلف بـ"التبصر في مواقفه وعدم الخروج عن الثوابت الوطنية"، محذّرين من العبث بمصير الوطن.

عقد في دار الفتوى، بدعوة من مفتي الجمهورية، اجتماع للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى حضره الحريري وميقاتي والسنيورة والنواب السنة ومجلس المفتين.

استهل الاجتماع بخلوة ضمت قباني والحريري وميقاتي والسنيورة في مكتب المفتي استمرت نصف ساعة، ثم توجّه الجميع الى بهو دار الفتوى حيث استهلت الجلسة بكلمة لمفتي الجمهورية جاء فيها: "إنَّ ما أصابَ وطنَنا لبنان خلالَ السنواتِ السِت الماضية، من حالاتِ عدَمِ الاستقرارِ السياسيِّ المُتكَرِّرةِ والمُستَمرَّة، ومنذُ اغتيالِ الرئيسِ الشهيد رفيقِ الحريري، أصابَ الوَطنَ في كَيانه والموَاطِنَ في رِزقهِ حتى تَقَهقَرَ حالُنا، لذلكَ كانَ لا بُدَّ لنا مِن لَمّ الشَّملِ اليومَ في هذه الدارِ بَعدَ مَا آلَت الأُمور إلى ما آلَت إليه، لتداوُلِ شُؤوننا، ولنَجتَمعَ على ثوابتَ ومُقَرَّرات، نَضعُها معاً ونلتَزِمُها نهجاً ومنهاجاً، يَكون الدستور روحها، ومصلحة الوطَنِ والمواطنين في صُلبِها، وَوحدتنا نتيجَتها.

ولِنَضَعَ نُصْبَ أعيُننا أنَّ اللبنانيينَ جميعاً، مسلمينَ ومسيحيينَ، سُنَّةً وشيعةً، وحدةٌ متكاملةٌ في هذا الوطن، تربطهم تلك الوحدة الوطنية الجامعة، وترعى شؤونَهم وثيقةُ اتفاق الطائف وميثاق العيش المشترك، لا فَضلَ لأَحَدنا على الآخَر إلا بمقدارِ خدمَتهِ لوطَنهِ، وبمقدارِ محافَظَتهِ عليه، وإنَّنا أبناءُ هُويَّةٍ واحدة، وأبناءُ أرضٍ واحدة، وأبناءُ وطنٍ واحد، هُوِيَّتُنا عربية، وأرضُنا عربية، ووطَنُنا لبنان، ولا عدوَّ لنا في هُوِيَّتنا وأرضِنا وَوَطَننا إلاَّ الصَّهاينةُ المُغتَصبونَ لأرضنا العربيةِ فلسطين.

ثم توالى على الكلام الحريري وميقاتي والسنيورة. ودار نقاش في مسودة البيان على مدى ساعتين، وجرت الموافقة عليه بالاجماع، وتلاه نائب رئيس المجلس الشرعي الوزير السابق عمر مسقاوي، وهنا نصه:

"حفلت السنواتُ الماضيةُ من حياة لبنان الوطن والدولة والعيش المشترك بأُمورٍ وظواهر رأينا فيها نحن المسلمين اللبنانيين ما يشكّل خطراً على الدولة، والسلم الأهلي، وعلى أُصول المشاركة السياسية في النظام بين المكوِّنات الوطنية. وتأكيداً للالتزام الوطني للدولة والدستور والنظام العام، رأينا أن من واجبنا وحقنا التنبيه إلى هذه الأخطار وتأثيراتها السلبية على الاستقرار، وتضامُن اللبنانيين ووحدتهم، وعلى العلاقات بين طوائف البلاد وفئاتها.

وحرصاً منا على حماية النظام العام على أساس وثيقة الوفاق الوطني رأينا تأكيد الثوابت الآتية:

