حقل التجارب الأوسطى يفتح ليلا نهارا ... ولا نتائج

تململ أوروبي من التفرد الأمريكى فى الشرق الأوسط ولكن ... لا طلاق

خادم الحرمين يدعو المجتمع الدولى إلى ردع إسرائيل

إسرائيل ماضية فى التصعيد وتجاهل أمنيات السلام الأوروبية

لندن : أمين السباعى

سارعت قوى سياسية نافذة فى حزب العمال البريطانى الحاكم هذا الأسبوع إلى التخفيف من حدة تقارير صحفية كشف مضمونها النقاب عما وصفته " بالبرود " الطارئ على العلاقة المميزة التى كانت قائمة بين بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وبصورة خاصة العلاقة الاستراتيجية والتحالف والتنسيق القويين بين تونى بلير الرئيس السابق للحكومة البريطانية والرئيس الأميركى جورج بوش.

وبادرت القوى العمالية المشار إليها إلى الحديث عن حالة برود فى العلاقات الأميركية البريطانية وقالت أن الحديث هو حديث غير دقيق ولا يعبر عن واقع الحال وأن فى بريطانيا كما فى أميركا مؤسسات رسمية تؤمن استمرارية نهج التعامل مع الحلفاء والأعداء وهذا النهج لا يتغير بتغير الأشخاص والحكومات وإن اختلفت أساليب التطبيق بين رئيس ورئيس وحزب وحزب. وبالتالى فإن استراتيجية التحالف بين اميركا وبريطانيا والتى أرسى قواعدها الرئيسان روزفلت وتشرشل كانت وستبقى الضامن الأساسى لبقاء هذا التحالف على فاعليته. وأن من الخطأ الرهان على انهيار هذه الاستراتيجية لأن هذا الرهان إذا صدق وحصل سيعنى إلحاق الأذى الفادح بمصالح الدولتين فى أكثر من موقع فى العالم خصوصا فى منطقة الشرق الأوسط.

وقد لوحظ أن الحديث عن البرود فى علاقات اميركا وبريطانيا قد وصل إلى الأوساط السياسية والإعلامية فى لندن من واشنطن نفسها فى الوقت الذى كانت شوارع لندن وغلاسكو وبعض المدن البريطانية والأوروبية الأخرى تشهد موجات من التظاهرات المطالبة بسحب القوات البريطانية من العراق وأفغانستان. وذلك بمناسبة الذكرى الخامسة لحرب العراق وفك الارتباط القائم ما بين الوجود العسكرى البريطانى ومخططات الإدارة الأميركية المصرة على البقاء السياسى والعسكرى لسنوات غير محددة هناك.

وجاء فى ملخص المعلومات الواردة من واشنطن إلى لندن عن حالة البرود المشار إليها ما يفيد أن الدبلوماسيين البريطانيين فى واشنطن قد توافقوا بصورة غير معلنة عن التوقف عن استخدام عبارة علاقة خاصة فى أحاديثهم عن العلاقات البريطانية مع أميركا.

وأن هذه الظاهرة قد برزت معالمها منذ أن تولى غوردون براون رئاسة الحكومة البريطانية وأن السياسة الخارجية البريطانية تركز قواعدها الآن على إقامة جبهة موحدة مع دول الاتحاد الأوروبى لمواجهة قضايا ومشاكل دولية تتخذ أميركا حيالها مواقف مختلفة. وأن هذا التغيير قد فتح الباب أمام الرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزى لكى يملأ الفراغ الذى خلفه خروج تونى بلير من الحكم.

وتقول هذه المعلومات إضافة إلى ما سبق أن العلاقة الثنائية بين بريطانيا وأميركا لا تمر حاليا بأزمة إلا أن الاتصالات بين الحكومتين لم تعد كثيفة كما كانت فى عهد تونى بلير لأن غوردون براون يفضل إعطاء الأولوية فى اهتماماته لتعزيز التعاون الأوروبى فى إطار الاتحاد القائم.

