إسرائيل رفضت قرار مجلس الأمن الدولي بوقف العدوان وتابعت حربها في قطاع غزة

لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة تدعو إلى التحقيق في جرائم الحرب في القطاع

الفلسطينيون انقسموا بين معارض للقرار الدولي ومؤيد له وداع إلى التريث فى الرفض أو القبول

تبنى مجلس الأمن في جلسة على مستوى وزاري فجر يوم الجمعة القرار الرقم 1860، بدعم 14 دولة وامتناع الولايات المتحدة فقط، بعد اتفاق وصفه رئيس مجلس وزراء الخارجية العرب وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل بأنه «تاريخي» توّج أياماً من المفاوضات الحثيثة خاضتها الديبلوماسية العربية التي نجحت في الوصول إلى هذه النتيجة، رغم العراقيل ومحاولات فرنسا في الساعات الأخيرة تعطيل التصويت.

وترأس وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الجلسة، كون بلاده ترأس المجلس هذا الشهر، وحضرها كل من وزراء الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس والبريطاني ديفيد ميليباند والليبي عبدالرحمن شلقم والتركي علي باباجان، وشارك فيها من الوزراء العرب الأمير سعود الفيصل والمصري أحمد أبو الغيط والإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد والمغربي الطيب الفاسي الفهري والأردني صلاح البشير واللبناني فوزي صلوخ والفلسطيني رياض المالكي. وتحدث فيها أيضاً الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.

وفاجأت رايس الحضور بامتناعها عن التصويت بعدما ترك الأميركيون، خلال المفاوضات، انطباعاً واضحاً باعتزامهم التصويت لمصلحة القرار. لكن رايس وصفت في كلمتها أمام المجلس القرار بأنه «خطوة إلى الأمام» نحو تحقيق أهداف السلام الدائم في غزة، مشيرة إلى أنه توافق على مضمون القرار لكنها تفضل انتظار نتائج المبادرة المصرية التي حرصت على التشديد على أهميتها ودعت إلى دعمها.

ودعا المجلس في قراره إلى «وقف فوري ودائم لإطلاق النار يحظى بالاحترام الكامل ويفضي إلى الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من غزة، ويشدد على الحاجة الملحة لوقف النار». وطالب بـ «تقديم المساعدة الإنسانية، بما فيها الغذاء والوقود والعلاج وتوزيعها من دون عراقيل في جميع أنحاء غزة». و«رحب بالمبادرات الرامية إلى إيجاد وفتح ممرات إنسانية، وغير ذلك من الآليات الرامية إلى توصيل المعونة الإنسانية على نحو مستمر».

وطلب من الدول الأعضاء «دعم الجهود الدولية الرامية إلى التخفيف من حدة الوضع الإنساني والاقتصادي في غزة، بما في ذلك من خلال تقديم التبرعات الإضافية اللازمة على وجه الاستعجال إلى أونروا، وكذلك عن طريق لجنة الاتصال المخصصة».

ودان «جميع أشكال العنف والأعمال الحربية الموجهة ضد المدنيين وجميع أعمال الإرهاب»، داعياً «الدول الأعضاء إلى تكثيف الجهود الرامية لتوفير الترتيبات والضمانات اللازمة في غزة من أجل الحفاظ على وقف دائم لإطلاق النار وصون الهدوء، بما في ذلك من أجل منع الاتجار غير المشروع بالأسلحة والذخيرة وضمان اعادة فتح المعابر بصفة مستمرة، على أساس اتفاق التنقل والعبور المبرم في العام 2005 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل». ورحب في هذا الصدد بالمبادرة المصرية، وبالجهود الإقليمية والدولية الأخرى الجارية.

وشجع على اتخاذ «خطوات ملموسة نحو تحقيق المصالحة بين الفلسطينيين، بما في ذلك دعماً لجهود الوساطة التي تبذلها مصر وجامعة الدول العربية، على النحو الوارد في القرار الصادر في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، وبما يتماشى مع قرار مجلس الأمن الرقم 1850 (2008) وغيره من القرارات ذات الصلة».