أولاً - في الدولة

تلاقى اللبنانيون على اختلاف فئاتهم وطوائفهم ومذاهبهم على إقامة الدولة التي تصون الوطن، وترعى العلاقات والمشاركة الصحيحة والعادلة بين مكوِّنات البلاد الطائفية والوطنية، من خلال نظامٍ ديموقراطي، يضمن التنوع داخل الوحدة، بحيث لا يتناول الخوف، أو الغبن، أو الاستبعاد، أو الإقصاء، أياً من تلك المكوِّنات. وما توصَّلَ اللبنانيون إلى كلِّ ذلك دفعةً واحدة، بل عبر مراحل متعددة، وحروبٍ ونزاعاتٍ ونضالات، أسهمت دروسُها وعِبَرُها في الوصول إلى وثيقة الوفاق الوطني بالطائف (عام 1989)، والتي تأسَّس عليها الدستور الحالي بروحه ونصوصه المعروفة، والتي لا يجوزُ تجاهُلُها أو الخروجُ عليها، حفظاً للاستقرار، وفق الآليات المتفق عليها داخل النظام. لقد راعت وثيقة الوفاق الوطني مصالح جميع اللبنانيين على أساس تعدد المكوِّنات ووحدة المواطنة معاً، وفتحت الأُفُق على تطوير النظام والتقدم من خلال آلياته وأعرافه في اتجاه اكتمال إقامة الدولة العربية الحرة والمدنية الحديثة. ويمر نظامُنا اليوم في مرحلةٍ دقيقةٍ وحسّاسةٍ بسبب ما تعرّض له منذ الطائف من استنزافٍ وتعويقٍ واستضعافٍ من الداخل والخارج، وما شهده من خروج عن القواعد أو محاولة تغييرها بقوة الأمر الواقع، وهذه أمورٌ ينبغي التفكير فيها والتحسُّب لها، ومراجعتها بدون تعسُّفٍ أو استخفاف.

إنّ النظام الوطني الديموقراطي اللبناني لا يجدُ منافذَ وآفاقاً للتحقّق والتطوّر بسبب تفاقُم التجاوُزات والأطماع باسم طوائف ولمصلحة قوى مهيمنة فيها، تعمل على إخضاع الآخرين لمنطقها السياسي، في تجاوزاتٍ للدستور أو للنظام العام، فتعتمد تارةً الالتفاف عليهما، وتارةً أُخرى الغلبة بالسلاح، وهدفُها دائماً التلاعُبُ بالأَولويات التي ينبغي القيامُ بها لاستكمال تطبيق الدستور، فضلاً عن رفع الصوت بأوهام الأعداد والحجم.

إن الثابتَ لدينا في الأمر الدستوري هو تنفيذُ الدستور الحالي بنصِّه وروحه، وتطبيق نصوصه كاملةً من دون انتقاصٍ أو انتقاء.

ثانياً - في العيش الوطني الواحد

كان العيشُ الوطنيُّ الواحد ولا يزال القاعدة التي قام عليها لبنان واستمرّ رغم كلّ الصعوبات الداخلية والخارجية. وأساسُ ذلك العيش الشراكة الكاملة على أساس المناصفة في التمثيل السياسي، والمشاركة في بناء المؤسسات بين المسيحيين والمسلمين. وعماد تلك المشاركة هو التزام الطوائف النظام، والتمثيل الصحيح لكلّ الفئات، والتمثيل الوازِن في داخل الطوائف، واحترام خصوصيات الآخرين ما امكن لكي يَظَلَّ التوازُنُ في النظام السياسي عاملاً مهماً بين عوامل الاستقرار والأمان للجميع، لأنَّ الإحساس بالغُبن أو بالإقصاء عند أي جماعة على المستوى الوطني العامّ أو الطائفي الخاصّ، يولِّد انعزالاً داخل الطائفة المعنية، ويقابله انكماشٌ وتحفُّزٌ في داخل جماعةٍ أُخرى أو أكثر. وقد أدّى ذلك دائماً إلى تهديد الاستقرار الوطني، وحدوث النزاعات التي عاناها اللبنانيون كثيراً.

ثالثاً - في المكوِّنات الوطنية للنظام

أقام النظام اللبناني، وبالتوافُق بين المسلمين والمسيحيين شراكةً في تكوين السلطة وفي إدارتها. وهكذا كان رئيس الدولة ولا يزال مسيحياً مارونياً، ورئيس مجلس النواب أو السلطة التشريعية مسلماً شيعياً. وكان من مسؤولية أهل السنة تَولّي منصِب رئاسة الحكومة قبل الطائف وبعده. وما كان ذلك امتيازاً بقدر ما كان ولا يزال دوراً ومسؤولية. فرئيس الحكومة في ديموقراطيتنا باعتباره رئيس السلطة الإجرائية، هو وحده الذي يتعرض للمساءلة والمحاسبة من بين رؤوس المؤسسات الدستورية. وتستندُ قدرتُهُ على القيام بمهماته، وتمتين التواصُل بين المكوِّنات الوطنية إلى صلاحياته الدستورية، وإلى قوته التمثيلية في بيئته اللبنانية الخاصة، وفي المدى الوطني العام.