وفى الواقع من الضرورى الاعتراف بأن أيا من الدولتين لا تسعى إلى فك روابط التحالف الاستراتيجى بينهما إلا أن الواقعية تفرض الاعتراف بأن هناك أراء سائدة داخل حزب العمال البريطانى الحاكم تنصح بإعادة النظر فى القرار الذى اتخذه تونى بلير قبل خمس سنوات بالذهاب مع الإدارة الأميركية إلى الحرب فى العراق استنادا إلى أسباب ومبررات ثبت بعد احتلال العراق عدم مصداقيتها.

وتدعو هذه الآراء إلى برمجة مراحل انسحاب الجيش البريطانى من العراق وتسريع هذا الانسحاب بعيدا عن الاستراتيجية الأميركية المتبعة هناك. وذلك لأن الوضع الانتخابى المقبل لحزب العمال يدل على أن البقاء فى العراق مع أسباب خارجية وداخلية عدة سيؤدى إلى خروج الأكثرية النيابية وبالتالى الحكم من يدى الحزب إلى أيدى المعارضة.

ويضيف أصحاب هذه الآراء النصائح أن برمجة الانسحاب البريطانى من العراق اليوم أفضل من الغد. ذلك أن الأسباب الأساس للمشاركة فى حرب العراق قد تحققت فى القضاء على صدام حسين ونظامه إلى القضاء على نفوذ البعث إلى التأكد من عدم وجود أسلحة ذرية وأسلحة دمار شامل وصواريخ بعيدة المدى فى العراق وبات من الممكن نسبياً إسناد مهمة حفظ الأمن والقضاء على الإرهاب هناك للقوات العراقية مع إبقاء أبواب مساندة قوات التحالف للعراقيين عند الضرورة من خلال الاستعانة بالقوى الغربية المرابطة فى مياه الخليج والمرابطة أيضا فى القواعد العسكرية البرية فى المنطقة.

ويقال هنا " أن رئيس الوزراء البريطانى الذى يفضل عدم الإكثار من الإطلالات الإعلامية يميل ضمناً إلى أراء أصحاب هذه النصائح " داخل حزبه.

يضاف إلى ذلك أن هناك تيارا سياسيا بارزا فى لندن يؤيد فكرة دفع الفلسطينيين والإسرائيليين إلى التخلى عن أسلوب حل المشاكل بينهما بالقوة والتوجه نحو طاولة المفاوضات للوصول على الحل السلمى وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وإعادة توحيد قطاع غزه والضفة الغربية انطلاقاً من بنود خارطة الطريق وابتعاد إسرائيل عن خوض غمار حروب جديدة فى المنطقة واستنفاذ كل وسائل الحوار الدبلوماسى لحمل إيران على إقفال ملفها النووى ووضع ملف الحل العسكرى لهذه المشكلة فى أخر سلسلة الحلول والابتعاد عنه بكل الوسائل حتى لا يؤدى التسرع فى اللجوء إليه إلى التورط دولياً وإقليمياً فى حرب جديدة باهظة الأثمان على جميع الأطراف.

ويقول هؤلاء الناصحون أن اعتماد هذه الأسلوب فى التعاطى مع مشاكل الشرق الأوسط لا يعنى الدعوة إلى التراجع عن استراتيجيات مكافحة الإرهاب والإرهابيين ولا التغاضى عن أحلام الإرهابيين فى السيطرة على مؤسسات الحكم الشرعية فى دول المنطقة ولا السكوت عن سعى هؤلاء للسيطرة على ثروات المنطقة خصوصاً.

ولا ترك الساحة خالية من أى رادع بتهديد أمن ووجود إسرائيل فهذه فى مجملها تشكل خطوطاً حمراً تلتزم بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبى مع أميركا بالدفاع عنها إلا أن هذا الالتزام يجب أن لا يحول دون اعتماد العقلانية فى العمل عن نزع فتائل التفجير لحل المشاكل قبل العمل على حلها بالطرق الدبلوماسية وحتى بسياسة العقوبات الاقتصادية.