وحض «الطرفين والمجتمع الدولي على بذل جهود مجددة وعاجلة لإحلال سلام شامل يستند إلى الرؤية المتمثلة في وجود منطقة تعيش فيها دولتان ديموقراطيتان، إسرائيل وفلسطين، جنباً إلى جنب في سلام ضمن حدود آمنة معترف بها، حسب المتوخى في قرار مجلس الأمن 1850 (2008)، ويشير أيضاً إلى أهمية مبادرة السلام العربية». ورحب «بنظر المجموعة الرباعية، بالتشاور مع الأطراف، في عقد اجتماع في موسكو في العام 2009». وقرر أن «يبقي المسألة قيد نظره».

وكانت الديبلوماسية البريطانية لعبت دوراً توفيقياً ورائداً ساهم في كسر حلقة التلكؤ والمماطلة التي رافقت الديبلوماسية الفرنسية. ونقلت المصادر عن الجلسة قبل النهائية للوزراء، أن كوشنير حاول إرجاء التصويت إلى اليوم بحجة موافقة الرئيسين حسني مبارك ونيكولا ساركوزي على الإرجاء. لكن وزير الخارجية المصري رد عليه فوراً نافياً صحة الكلام عن هذا الموقف العربي.

وقالت المصادر إن وزير الخارجية السعودي طالب كوشنير بأن يضع مواقفه كوزير فرنسي جانباً وأن يتجاوب مع طلب عقد جلسة التصويت.

وأوشك وزير الخارجية البريطاني على طرح مشروع القرار التوافقي بغض النظر عن الموقفين الأميركي والفرنسي. ودخلت روسيا على الخط في الدقائق الأخيرة، وأبلغت الجانب العربي بأنها جاهزة لمشاركة بريطانيا في تقديم مشروع القرار رسمياً إلى التصويت.

وفجأة، حضر السفير الأميركي زلماي خليل زاد إلى الاجتماع ليبلغ موقف بلاده، وخرج الأمير سعود الفيصل ليعلن الاتفاق «التاريخي» وإلى جانبه ميليباند الذي قال: «سنذهب إلى قاعة مجلس الأمن لتبني القرار الذي آمل أن يكون بالإجماع ليبعث رسالة تصميم الأسرة الدولية على كرامة شعب غزة وشعب إسرائيل، ومساهمة جميع الدول في هذا الهدف النبيل».

وفوجئت الوفود بالامتناع الأميركي عن التصويت رغم ترحيبها بسماح الولايات المتحدة لمجلس الأمن بتبني القرار بعدم استخدامها «الفيتو». وعزا البعض هذه المفاجآة إلى مخاوف رايس من مبادرة فرنسا إلى الامتناع تاركة الولايات المتحدة في حرج تام، فيما رأى آخرون أن سببه ضغوط إسرائيلية بارزة وقوية في اللحظة الأخيرة.

وتحدث في الجلسة جميع أعضاء مجلس الأمن، بمن فيهم الوزير الليبي الذي شكر الدول الأعضاء على التعامل بجدية مع الجهود العربية نحو استصدار قرار، كما تحدث الوزير الفلسطيني شاكراً المجلس على مواقفه. وقال الأمير سعود الفيصل في الجلسة إن هذا «القرار يبعث في نفوسنا الأمل بدور مجلس الأمن وان من شأنه إعادة الثقة في عملية السلام»، داعياً إلى اعتماده «نموذجاً في التعاون».

واعتبر أن «الإنجاز الأهم هو (تطبيق القرار) في غزة، وليس فقط في اعتماد القرار». وأضاف أن «نجاح مجلس الأمن جاء بفضل الجهود والنيات الحسنة للجميع». وعبر عن «شعورنا بالاعتزاز بهذا الإنجاز»، إنما «بثمن باهظ» إذ استمر هدر الأرواح في فلسطين في الأيام التي استغرقها إنجاز الاتفاق. وأعرب أبو الغيط عن شعور بلاده «بالرضى الكامل والارتياح لهذا القرار». وشكر خصوصاً وزير الخارجية البريطاني، والمجلس للإشارة مرتين في القرار إلى المبادرة المصرية.

وأعلنت إسرائيل أنها ستواصل عملية «الرصاص المنهمر» على قطاع غزة «حتى تحقيق أهدافها»، معتبرة قرار مجلس الأمن الدولي «غير عملي»، فضلاً عن أن «إسرائيل لا تتلقى التعليمات من أي جهة خارجية في كل ما يتعلق بأمنها»، لكنها لم توضح ما إذا كانت ستعطي التعليمات للجيش بالانتقال إلى المرحلة الثالثة من الخطة العدوانية القاضية بالتوغل في عمق الأراضي المأهولة بالسكان في القطاع. وأعربت أوساط سياسية رفيعة عن «مفاجأتها» من امتناع الولايات المتحدة عن التصويت على القرار الدولي. وتساءلت عما إذا كان هذا الموقف مؤشراً لسياسة أميركية مغايرة في عهد الرئيس المنتخب باراك أوباما.