رابعاً - في التسامُح والعدالة

تخلَّلت المسارَ السياسيَّ للنظام اللبناني نزاعاتٌ كثيرةٌ ناجمةٌ في الغالب عن الخروج من جانب جماعةٍ أو أكثر عن النظام من خلال عدم التزام آلياته، أو ناجمة عن الاستقواء أو متأثرةً بالغايات التي لا يستطيع النظامُ قبولها أو التسليم بها إلاّ بخرق أُسُسه وقواعده. وأدت هذه الاختلالات إلى فتح الباب أمام اعتبار الاغتيال وسيلةً مُباحةً للتخلُّص من الخصوم دون أي مراعاة للمساءلة أو للمحاسبة والعقوبات. وبعد كل اغتيالٍ، كانت تحدُثُ المُسامحاتُ الشكليةُ والتسويات التي تقومُ على الخوف أو الغلبة. أمّا الواقع فإنّ المآسي التي دمّرت الحياة السياسية، ووتّرت العلائق بين مكونات لبنان وفئاته وصدعت بنيانه الوطني، ما نُسيت ولا غُفرت، ولا يمكن أن تتحرر الحياةُ السياسيةُ، ويتأكَّدَ الاستقرار الوطني، والعلاقات السليمة والسِلْمية بين الفئات والتيارات السياسية إلاّ بضمان حق الاختلاف وحرية الرأي وتحقيق العدالة. لقد تعرضت فئات واسعة من اللبنانيين من علماء وسياسيين وإعلاميين ومثقفين، كان منهم الرئيس رشيد كرامي وسماحة المفتي الشيخ حسن خالد وكوكبة من الشهداء اللبنانيين البررة. ثم كانت عاصفة الاغتيالات الهوجاء التي بدأت باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وما تبعها من جرائم إغتيال. كل ذلك حتم لجوء اللبنانيين إلى العمل والتمسك بمبدأ إقرار المحكمة الدولية الخاصّة بلبنان، تحقيقاً للعدالة، وصوناً للحق في الحياة الحرة والآمنة، وحمايةً لحرية العمل السياسي والإعلامي وضمان الاستقرار الوطني.

خامساً - في الدولة اللبنانية الواحدة

لقد تعاهد المسلمون والمسيحيون في ما بينهم على شراكة عمل وطني، في بناء الدولة المدنية، دولة العيش المشترك، ودولة المواطنة والمساواة وحكم القانون، وعدم تأجيل ذلك أو تعليقه (قارن ببيان الثوابت العشر الصادر عن اللقاء الإسلامي الموسع في دار الفتوى عام 1983). إنها دولة الهوية والانتماء العربيين والوطن النهائي للبنانيين جميعاً، كما أُقر في دستور الطائف. وهم يعتبرون هذا الانتماءَ التزاماً مبدئياً وعلى أساسه كان العمل مع شركائهم في الوطن، وكان لبنان مبادراً في توقيع ميثاق جامعة الدول العربية. وهو لا يزال ضمن الإجماع العربي الذي هو خيارنا في كل شأن ضمن الطموحات الكبرى للأمة العربية. وهم لذلك يعملون ضمن المؤسسات الدستورية، على تجنب سياسات المحاور أو أن تكون بلادهم ساحة مفتوحة للصراعات، ويدعمون العمل العربي المشترك من أجل صَون المصالح العليا للأمة، ومن أجل استقرار لبنان وتقدمه.