وتدعو القوى البريطانية والأوروبية فى هذا المجال إلى التوقف طويلاً عند الآراء والمطالب التى وردت فى جلسات مؤتمر القمة الإسلامية فى الأسبوع الماضى والتى ألقى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز الضوء عليها فى كلمته فى القمة الإسلامية التى ألقاها نيابة عنه الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودية والتى جاء فيها فى جملة ما جاء قوله " أن موضوع القدس الشريف يشكل جوهر ومحور القضية الفلسطينية وأن هذا الموضوع يجب أن يحتل أولوية فى أى محادثات أو مفاوضات لحل النزاع العربى الاسرائيلى وتأسيساً على هذا المبدأ وبناء الإجماع العربى جاءت مشاركة السعودية فى مؤتمر انابوليس للسلام وذلك فى ضؤ التأكيدات بأن المؤتمر سيدشن مرحلة جديدة يتم بموجبها التعامل مع عملية السلام من منطلق تناول القضايا الأساسية للنزاع بما فيها قضية القدس وضمن إطار زمنى محدد وكان يحدونا الأمل بأن توضع الالتزامات التى جرى التعبير عنها فى انابوليس موضع التنفيذ غير أن الوقت يدهمنا ولم نشهد حتى الآن سوى استمرار الحكومة الاسرائيلية فى ارتكاب المجازر ضد الشعب الفلسطيني فى غزة وباقى الأراضى الفلسطينية ضد النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين العزل وانتهاجاً لسياسة الحصار والعقوبات الجماعية المناهضة لكل القوانين الدولية والإنسانية واتفاقيات جينف الخاصة بمعاملة السكان المدنيين تحت الاحتلال.

وتلقى القادة الأوروبيين والاميركيون أيضاً مطالب إسلامية بعد القمة الإسلامية مباشرة تدعو المجتمع الدولى إلى اخذ العلم بأن الممارسات الإسرائيلية تفرض على هذا المجتمع توفير الحماية الدولية المطلوبة للفلسطينيين كما ابلغ هؤلاء القادة أن الالتزام العربى بالسلام كخيار استراتيجى يرتبط بمدى وفاء إسرائيل بالتزاماتها تجاه العملية السلمية واحترامها لسائر مرجعيات السلام بما فيها مبادرة السلام العربية ولهذا فالمطلوب من المجتمع الدولى ليس رعاية عملية السلام فقط بل السعى الدائم للسير بهذه العملية لتصل إلى أهدافها.

ومن البدهى أن يكون ديك تشيينى نائب الرئيس الاميركى قد سمع هذه المطالب والآراء والمواقف خلال جولته الحالية فى الشرق الأوسط كما سمعها القادة الأوروبيون الذين يزرون المنطقة تباعاً.

وتظهر فى أجواء الدول الأوروبية فى الفترة الراهنة معالم تحرك فى اتجاه دفع مسيرة ووعود انابوليس إلى حيز التنفيذ.

فالحكومة الألمانية وخلال زيارة المستشارة ميركل إلى إسرائيل هذا الأسبوع أبلغت دولاً عربية عدة إنها عازمة على عقد مؤتمر دولى كبير فى برلين فى فصل الصيف المقبل للبحث فى دعم فاعل لتأسيس أنظمة أمنية وقضائية وإدارية للدولة الفلسطينية الموعودة وان الدعوة إلى هذا المؤتمر ستوجه إلى أميركا ودول الاتحاد الأوروبى وروسيا والأمم المتحدة والدول العربية والسلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل.

وفرنسا بدأت اتصالاتها لعقد اجتماع دولى فى باريس لتقييم نتائج مؤتمر انابوليس وذلك مع بدء رئاسة فرنسا الدورية للاتحاد الأوروبى فى مطلع شهر تموز – يوليو المقبل.

وروسيا فى عهد رئيسها الجديد تدرس إمكان نجاح مؤتمر دولى يعقد فى موسكو لمتابعة مسيرة لقاء انابوليس وهو مؤتمر لا تريد له إسرائيل أن ينعقد.