وجاء في بيان صادر عن الحكومة الأمنية المصغرة التي التأمت للبحث في التطورات في أعقاب قرار مجلس الأمن الرقم 1860، أن «إسرائيل قررت مواصلة عملية الرصاص المنهمر في قطاع غزة، وحتى توسيعها». وأكد البيان أن إسرائيل «لا تقبل بقرار مجلس الأمن»، وأن الجيش الإسرائيلي «سيواصل العمل على تحقيق أهداف العملية من أجل تغيير الوضع الأمني في الجنوب، وفقاً للخطط التي أقرت عند إطلاق العملية».

وأكد أن «العملية لمنع تهريب وسائل قتالية إلى قطاع غزة ستتواصل، كما قررت الحكومة مواصلة النشاط الإنساني الذي تقوم به إسرائيل لمصلحة سكان القطاع وستكون أكثر من هدنة (لساعات) لتمكين السكان من التزود بالأغذية والأدوية». وأشار إلى أن «القرار الدولي يؤكد ضرورة تشكيل آلية لمعالجة مشكلة تهريب الأسلحة وضمان وقف ثابت للنار شرطاً لخروج القوات الإسرائيلية من القطاع ووقف الإرهاب».

وختم بأن «الحكومة قررت أنه على خلفية مواصلة إطلاق القذائف (على إسرائيل) رغم القرار الدولي، فإن لإسرائيل الحق الكامل في الدفاع عن النفس».

واستبق رئيس الحكومة إيهود أولمرت انتهاء جلسة الحكومة الأمنية المصغرة بإصدار بيان أعلن فيه أن اسرائيل ستواصل عملياتها في غزة رغم صدور القرار. وقال إن «اسرائيل لم تقبل يوماً أن تقرر أي جهة خارجية حقها في الدفاع عن مواطنيها». وأضاف أن «الجيش سيواصل عملياته دفاعاً عن مواطني إسرائيل وسينجز المهمات الملقاة عليه في العملية». ورأى أن «عمليات إطلاق الصواريخ هذا الصباح على مواطني الجنوب (في إسرائيل) تثبت أن قرار الأمم المتحدة ليس عملياً وغير قابل للتطبيق من جانب منظمات الإرهاب والقتل الفلسطينية».

وكانت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني أول مسؤول إسرائيلي يعقب رسمياً على القرار الدولي. وقالت إن إسرائيل «عملت وتعمل فقط وفقاً لاعتبارات أمن مواطنيها وحقها في الدفاع عن النفس». وأضافت أن «إسرائيل لا تبحث عن اتفاق مع حماس، إنما عن إخضاعها». واعتبر نائب رئيس الحكومة إيلي يشاي أن «العالم بات يشكل مجموعة ضاغطة (لوبي) باسم حماس و(رئيس الحكومة الفلسطينية المُقالة إسماعيل) هنية». وأضاف أنه «لن يحصل شيء إذا بقي القرار حبراً على ورق. فقط المصلحة الإسرائيلية هي المهمة».

وسبق انعقاد الحكومة الأمنية اجتماع لـ «المطبخ السياسي» ورؤساء الأذرع الأمنية المختلفة الذين استمعوا إلى رئيس الهيئة الأمنية - السياسية في وزارة الدفاع عاموس غلعاد العائد من زيارة قصيرة إلى القاهرة نقل خلالها الموقف الإسرائيلي من المبادرة المصرية لوقف النار. وقالت أوساط سياسية رفيعة أن غلعاد عاد «خالي الوفاض» بعدما أبدت القاهرة استعدادها لتحسين مراقبة الشريط الحدودي بين سيناء والقطاع (محور فيلادلفي) لمنع تهريب السلاح، لكنها رفضت نشر قوات أجنبية في أراضيها لهذا الغرض.