سادساً - في القضية الفلسطينية

كانت قضية الشعب الفلسطيني ولا تزال قضية العرب الأولى. وشارك المسلمون شأنهم شأن اللبنانيين والعرب الآخرين، الإخوةَ الفلسطينيين في نضالَهم من أجل التحرير من الاحتلال الإسرائيلي وحق العودة ومنع التوطين وإقامة الدولة الفلسطينية على أرض فلسطين وعاصمتها القدس. وهذا الالتزام هو الثابت في عروبتهم وعروبة لبنان، كوطن ودولة وممارسة سياسية ومن خلال الدولة اللبنانية. لذا فإن القضيةَ الفلسطينية هي المحور الذي يعلو على سياسات المحاور والأحلاف والاستغلالات، ومن هنا فإن التزامنا دعم الشعب الفلسطيني في نضاله المشروع من أجل التحرير هو الأساس الذي تبنى عليه المواقف ضمن الإجماع العربي. إن مقاومة المشروع الصهيوني متعدد الجانب والأسلوب والطريقة وهو التزام على الأمة، وكان لبنان دائماً في طليعة المبادرين إليها والعاملين عليها، وهو في أساس وحدة الأمة ونضالها في مواجهة هذا المشروع.

سابعاً - في العلاقات مع سوريا

لقد اعتبرنا دائماً أنّ الروابط الوثيقة مع سورية جزءٌ لا يتجزأ من هويتنا العربية الواحدة، وهذا ما أكدته وثيقة الوفاق الوطني لجهة العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا. وإننا من موقعنا الوطني والقومي لن نوفّر جَهداً من أجل ضمان أن تستعيد هذه العلاقاتُ طابَعَها الأخوي، خارج التأزم الذي عرفته في السنوات الأخيرة، والاختلالات المُزمنة في الحقبة التي سبقتْها، وذلك من أجل الوصول إلى التكافؤ في الحقوق والالتزامات بين الدولتين الشقيقتين سواء في السياسة أو الأمن القومي المترتّب على أزمات المنطقة، ومشكلات العلاقات الإقليمية والدولية.

ثامناً - في الشرعية الدولية

يتمسَّكُ اللبنانيون والمسلمون من بينهم ومن خلال الدولة بمفهومها الوطني والسيادي، بالعلاقات المنفتحة والمتصالحة مع المجتمع الدولي والتزاماتها، وباستظلال الشرعية الدولية، ومواثيق الأُمم المتحدة، ومبادئ عدم الانحياز. ويأْبَون الدخولَ في سياسات الأحلاف والمحاور الإقليمية والدولية، والتي كانت دائماً بين أسباب الخلافات والانقسامات في الداخل اللبناني وفي الداخل العربي.

تاسعاً وأخيراً - في المجريات الراهنة

استناداً إلى ما سبق، فإنّ تجاوُزات السنوات الست الأخيرة، والتي تتضمن خروجاً متكرراً على قواعد النظام السياسي بدءًا من اسلوب التعامل مع جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والشهداء الاخرين، مروراً بالتراجع عن إجماعات الحوار الوطني، واجتياح بيروت بعد حصارٍ للحكومة وإقفالٍ للمجلس النيابي، وما حدث أخيراً من تعطيل مبرمج لعمل حكومة الوحدة الوطنية ثم إسقاطها، والتمادي في تكرار الأسلوب نفسه، إن كلُّ ذلك التجاوز والخروج على الدستور والقانون، يُخِلُّ بقضايا عدة هي في أساس النظام اللبناني، والعلاقات بين اللبنانيين:

أ- إننا نرى في أسلوب الإسقاط لحكومة الوحدة الوطنية بعد تعهّد عدم الاستقالة، وفي ملابسات التكليف، خروجاً على مسائل مبدئية يستحيلُ التسليمُ بهما عُرفاً أو ميثاقاً، بغضّ النظر عن أسماء الشخصيات المعنية ومزاياها الخاصة والعامة، لأنّ الإقصاء والظروف المحيطة بالتكليف فيهما الكثير من التجاوُز والإخلال، والتجاهل لإرادة الناخبين والتعدي على خياراتهم التي مارسوها إقتراعاً بحرية في انتخاباتٍ وطنيةٍ عامةٍ عامَي 2005 و2009، مما أدى إلى تشويه قواعد النظام السياسي، والإخلال بأسس الوفاق الوطني.

ب - إن أي تخلٍ سافر أو مضمر في برنامج عمل الحكومة المنوي تشكيلها عن التزامات لبنان تُجاه المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، يُشْعِرُ أهالي الشهداء والغالبية من اللبنانيين، بالغلبة والقهر والتشفّي والاستفزاز والتخلي عن حقهم بالعدالة بما يتنافى مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان، وحقوق المُواطنة.