والاتحاد الأوروبى أكد مجدداً دعمه لمؤتمر انابوليس ولمتابعة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية "التى يجب أن تتمخض عن ولادة دولتين فلسطينية وإسرائيلية".

والرئيس الفرنسى كرر للقادة فى إسرائيل أن وقف الاستيطان وقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة هما أساس تحقيق الأمن لإسرائيل من دون أن ينسى التذكير بتمسكه الدائم بأمن إسرائيل وان فرنسا ستكون دائماً إلى جانب إسرائيل عندما يكون وجودها فى خطر.

وحذت الإدارة الاميركية قبل وصول ديك تشيينى إلى المنطقة حذو دول أوروبا فى حملة هى اقرب إلى حملات التجميل والعلاقات العامة الدعائية عندما أبلغت رايس بعض دول المنطقة وبينها إسرائيل إنها تنتقد إسرائيل لإقدامها مؤخراً على الموافقة على خطط لبناء مئات المنازل الجديدة فى القدس والضفة الغربية لان هذه الخطط لا تساعد عملية السلام. وان الإدارة الاميركية ترى أن توسيع النشاط الاستيطانى لا يتفق مع التزامات إسرائيل بخارطة الطريقة.

ويبدو واضحاً أن الإدارة الاميركية تريد تحقيق تقدم ما على مسار الحل الفلسطينى الإسرائيلى قبل الزيارة التى ينوى الرئيس بوش أن يقوم بها إلى إسرائيل فى شهر آيار – مايو المقبل وهو يأمل بأن تبدأ إسرائيل بإخلاء المستعمرات العشوائية قبل زيارته مع أنه فى قرارة نفسه يشعر بالإحباط واليأس وخيبة الأمل بسبب تجاهل إسرائيل لكل هذه المطالب وإصرارها على متابعة توسيع وبناء مزيد من المستوطنات وهو لا يريد لإدارته خصوصاً فى عام الانتخابات الاميركية وحاجة حزبه لأصوات اليهود أن تفرض على إسرائيل اتخاذ خطوات معينة بل يجب أن تقرر إسرائيل بنفسها ما الذى "تستطيع" أن تفعله!.

ولا تعول أوساط أوروبية كثيراً على زيارة ديك تشيينى إلى الشرق الأوسط لأنها تعرف أن الرجل لم يحمل معه حلولاً جذرية للمشاكل الأساسية وان هدفه وهو احد ابرز صقور إدارته هو إطالة أمد الوجود العسكرى الاميركى فى العراق وتضييق الخناق على إيران وإقناع دول المنطقة بزيادة إنتاج النفط لتخفيض أسعاره وعقد سلام شامل مع إسرائيل والدعوة إلى وقوف جماعى ضد تنامى القوة الإيرانية وإعطاء مزيد من الدعم لإسرائيل والمشاركة فى تفكيك البنى التحتية العسكرية للدول والمنظمات المعارضة فى المناطق الفلسطينية والدول العربية.

ويبدو واضحاً أن أمنيات كل الدول الداعية إلى حلول سلمية لمشاكل الشرق الأوسط تعيش فى واد. وسياسة إسرائيل تعيش فى واد آخر فقادة إسرائيل لا يرغبون فى تقديم أى تنازل أساس للفلسطينيين والعرب وهم يبشرون بسقوط قريب للوعود الاميركية بتحقيق اتفاق جديد مع الفلسطينيين على إقامة دولتهم المستقلة قبل نهاية ولاية الرئيس بوش ما لم تدمر السلطة الفلسطينية نفوذ وسلاح المنظمات الفلسطينية واستعادة غزة من حماس أولا.

وهم مصرون على تصفية حساباتهم مع إيران وسوريا وحزب الله.

وهم مصرون أيضا على عدم التفاوض على إعادة القدس الشرقية إلى أصحابها أو على التفاوض على حق العودة أو على التوقف عن بناء المستوطنات وتفكيك أكثرية ما يبنى منها فى القدس والضفة الغربية.

وأمام هذا الواقع من يجرؤ على التبشير بعصر من السلام لن يأتى؟...

"عن مجلة الأفكار اللبنانية"