وأفادت صحيفة «هآرتس» أن محادثات غلعاد في القاهرة لم تسفر عن «انفراجة» باتجاه التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار. ونقلت عنه أنه لم يسمع من المسؤولين المصريين تعهداً بمنع تهريب الأسلحة وإنما عبر المصريون عن نيتهم التفاوض في شأن هذا الموضوع. ونُقل عن ليفني قولها ان ترحيب إسرائيل بالمبادرة المصرية كان خطأ، وأن قبولها يعني «إنجازاً» لحركة «حماس»، إذ تخلو من تأكيد إقامة آلية دولية لمنع تهريب السلاح، كما أنها تضع إسرائيل في الخانة ذاتها مع «حماس»، فضلاً عن أن فتح المعابر سيعتبر إنجازاً للحركة، «وعندها سنُسأل من أجل ماذا أطلقنا العملية العسكرية».

وكانت أوساط سياسية رفيعة المستوى اعتبرت القرار الدولي «مجرد صيغة إعلانية» لا أكثر وانه ليس ملزماً، مشيرة إلى أنه اتخذ تحت البند السادس، لا السابع بمعنى أن صلاحيات فرضه أضعف. لكن هذه الأوساط لم تخف حقيقة أن إسرائيل «ليست راضية عن القرار» لأنه لا يتطرق إلى إنشاء آلية لوقف تهريب السلاح قبل إعلان وقف النار.

ولفت سفراء إسرائيليون سابقون في واشنطن ولدى الأمم المتحدة إلى امتناع الولايات المتحدة عن التصويت وعدم لجوئها إلى حق النقض «الفيتو». وقال السفير السابق في واشنطن داني أيالون إن الموقف الأميركي المفاجئ «أهم من القرار الدولي». وأضاف أنه «نجم على ما يبدو عن ضغط المجموعة العربية وحضور الأمين العام للجامعة العربية عمر موسى ووزير خارجية بريطانيا ديفيد ميليباند»، ملمحاً إلى أن إسرائيل أخطأت في عدم ذهاب ليفني إلى نيويورك.

وأضاف أن الدول العربية ضغطت في اتجاه اتخاذ القرار بسرعة، لتفادي تظاهرات كبيرة في العالم العربي بعد صلاة الجمعة. وزاد أن الولايات المتحدة «أمسكت بالعصا من طرفيها»، من جهة أرادت إرضاء العالم العربي وأوروبا ربما، ومن جهة أخرى أبقت على نص ضبابي يتيح لإسرائيل هامش تحرك والادعاء بأن الطرف الثاني لا ينفذ القرار».

وقال السفير السابق في الأمم المتحدة دوري غولد إن القرار الجديد هو «توصية»، وان إعلان «حماس» رفضها له يعفي إسرائيل من مسؤولية تنفيذه. واعتبر خلفه في الأمم المتحدة داني غيلرمان أن على إسرائيل أن تتجاهل القرار لأنه «لا يضمن هدنة دائمة ووقف الهجمات الإرهابية».

وأضاف في مقابلة مع الإذاعة العامة أن القرار «مخيب جداً للآمال بالنسبة إلى إسرائيل، خصوصاً أن الولايات المتحدة امتنعت عن التصويت من دون أن تستخدم الفيتو (حق النقض)».

وتناغمت مواقف أركان الدولة العبرية من القرار الدولي مع مواقف السواد الأعظم من الإسرائيليين. إذ أفاد استطلاع جديد نشرته صحيفة «معاريف» أن 91 في المئة من اليهود الإسرائيليين يؤيدون مواصلة الحرب على قطاع غزة، فيما عارضها أقل من 4 في المئة. وأيد نحو 49 في المئة إرجاء الانتخابات مع استمرار الحرب، في مقابل 41 في المئة أيدوا إجراءها في موعدها المقرر في العاشر من الشهر المقبل.

وأكد الاستطلاع من جديد ارتفاع شعبية حزب «العمل» بزعامة وزير الدفاع ايهود باراك إذ يحصل على 17 مقعداً، لو جرت الانتخابات اليوم، مقابل 10 مقاعد قبل بدء العدوان على القطاع. وحصل «ليكود» بزعامة بنيامين نتانياهو على 29 مقعداً، و «كديما» بزعامة ليفني على 27. وحصل حزب «إسرائيل بيتنا» اليميني المتطرف على 13 مقعداً، وحركة «شاس» الدينية الشرقية اليمينية على 9 مقاعد ونظيرتها الأشكنازية «يهدوت هتوراة» على 6 مقاعد، وحزب «ميرتس» اليساري على 5 مقاعد.