ج - إنّ طريقة عملية الإسقاط والظروف المحيطة بالتكليف والذرائع التي استخدمت خلالها، وازدواج المعايير، تُعيدُ جميعها إلى ذاكرتنا ممارسات خبرناها في مراحل عديدة من تاريخنا السياسي القريب. وهذا الأمر يزيدُ حجم الاحتقان وشدّته داخل صفوف اللبنانيين، بعد التجارب القاسية التي عانوها خلال السنوات الماضية. وهكذا تجتمع لدينا اعتبارات عدة تثير القلق والتساؤل، هي:

- الإصرار على زج لبنان في سياسات المحاور.

- الإصرار على الترهيب بالسلاح واستخدامه فعلاً في العمل السياسي للتعطيل أو للسيطرة.

- الإصرار على تجاهُل نتائج الانتخابات الوطنية الديموقراطية في العامين 2005 و2009 وتعطيل مفاعيلها التمثيلية.

- الإصرار على تجاهل إجماعات الحوار الوطني.

- الإصرار على تعطيل العدالة، وعلى التنكُّر لدماء الشهداء.

إننا إذ نَلفت اللبنانيين جميعاً، إلى الممارسات المخالفة لروح الدستور وللقانون وللعيش الوطني الواحد، خلال السنوات الماضية وإلى مغزاها وأبعادها الخطيرة وما نتج منها وترافق معها من صدمات متلاحقة، نُذكِّرُ بالآثار السلبية لهذه التصدُّعات على وحدة اللبنانيين، وعلى العلاقات بين اللبنانيين جميعاً، وعلى النظام العام. وبناءً عليه نُطالبُ الرئيس المكلَّف بالتبصر في مواقفه استناداً إلى هذه الثوابت الوطنية وعدم الخروج عليها.

لقد جاء هذا التذكير بالثوابت، لأننا نعتبر أنفسنا معنيين بتجنيب وطننا وعيشنا المشترك وجماعتنا، المزيد من الانقسامات ووجوه التفرق والاختلال. إننا نحذِّر من كلِّ هذين العبث والتلاعب بمصائر الوطن والدولة والمجتمع الذي لا يقبله اللبنانيون الحرصاء على السلم الأهلي، وعلى التوافق الوطني، ولا نظنُّ الرئيس المكلَّف يقبله".

ولدى خروج النائبين الوليد سكرية والنائب قاسم هاشم اشارا الى تحفظهما عن البيان.

ثم توجّه الجميع الى "بيت الوسط" حيث وجّه الحريري دعوة الى غداء على مائدته شارك فيه السنيورة ومفتي الجمهورية ومفتو المناطق وعدد من النواب وأعضاء المجلس الإسلامي الشرعي.

كذلك حضر ميقاتي الى "بيت الوسط" لفترة وجيزة حيث التقى الحريري في حضور الوزير محمد الصفدي والنائب احمد كرامي ثم غادروا لارتباط ميقاتي بموعد مسبق في منزله.

هذا وأكد الرئيس الاميركي باراك أوباما عشية الذكرى السادسة لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري تأييده وثقته للمحكمة الدولية حول لبنان المكلفة محاكمة المسؤولين عن عملية الاغتيال.

وأعلن أوباما في بيان "لن نقبل بأي محاولة للتدخل في عمل المحكمة او لاثارة التوتر في لبنان" مضيفا ان المحكمة "ستكشف الحقيقة خلف هذا العمل الارهابي المشين". وقال "في هذا الوقت العصيب، ندعو جميع أصدقاء لبنان للوقوف الى جانب الشعب اللبناني الذي ينبغي أن تكون له الحرية في تحديد مستقبله بنفسه".

من جهتها دعت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون الحكومة اللبنانية المقبلة التي كلف نجيب ميقاتي تشكيلها الى الالتزام بتعهدات لبنان في ما يتعلق بالمحكمة.

وقالت في بيان "على الذين يحاولون وقف تعاون لبنان ان يوقفوا محاولاتهم ويظهروا قدرا من اللياقة الانسانية".

وتابعت "لن يكون هناك سلام واستقرار في لبنان في نهاية المطاف بدون عدالة".

ويتوقع حزب الله أن توجه المحكمة الاتهام اليه كما يطالب بإلغاء بروتوكول التعاون مع المحكمة وسحب القضاة اللبنانيين منها ووقف تمويلها.