ويحصل حزب «البيت اليهودي» الذي يضم أحزاب اليمين المتطرف على 4 مقاعد. أما الأحزاب العربية الثلاثة فحصلت على 10 مقاعد. وتعني هذه الأرقام أن تكتل قوى اليمين يحصل على 61 مقعداً، مقابل 49 لأحزاب الوسط واليسار الصهيوني و10 للأحزاب العربية.

من جانبها رفضت حركة «حماس» قرار مجلس الأمن واعتبرت أنها «غير معنية» به، فيما علمت «الحياة» أن وفداً من الحركة يضم عضوي مكتبها السياسي محمد نصر و عماد العلمي، يصل القاهرة اليوم لتسليم رد على المبادرة المصرية التي أعلنت «حماس» أول من أمس رفضها في بيان مشترك مع الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق.

لكن عضواً في المكتب السياسي لـ «حماس» قال لـ «الحياة» إن الحركة لم ترفض المبادرة المصرية، «لكن هناك ملاحظات سنطلع الأخوة المصريين عليها، وسنشرح لهم موقفنا إزاء عدد من القضايا». غير أنه رفض كشف تفاصيل هذه الملاحظات، مكتفياً بالقول إن «وقف العدوان وسحب القوات الاسرائيلية على رأس مطالب حماس قبل البحث في أي تفاصيل أخرى». ولفت إلى أن الحركة تسعى إلى إشراك قياديين من الداخل في الوفد المتجه إلى القاهرة، خصوصاً أيمن طه وجمال أبو هاشم، لكنه لم يوضح كيف سيصلان إلى مصر.

وعن موقف الحركة من قرار مجلس الأمن، قال: «عنوان مطالبنا باختصار شديد هو الوقف الفوري للعدوان، بما في ذلك سحب كل القوات الاسرائيلية ومن ثم رفع الحصار وتشغيل المعابر كافة بما فيها معبر رفح. وما يتناسب مع هذا الموقف نرحب به وما يتعارض معه نرفضه. وإذا لم يتم تحقيق ذلك، فإن الحركة ما زالت أمامها جولة كبيرة من القتال والصمود». وشدد على «تمسك الحركة بهذه المطالب ورفضها التنازل عنها باعتبارها حقاً طبيعياً وشرعياً أمام العدوان الإسرائيلي السافر على غزة».

وكان القيادي في «حماس» محمد نزال اعتبر أن الحركة «غير معنية» بالقرار الدولي. ونقلت وكالة «فرانس برس» عن المسؤول الإعلامي في «حماس» في لبنان رأفت مرة أن الحركة ترفض القرار «لأنه يبتعد عن الأهداف الأساسية للشعب الفلسطيني. ونحن في حركة حماس نرفض أي قرار إذا كان لا يأخذ بعين الاعتبار أهداف ومصالح وتطلعات الشعب الفلسطيني. وهذا القرار لا يلزمنا».

ورأى أن «القرار يتحدث بضبابية عن الحقوق الفلسطينية مثل مسألة فك الحصار أو فتح المعابر». وأوضح أن تطلعات الفلسطينيين «تتمثل بالتالي: وقف العدوان الإسرائيلي في شكل نهائي وسريع وشامل عن الشعب الفلسطيني، وفك الحصار في شكل نهائي وفتح المعابر كافة». واعتبر أن «هذا القرار لمصلحة الطرف الاسرائيلي أكثر منه لمصلحة الطرف الفلسطيني. ويُراد منه توفير بعض المصالح الأمنية الإسرائيلية وحفظ ماء وجه الاحتلال بعد مجموعة من الإخفاقات التي مُني بها في قطاع غزة. ويعطي فرصة أكبر للبقاء في قطاع غزة للتحكم بشؤون الشعب الفلسطيني».

وخلافاً للتوقعات، أعلن نائب الأمين العام لحركة «الجهاد الإسلامي» زياد النخالة موافقة الحركة على قرار مجاس الأمن الدولي، فيما قال الناطق باسم «سرايا القدس»، الذراع العسكرية للحركة، و «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» إن القرار «يساوي بين الضحية والجلاد».

وقال النخالة في تصريح صحافي نشره موقع الكتروني تابع للحركة إن «الشيطان يكمن في التفاصيل» لجهة تطبيق قرار مجلس الأمن، لكنه أعلن «موافقة الحركة على القرار الذي يضمن وقف النار وانسحاب إسرائيل الكامل والفوري من غزة ورفع الحصار». وأضاف: «سننتظر ونرى كيفية تطبيق إسرائيل لهذا القرار، وما أمامنا سوى الصمود وكسر إرادة العدو».

وأشار إلى وجود تنسيق كامل مع «حماس» في انتظار آلية التطبيق. وقال: «يوجد توافق مع الأخوة في حماس تماماً، ونحن نريد تنفيذ القرار الذي ينص على الانسحاب الكامل والفوري من غزة وكسر الحصار». واعتبر أن «أمامنا معركة سياسية كبيرة سنقودها بكل حيثياتها، لكننا سنتحرك بما تمليه علينا المصلحة الفلسطينية».

لكن «سرايا القدس» اعتبرت أن القرار «لم يلبِ طموحات الشعب الفلسطيني وساوى بين الجلاد والضحية». وقال الناطق باسم السرايا «أبو أحمد» في تصريح صحافي إنه «كان من المفترض على مجلس الأمن إدانة العدوان الصهيوني الغاشم على قطاع غزة، والدعوة إلى وقفه، والانسحاب الفوري من الأراضي التي توغل فيها، وأن يُرفع الحصار وتفتح المعابر في شكل كامل». وتعهد أن «تواصل سرايا القدس ومعها كل فصائل المقاومة الفلسطينية التصدي للعدوان بكل ما تملك من وسائل، ولن تدخر جهداً في ضربه في أماكن وجوده كافة، حتى يوقف عدوانه ويرحل إلى غير رجعة».

بدورها، اعتبرت عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية النائب خالدة جرار أن القرار «يساوي بين الضحية والجلاد، حين يتحدث عن وقف نار متبادل». ورأت أن «الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة لا يملك إلا الاستمرار في المقاومة والصمود».

هذا ولم تخفت حدة العدوان الإسرائيلي على غزة، رغم صدور قرار مجلس الأمن. وقتل قصف الطائرات والمدفعية والدبابات والزوارق البحرية الإسرائيلية التي دكت منازل الفلسطينيين بمنتهى القسوة والعنف، أكثر من 30 شخصاً يوم الجمعة وانضم الصحافيون إلى لائحة الأهداف الإسرائيلية، فجرح اثنان منهم بعدما قصفت طائرة إسرائيلية مبنى الجوهرة في مدينة غزة الذي تستخدمه قنوات إخبارية عربية مقراً للبث. واعتبرت حركة «الجهاد الإسلامي» أن المعركة الفعلية بين مقاتلي الفصائل وقوات الاحتلال لم تبدأ، مؤكدة أنها تنتظر حرب الأزقة والشوارع.

وواصلت قوات الاحتلال قصفها ممتلكات الفلسطينيين ومنازلهم، لترفع إجمالي عدد الشهداء منذ بدء الحرب على غزة في السابع والعشرين من الشهر الماضي إلى أكثر من 792، والجرحى إلى نحو 2400. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تراجعت قوات الاحتلال عن التهدئة اليومية التي قالت إنها ستمنحها للمواطنين للتزود بحاجاتهم الأساسية، فواصلت القصف الجوي من الطائرات المقاتة من طراز «اف 16» والمروحيات من نوع «أباتشي» الأميركي الصنع، ودبابات «ميركافاه سيمان 3» و «ميركافاه سيمان 4» الأكثر تصفيحاً في العالم، وكذلك المدفعية الرابضة على الحدود الشمالية والشرقية للقطاع.

واستهدفت الطائرات الحربية مساء الجمعة سطح برج الجوهرة وسط مدينة غزة الذي تشغله مكاتب قنوات «الإخبارية» السعودية و «النيل» المصرية، و «العالم» الإيرانية، وغيرها. وأدى القصف إلى جرح صحافيين كانا على سطح البناية. وانتقدت حركة «حماس» قرار وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» تعليق عملياتها في القطاع بسبب استمرار استهداف منشآتها والعاملين فيها من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.

ودعت المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة نافي بيلاي إلى إجراء تحقيقات «مستقلة وذات صدقية» في شأن انتهاكات للقانون الإنساني الدولي في غزة قد تصل إلى حد «جرائم حرب»، فيما اتهمت المنظمة الدولية الجيش الإسرائيلي بجمع 110 مدنيين، نصفهم أطفال، في منزل في غزة وقصفه، ما أدى إلى استشهاد 30 منهم.

وقالت بيلاي، وهي أكبر مسؤولة عن حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، إنه يتعين نشر مراقبين حقوقيين تابعين للمنظمة في إسرائيل وغزة والضفة الغربية لتوثيق الانتهاكات ومرتكبيها. وأضافت في كلمة أمام جلسة خاصة لمجلس حقوق الإنسان التابع للمنظمة الدولية: «يتعين ضمان المحاسبة على انتهاكات القانون الدولي، وكخطوة أولى يتعين إجراء تحقيقات مستقلة ذات صدقية وتتسم بالشفافية لتحديد الانتهاكات والمسؤولين عنها».

وأشارت إلى أن «انتهاكات للقانون الدولي قد تصل إلى مستوى جرائم حرب، ويمكن أن تطبق عليها بنود المسؤولية الجنائية الفردية». وشددت بيلاي على أن «إسرائيل وحماس يجب أن تحترم المبادئ الثلاثة الأساسية لقانون حقوق الإنسان الدولي المتضمن في معاهدات جنيف»، وهي التكافؤ في استخدام القوة، والتمييز بين المقاتلين والمدنيين وبين الأهداف العسكرية والبنية الاساسية المدنية، واتخاذ الإجراءات الممكنة لتجنب قتل المدنيين عن طريق الخطأ.

وحذرت بيلاي، وهي جنوب أفريقية وقاضية سابقة في المحكمة الجنائية الدولية، من أن «الإضرار بالمدنيين نتيجة لصواريخ تطلق من قطاع غزة على إسرائيل أمر غير مقبول. والغارات الجوية الانتقامية من جانب القوات الإسرائيلية تتسبب في قتل كثيرين وتعريض المدنيين والبنية الأساسية المدنية لخطر بالغ».

واتهمت الأمم المتحدة الجيش الاسرائيلي بقتل 30 مدنياً من بين 110 كان جمعهم في منزل في غزة. وقال مكتب الامم المتحدة لتنسيق الأنشطة الإنسانية في بيان إن الحادث «هو من أخطر الحوادث منذ بدء العمليات» العسكرية في القطاع. وأوضح أن «شهادات افادت أنه في الرابع من كانون الثاني (يناير) الجاري، قام جنود بجمع نحو 110 فلسطينيين في منزل واحد في حي الزيتون (نصفهم من الأطفال) وأمروهم بالبقاء في الداخل».

وأضاف أنه «بعد 24 ساعة على ذلك، قصفت القوات الإسرائيلية المنزل مرات عدة ما أدى إلى مقتل ثلاثين شخصاً». وأشار إلى أن «من نجوا وتمكنوا من السير مسافة كيلومترين وصلوا إلى شارع صلاح الدين حيث نقلوا إلى المستشفى في سيارات مدنية. وتوفي ثلاثة أطفال، أصغرهم في شهره الخامس عند وصولهم» إلى المستشفى.

وتلقت منظمة «بيتسليم» الحقوقية الإسرائيلية شهادة تؤكد رواية الأمم المتحدة، لكنها لفتت إلى أنه من الصعب جداً فهم تسلسل الأحداث في شكل واضح وكامل بسبب صعوبة الاتصالات في غزة والمعارك التي تمنع من التنقل. ونقلت عن ميساء فوزي السموني (19 سنة) من سكان حي الزيتون أن الجنود اقتادوها مع ابنتها البالغة من العمر تسعة أشهر ونحو ثلاثين آخرين من أفراد العائلة إلى منزل أحد أقاربهم. وروت الفتاة: «أمرنا الجنود بمرافقتهم إلى منزل وائل السموني، وهو عبارة عن عنبر اسمنتي تقارب مساحته مئتي متر مربع... كنا أساساً ثلاثين ثم أصبح مجموعنا سبعين. مكثنا حتى اليوم التالي من دون ماء ولا طعام».

وفي صباح اليوم التالي، أطلق الجيش الإسرائيلي النار على أشخاص حاولوا مغادرة المكان لجلب أقارب آخرين. وبعد لحظات سقطت قذيفة على المنزل.